; ثلاث محطات مهمة في مسيرة المراجعات الفكرية | مجلة المجتمع

العنوان ثلاث محطات مهمة في مسيرة المراجعات الفكرية

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 09-سبتمبر-2006

مشاهدات 67

نشر في العدد 1718

نشر في الصفحة 44

السبت 09-سبتمبر-2006

العبرة بالخواتيم

التطور الفكري للدكتور طه حسين (۲-۲)

  • عندما اقترح عبد الرحمن بدوي النص في الدستور على مساواة المرأة بالرجل في كل شيء رد عليه طه حسين قائلًا: إذا وجد نص ديني صحيح فالحكمة تقتضي ألا نعارضه. وإذا احترمت الدولة الإسلام فلابد أن تحترمه كاملًا فلا يكون الإيمان إيمانًا ببعض الكتاب وكفرًا ببعضه الآخر
  • لو حاول بعض الكتاب الثائرين أن يأتوا بمثل القرآن ما استطاعوا إلا أن يأتوا بما يضحك ويثير السخرية

لقد كان الدكتور طه حسين «1306-1393هـ - 1889-1973م» عقلًا مجتهدًا، يلتمس طريق التجديد لحياة هذه الأمة وفكرها.. وكان واحدًا من جيل الرواد الذين حسبوا أن «التخلف العثماني» هو «الإسلام»، فبحثوا في النموذج الغربي عن سبيل التقدم والنهوض.. لم يكن الرجل –وكثيرون من الذين انبهروا بالغرب. وكان يومها مزدهرًا.. لم تنكشف بعد أغلب عورات حضارته.

ولأن دعوى طه حسين حول يونانية العقل الشرقي، وعدم تغيير القرآن والإسلام لهذه اليونانية، ومن ثم حتمية أن نكون غربًا في حاضرنا ومستقبلنا. في الإدارة والحكم والتشريع، دونما التفات إلى الدين الإسلامي، ولا إلى التمايز الحضاري. أقول: لأن هذه الدعوى كانت أخطر الادعاءات التي خالف فيها الرجل ثوابت الحضارة الإسلامية، وقسماتها المتميزة، فلقد بدأ قلق الرجل إزاء صحة هذه الدعوى منذ وقت مبكر في مسيرة تحولاته الفكرية. فكتابه «مستقبل الثقافة في «مصر». الذي ادعى فيه هذه الدعوى-صدر ونفد سنة ١٩٣٨م. لكن طه حسين لم يعد طبع هذا الكتاب-طوال حياته. كما كان يعيد طبع جميع كتبه الأخرى فور نفاد طبعاتها!!. وكان هذا الموقف من إعادة طبع هذا الكتاب، إشارة-غير معلنة. إلى مراجعته. وربما تراجعه عن هذه الدعوى التي جاءت فيه.

حتى إذا كانت سنة ١٩٧١م. فسئل الدكتور طه حسين في حديث معه نشرته «الأهرام». في أول مارس سنة ۱۹۷۱م، عن رأيه في هذا الكتاب. فإذا به يقول: ده كتب سنة ١٩٣٨م. قدم قوي، عاوز يتجدد، ويجب أن أعود إليه، وأصلح فيه بعض حاجات، وأضيف.

فكانت هذه أولى محطات المراجعات الفكرية في مسيرة الدكتور طه حسين.

  •  أما المحطة الثانية في هذه المراجعات الفكرية، فهي ما كتبه عن القرآن في كتابه «الفتنة الكبرى». في النصف الثاني من عقد الأربعينيات. في القرن العشرين، فبعد الجرأة والجموح الذي حدث منه إزاء القرآن في كتاب في الشعر الجاهلي سنة ١٩٢٦م. ها هو طه حسين يقول عن القرآن الكريم: لقد قلت في بعض أحاديثي عن نشأة النثر عند العرب إن القرآن ليس شعرًا، ولا نثرًا، وإنما هو قرآن له مذاهبه وأساليبه الخاصة في التعبير والتصوير والأداء. 

فيه من قيود الموسيقى ما يخيل إلى أصحاب السذاجة أنه شعر، وفيه من قيود القافية ما يخيل إليهم أنه سجع، وفيه من الحرية والانطلاق والترسل ما يخيل إلى بعض أصحاب السذاجة الآخرين أنه نثر. 

ومن أجل هذا، خدع المشركون من قريش، وكذبوا في ذلك تكذيبًا شديدًا، ومن أجل هذا خدع كذلك بعض المتتبعين لتاريخ النثر، فظنوا أنه أول النثر العربي، وتكذبهم الحقائق الواقعة تكذيبًا شديدًا فلو قد حاول بعض الكتاب الثائرين -وقد حاول بعضهم ذلك- أن يأتوا بمثله لما استطاعوا إلا أن يأتوا بما يضحك ويثير السخرية» (1).

نعم. كتب طه حسين ذلك. وهو أحد بلغاء العصر، والخبير بأسرار التركيب والإعجاز في الأساليب العربية. فكانت محطته الثانية في مراجعاته الفكرية.

  •  أما المحطة الثالثة في المراجعات الفكرية للدكتور طه حسين، فقد كانت سنة ١٩٥٣م. 

فعقب ثورة يوليو سنة ١٩٥٢م. قامت الثورة بإلغاء دستور سنة ١٩٢٣م. وكونت لجنة من خمسين عضوًا لوضع دستور جديد. وكان طه حسين واحدًا من هؤلاء الخمسين. وفي اجتماع من الاجتماعات التي كانت تناقش حقوق المرأة. دعا الدكتور عبد الرحمن بدوي (١٣٣٥ -١٤٢٣هـ -۱۹١٧ -۲۰۰۲م) إلى النص في الدستور على المساواة التامة والمطلقة بين النساء والرجال، فإذا بالدكتور طه حسين. الذي سبق له وشكك في بعض ما جاء بالقرآن الكريم. وانحاز إلى العلمانية. ودعا إلى تنحية الإسلام جانبًا عن مكونات الدولة ومرجعية المدنية والحضارة والإصلاح. إذا به هو الذي يتصدى لدعوة الدكتور عبد الرحمن بدوي. فيقول: «إنه من المقطوع به أن الأغلبية لن تقبل أن تخرج عند وضع الدستور على ما أمر به الإسلام، وإنه ليس هناك مقتض يسمح لنا بأن نعدل عن نص القرآن. وإنه إذا وجد نص ديني صحيح. فالحكمة والواجب يقتضيان ألا نعارض النص، وأن نكون من الحكمة ومن الاحتياط بحيث لا نضر الناس في شعورهم ولا في ضمائرهم، ولا في دينهم وإذا احترمت الدولة الإسلام فلابد أن تحترمه جملة وتفصيلًا ولا يكون الإيمان إيمانًا ببعض الكتاب وكفرًا ببعضه الآخر» (۲).

نعم. دعا الدكتور طه حسين إلى حاكمية القرآن والإسلام وشريعته على الدستور والقانون. وذلك بعد أن كان -سابقًا- يقول: «إن السياسة شيء والدين شيء آخر، وإن نظام الحكم وتكوين الدول إنما يقومان على المنافع العملية قبل أن يقوما على أي شيء آخر. وهذا أصل من أصول الحياة الحديثة. وإن وحدة الدين ووحدة اللغة لا تصلحان أساسًا للوحدة السياسية ولا قوامًا لتكوين الدول. وإن جوهر الإسلام ومصدره هما جوهر المسيحية ومصدرها. وإن القرآن لم ينظم أمور السياسة تنظيمًا مجملًا أو مفصلًا. وإن النبي لم يرسم السنة نظامًا للحكم ولا للسياسة. فليس بين الإسلام والمسيحية فرق من هذه الناحية. ولأمر ما قال عيسى عليه السلام للذين جادلوه من بني إسرائيل، «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله » (۳).

هكذا بلغ الدكتور طه حسين قمة المراجعة الفكرية. والتطور. إن لم نقل الانقلاب. فدعا إلى الالتزام بحاكمية الإسلام والقرآن في الدولة والدستور والقانون بعد أن كان يدعو إلى الانفلات من حاكميتهما.

  • أما المحطة التي بلغ فيها وبها الدكتور طه حسين قمة القمم، وذروة الإياب إلى الأحضان الحنونة والرؤومة والعطوفة والدافئة لروحانيته الإسلامية وليس فقط عقلانيته المؤمنة. فلقد كانت هي محطة الوصول الكامل، وصول العاشق للمعشوق. بعد طول تطواف. وذلك عندما قام برحلته الحجازية حيث اعتمر، وعاش لحظات من الروحانية المتصوفة الراقية في منزل الوحي ومنبع نور الإسلام، فعادت به إلى الأصول النقية وغسلت عنه كل الأدران!

 ففي شهر جمادى الأولى سنة ١٣٧٤ه -يناير سنة ١٩٥٥م زار الدكتور طه حسين المملكة العربية السعودية رئيسًا للجنة الثقافية للجامعة العربية. التي عقدت دورتها التاسعة في جدة، وذلك على رأس كوكبة من المثقفين والأدباء العرب، وكان يصحبه في هذه الرحلة صديقه العلامة الشيخ أمين الخولي (١٣١٣هـ -١٣٨٥هـ. ١٨٩٥-١٩٦٦م).

وفي خطابه بالمؤتمر تحدث عن مهبط الوحي ومشرق الإسلام، فقال: «سادتي. لقد سبق لي أن عشت بفكري وقلبي في هذه الأماكن المقدسة زهاء عشرين عامًا، منذ بدأت أكتب على هامش السيرة حتى الآن، ولما زرت مكة والمدينة أحسست أني أعيش بفكري وقلبي وجسدي جميعًا، عشت بعقلي الباطن، وعقلي الواعي، استعدت كل ذكرياتي القديمة، ومنها ما هو من صميم التاريخ، ومنها ما هو من صميم العقيدة، وكانت الذكريات تختلط بواقعي، فتبدد حقائق حينًا، ورموزًا حينًا، وكان الشعور بها يغمرني ويملأ جوانح نفسي».

 والآن أريد أن أقول لكم الحق كل الحق، الذي لا نصيب لسرف فيه من قريب أو بعيد إن لكل مسلم وطنين لا يستطيع أن يشك في ذلك شكًّا قويًا أو ضعيفًا، وطنه الذي نشأ فيه وهذا الوطن المقدس الذي أنشأ أمته وكون عقله وقلبه وذوقه وعواطفه جميعًا. هذا الوطن المقدس الذي هداه إلى الهدى، والذي يسره للخير، والذي عرفه نفسه، وجعله عضوًا صالحًا مصلحًا في هذا العالم الذي نعيش فيه.

أعترف -أيها السادة- بأني حين شرفني مجلس الجامعة لاختياري مشاركًا في اللجنة الثقافية للجامعة ترددت في قبول هذا الشرف، لأن فيه أعباء لا ينهض بها إلا أولو العزم، ولكني لم أكد أسمع أن الدورة ستنعقد في هذا الوطن الكريم العزيز، حتى أقبلت غير متردد ولا محجم بل أقبلت يدفعني هذا الشوق الطبيعي الذي تمتلئ به قلوب المسلمين جميعًا مهما تكن أوطانهم، ومهما تكن أطوارهم، فهذا الوطن العزيز الكريم وطن العروبة ووطن الإسلام، لهذا الوطن أقدمت على قبول هذا الشرف وأنا أستعين الله على أن يتيح لي أن أنهض بأعبائه، وهي أعباء ثقال لا شك في ثقلها».

وبعد الفراغ من المؤتمر في جدة. ركب طه حسين، وبصحبته الشيخ أمين الخولي السيارة، قاصدين البيت الحرام بمكة المكرمة. لأداء العمرة. وشهد مرافقوه. طوال الطريق. كيف كان الرجل متنقلًا بين تلاوة آيات القرآن الكريم، وبين التلبية لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، لبيك»، وكيف كان يقطع هذا الاستغراق ليسأل عن المكان الذي تمر به السيارة أو تحاذيه، ليعيش ذكريات تاريخ الإسلام، حتى إذا قالوا له إنهم بمحاذاة «الحديبية» حيث نزل الرسول ﷺ وصحابته سنة 6هـ معتمرين، طلب طه حسين من السائق أن يتوقف، ثم ترجل وقبض من تراب الحديبية قبضة فشمها، ثم تمتم ودموعه تنساب على التراب قائلًا: «والله إني لأشم رائحة محمد ﷺ في هذا التراب الطاهر»، وعلى مدى نصف ساعة بذل مرافقوه جهدهم كله في تهدئة روعه!!. ثم واصل الركب سيره إلى مكة المكرمة حتى دخلوا الحرم من باب السلام، وطه حسين لا يكاد يخفي زلزلة إيمانه عن رفيقه. فتوجها إلى الكعبة فاستلم الحجر وقبله، ولم يغادر مكانه، بل ظل يتنهد ويبكي ويقبل الحجر حتى وقفت مواكب المعتمرين انتظارًا لأن يغادر هذا الأديب الكبير المكفوف مكانه ولكنه كما يقول الشيخ أمين الخولي أطال البكاء والتنهيد والتقبيل ونسي نفسه، فتركه المعتمرون في مكانه، وأجهشوا معه في البكاء والتنهيد(٤). 

هكذا كانت رحلة الدكتور طه حسين مع الإسلام والقرآن. ومع رسول الإسلام، ومع روحانية الإيمان. وكما يقولون، فإن العبرة بالخواتيم. ولقد صدق رسول الله ﷺ إذ يقول: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيختم له. بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها»، «رواه البخاري ومسلم».

 وإذا كان الدكتور طه حسين. في أخريات حياته. لم يكن يسمع بمنزله إلا المصحف المرتل من إذاعة القرآن الكريم، فإن على دارسيه -من العلمانيين والإسلاميين- أن يكونوا أمناء مع حقائق هذا التطور الفكري. فلا يقفوا عند مراحله الأولى، غافلين او متغافلين عن التطورات التي صعد الرجل درجات سلمها، وصعدت به نحو الاحتضان الحميمي لكامل الإسلام.

 فهذا المنهج المعيب في دراسة العظماء والفلاسفة والمفكرين والعلماء لو طبق على أغلب صحابة رسول الله ﷺ الذين أقاموا الدين. وبنوا الدولة. وأسسوا الحضارة. وأورثونا أعظم نعم الله نعمة الإسلام، لوقفت الدراسة لهم عند مرحلة العبادة لـ«اللات» و«العزى» و«مناة الثالثة الأخرى»!!

 وتلك كارثة في دراسة المفكرين والأفكار، حرام أن يقع فيها ويجتمع عليها كثير من غلاة العلمانيين ونفر من الإسلاميين على السواء!

إن من يقول: «إن مهبط الوحي هو الوطن المقدس الذي أنشأ الأمة. وكون العقل. والقلب. الذوق. والعواطف جميعًا. لابد أن يقرأ من جديد!

(*) كاتب ومفكر إسلامي-مصر

الهوامش

  1. د. طه حسين الفتنة الكبرى، ج1 عثمان، ص ۲۲، طبعة القاهرة سنة١٩٨٤م
  2. «لجنة مشروع الدستور». محضر لجنة الحريات والحقوق والواجبات العامة -الجلسة السابعة -ص ۸۱،۱۲۱، طبعة وزارة الإرشاد القومي القاهرة بدون تاريخ
  3. مستقبل الثقافة في مصر، جدا ص ۱۷. ۱۹. ۲۳، و«الفتنة الكبرى» ج1 عثمان، ص ۲۲ ،25 ،27
  4.  مجلة «الحج والعمرة» مكة المكرمة حسين محمد بافقيه المقال الافتتاحي، العددين ۲۰۱، محرم وصفر سنة ١٤٢٦هـ.
الرابط المختصر :