; ثمانية عشر يومًا مع المجاهدين الأفغان الحلقة الرابعة الطب الجهادي | مجلة المجتمع

العنوان ثمانية عشر يومًا مع المجاهدين الأفغان الحلقة الرابعة الطب الجهادي

الكاتب د. نجيب الرفاعي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1983

مشاهدات 59

نشر في العدد 643

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 01-نوفمبر-1983

•في كل يوم تخسر روسيا في أفغانستان ستين مليون دولارًا

•نهيئ أنفسنا للجهاد الطويل فالعدو شرس

•خسائر الروس عام ۱۹۸۱ م: خمسة وعشرين ألف قتيل

•الحاجة جدًا ماسة إلى كل طبيب من كل فرع وتخصص

وجاءت السيارة وانحشرنا بها، وانطلقت في ظلام الليل بين أحياء قديمة تضيق عليها الشوارع وتتسع والبيوت الطينية، تنعكس على جدرانها أضواء الفوانيس الخافتة وكأن أشباحًا تتراقص على الجدران، فإذا ألقيت نظرة على جانبي الطريق وجدت مزيجًا من البشر على التراب، وبجوارهم رقدت الكلاب وجاموسة تجتر لا يكاد النظر يحدد معالمها من تداخلها في ظلام الليل، ومستنقعات مائية يقرع نقيق الضفادع فيها سمع الظلام، وانقطعت الدور وتلاشى البناء ودخلنا عبر الحقول، واقتربنا رويدًا رويدًا من مسجد بني من الجص الأبيض، وكان الظلام دامسا تمامًا لا يرى أحدنا مواقع أقدامه وإنما نتلمس الأرض بأطراف أصابعنا واستقبلنا المضيف، وقادنا في الظلام ونحن متماسكون عبر درج إلى سطح المسجد فعلمنا أن الكهرباء مقطوعة ولم يجد مكانًا لضيوفه أبرد من سطح المسجد، وهناك على ظهر المسجد استقبلنا القائد المجاهد برهان الدين رباني رئيس اللجنة العسكرية للاتحاد الإسلامي الأفغاني، واقتربنا على صوته وصافحنا بقبضة قوية تحدثك عن تاريخ طويل من الجهاد المرير ضد العدو الشيوعي الملحد، وعلى ضوء الفانوس عاد الإبصار إلينا من جديد فبدأنا نبحث عن معالم وجه القائد عبر الظلام فإذا هو بسيط في لباسه ومع هذه البساطة ينبثق بركان من الشدة لا يبغي ولا يندر وصدق الله: ﴿محَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾(الفتح (29: وجلسنا بجواره وأحطنا به إحاطة اللحم بالقلب، فإذا هو حاد البصر أقنى الأنف، اشتعلت جوانب رأسه بالشيب، وتداخل الشيب في لحيته المرخاة على صدره، وتشرق ابتسامة صادقة كلما تحدث وتسمع في صوته حنينًا عجيبًا ينقلك فجأة إلى ميادين الجهاد وخنادق المقاتلين، واضح العبارات صادق النظرات نادرًا ما يغير جلسته، أبرز صفة فيه الصراحة والحياء. يمزج بين العلم والحكم والتواضع والعزة، ويشجعك على سؤاله قبل أن تسأله وتدافع الأخوة يسألونه قائلين:

•حدثنا عن أخبار المجاهدين ومعنوياتهم

إن الشعب الأفغاني شعب مجاهد في القديم والحديث، وسأذكر لكم قصة عن امرأة مجاهدة أيام جهاد الأفغان مع الإنجليز، إذ شاهدها أحد القادة الإنجليز وهي تتفقد الجرحى والقتلى في ميدان القتال تركل برجلها أحد القتلى، ثم تنصرف إلى آخر فتقبله، فقال لها: من هذا الذي ركلتيه برجلك أهو من الإنجليز؟ فقالت لا! بل هو ابني، رأيته وقد أصابه الرصاص من الخلف، فعلمت أنه فر من عدوه، ونحن لا نربي أولادنا على الفرار وأنا بريئة منه، وأما الآخر فهو ابني الثاني رأيت الرصاص أصابه في صدره فعلمت أنه أقبل على العدو بصدره يقاتله ولم يفر من الزحف، وهكذا كنا نربي أولادنا، أما اليوم فإن المجاهدين الأفغان لا يبالون أيضًا بالعدو، ومثال ذلك جاءهم أحد الصحفيين الفرنسيين يومًا، وطلب مشاهدة المعركة حية فخرج معه نفر من المجاهدين إلى معسكر قريب للعدو وفي وضح النهار هجموا عليه وأخذوا يطلقون النار، ولم يتمالك الصحفي نفسه من هول المنظر، فترك جهاز التصوير وفر هاربًا وظل المجاهدون يكبدون العدو خسائر فادحة وانسحبوا إلى جبهتم سالمين.

•ما خسائر الروس في حربهم مع المجاهدين؟

نشرت الصحف الروسية ونقلت عنها الصحف الألمانية أن خسائر الروس في عام ۱۹۸۱م كانت خمسة وعشرين ألف قتيل روسي، واثنا عشر ألف قتيل أفغاني حكومي ومائة طائرة وأكثر من ألف دبابة. وفي كل يوم كانت روسيا تخسر ما مقداره ستون مليون دولار!!!

•إلى أي مدى أنتم تخططون للجهاد؟

إن جهادنا ضد الروس الملاحدة لا ندري متى ينتهي هل بعد عام أو بعد عشرين عامًا لهذا نحن نهيئ أنفسنا على أن نستمر في الجهاد عشرين عامًا مقبلة، فعدونا شرس وليس هدفنا من الجهاد تحرير أرض أفغانستان فقط، ولكن الهدف الأكبر أن نقيم بعد التحرير النظام الإسلامي ثم ننطلق منه بعد ذلك رافعين راية الجهاد لتحرير أرض فلسطين والمسجد الأقصى، والحق أقول إن قضية المسجد الأقصى عندنا أهم من قضية أفغانستان.

•الطب الجهادي:

«إنني لا ألوم الأخوة الأطباء القادمين معكم من الكويت، لقد تضايقوا حين رأوا قلة النظافة والترتيب وعدم التجهيز الكافي للعلاج، لا ألومهم لأنني عشت نفس الشعور حينًا عملت في مستشفى عبد الشكور ... ولكن مع الوقت تأقلمت مع الإمكانيات الموجودة والمتاحة.. حتى إنني أحيانًا أعمل في تخصص غير تخصصي لقلة الأطباء العاملين معنا... بل وأكثر من ذلك لقد أجريت عملية جراحية ذات يوم لأحد المجاهدين ولم تكن معي وسائل التعقيم الضرورية، مؤثرًا وقف نزيف دم المجاهد مع ظهور بعض الأمراض الجلدية للمريض على أن أجعل دمه يتصبب ومن ثم الموت أو قطع طرفه... إنها أيها الإخوة مجال جديد في التطبيب نلقي بالعلوم والمهارات الطبية التي درسناها خلفنا ظهريًا!! ونتعامل مع الإمكانات المتاحة لنا وما أقلها!! إنه أيها الإخوة طب جديد أسميته «طب الضرورة والجهاد»! كان ذلك مقدمة حديث الدكتور يعقوب الذي درس في مصر عشر سنوات تخصص فيها في الأمراض الباطنية وأمنيته الآن أن يتخصص من جديد في علم الجراحة للحاجة الماسة إلى هذا التخصص و يكمل حديثه فيقول: الحاجة جدًا ماسة إلى كل طبيب من كل فرع وتخصص، وخاصة في الأمراض التي لا تحتاج إلى كلام كثير مع المريض كأمراض العيون والأنف والأذان وأمراض الأطفال فهذه الأنواع المختلفة من الأمراض لا تحتاج من الطبيب إلا الفحص ثم مباشرة العلاج، كذلك حاجاتنا منصبة على بعض التخصصات التي يحتاج إليها المجاهد في ثغره وجبهته كالجراحة والعظام، وإن الكثير من المهاجرين يذهبون إلى مستشفيات التنصير من ألمان وأمريكان وإنجليز فيعطونهم مع جرعات العلاج جرعات من التنصير وهدم الإسلام في القلوب.. إن مجيء إخواننا الأطباء العرب المسلمين يحقق غايتين الأولى تدريب الأطباء الموجودين والثانية يعطي سمعة لمستشفياتنا فيقبل إليها المهاجرون بدلًا من أن تتخطفهم أيادي المستشفيات التنصيرية وما أكثرها..

فكرة للجهاد بالمال

قال تعالى:

﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (الحديد: ٧) 

والمخاطبون هنا هم مسلمون، ولكنهم يدعون إلى الإيمان بالله ورسوله، فهي إذا حقيقة الإيمان يدعون لتحقيقها في قلوبهم بمعناها وهي لفتة دقيقة وهم يدعون إلى الإنفاق، ومع الدعوة لمسة موحية فهم لا ينفقون من عند أنفسهم إنما ينفقون مما استخلفهم الله فيه من ملكه وهو الذي ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (المائدة: ١٢٠)

فهو الذي استخلف بني آدم جملة في شيء من ملكه ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ﴾ (غافر: ٦٨).. فهو الذي استخلف جيلًا منهم بعد جيل. وهكذا ترتبط هذه الإشارة بما سبق من الحقائق الكلية في مطلع السورة. ثم تقوم هي بدورها في استشارة الخجل والحياء من الله، وهو المالك الذي استخلفهم وأعطاهم، فماذا هم قائلون حين يدعوهم إلى إنفاق شيء مما استخلفهم فيه ومما أعطاهم؟ وفي نهنهة النفوس عن الشح والله هو المعطي ولا نفاد لما عنده، فماذا يمسكهم عن البذل والعطاء، وما في أيديهم رهن بعطاء الله!؟ ولكن لا يكلهم إلى هذا التذكير وما يثيره من خجل وحياء، ومن سماحة ورجاء، إنما يخاطبهم بمؤثر جديد يخجلهم من كرم الله ويطمعهم في فضله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِير﴾ (الحديد: ٧).. فكيف يتخلف متخلف عن الإيمان والبذل في مواجهة هذا الكرم والفضل؟؟! غير أن القرآن لا يكلهم إلى هذه اللمسات الأولى. إنما يلح على قلوبهم بموحيات الإيمان وموجباته من واقع حياتهم وملابساتها «سيد قطب، في ظلال القرآن»..

أخي المنفق:

إنه بإمكانك أن تكون طبيبًا مداويًا لعشرات، بل مئات من الجرحى وأنت في موطنك!! وكل ذلك لا يكلفك سوى مائة دينار أو ثلاثمائة وخمسين دولارًا شهريًا ترسلها إلى لجنة الزكاة والخيرات في جمعية الإصلاح الاجتماعي التي هي بدورها ترسلها إلى اللجنة الطبية للمجاهدين الأفغان، وهي أي المائة دينار مقدار الراتب الشهري للطبيب.. فهلم إلى إحياء النفوس قبل أن تموت.. هلم إلى تضميد الجراح هلم إلى تكفيف الدموع.. هلم إلى الحفاظ على طاقة المجاهدين وقوتهم ولك من الله الأجر والثواب والصحة والقوة والعافية.. ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا.

•كتبت هذه الحلقة بالمشاركة مع فضيلة الشيخ أحمد القطان حفظه الله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 452

97

الثلاثاء 03-يوليو-1979

من لأفغانستان بعد الله

نشر في العدد 468

93

الثلاثاء 05-فبراير-1980

أضواء على الجيش الروسي

نشر في العدد 492

120

الثلاثاء 05-أغسطس-1980

المجتمع الإسلامي (العدد 492)