العنوان ثمانية عشر يومًا مع المجاهدين الأفغان (انتصار عشناه)
الكاتب د. نجيب الرفاعي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1983
مشاهدات 101
نشر في العدد 649
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 13-ديسمبر-1983
انتصار عشناه
الحلقة العاشرة
إعداد: نجيب الرفاعي
* جاء القرآن ليقود أمة مجاهدة ترفعه فوق رؤوسها ولم يجيء للبركة والعزاء.
* الفلسطينيون مدعوون لينحو منحى المجاهدين الأفغان.
غربت الشمس ولف الكون خشوع وهدوء، ارتفع صوت المجاهد مبكرًا بالأذان داعيًا المجاهدين لأداء صلاة المغرب، تراكض المجاهدون ووضعوا أسلحتهم أمامهم وفرشوا لقافاتهم الأفغانية على الأرض، أقيمت الصلاة على أرض أفغانية محررة، شعور بالفرح والنشوة والسعادة انتابني في هذه اللحظات.
إن آيات القرآن حين تتلى في هذا المكان الطاهر المبارك لها طعم آخر وفهم آخر. انتابني هذا الشعور وأنا أقف خلف القائد حكمتيار في صلاة المغرب، وهو يقرأ آيات من سورة محمد صلى الله عليه وسلم، تبين لي أن هذا ليس شعوري فحسب، ولكن شعور الإخوة جميعًا، آنئذ عرفت لماذا كان يتأثر بالقرآن الصحابة والسلف الصالح مع أن القرآن هو هو لم يتغير!!
إن عيش الإنسان في الواقع العملي للجهاد يعطيه الصورة الواقعية لآيات القرآن في الجهاد، إن القرآن ما جاء كتابًا نظريًا للبركة والعزاء، إنه جاء ليقود أمة مجاهدة ترفعه فوق رؤوسها، ومن يفعل ذلك- كما هو الحال مع المجاهدين- يرفعه الله إلى فهمه والعيش الحقيقي مع آياته.. إن المقرئ حين كان يقرأ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (محمد: 4-9).
أثناء القراءة كنت أعيش مع هذه الآيات لوجود الواقع المادي، وهو مجاهد أفغاني مسلم وعدو روسي أو حكومي كافر، وأتمثل أن الله يجازي المجاهد بالجنة والكافر بالنار، وأن النصر وثبات الأقدام لا يكون إلا بطاعة الله ورفع دينه، وأن الفرق بين المعسكرين ليس من ناحية القوى المادية كما يظن أهل الأرض، ولكنه فرق في الاتصال بالله كما يعتقد أهل السماء.. أهل الإسلام.. فعلى عظم هذه الصلة وعلى قدر تمكن الإسلام من النفوس يكون النصر، كما هو حاصل الآن للمجاهدين الأفغان الذين حكموا القرآن واتخذوه دستورًا، فهؤلاء مقارنة بقوى العالم التي تواجههم من ناحية المعدات الحربية من طائرات ونفاثات وقنابل وأسلحة متطورة ضعفاء، ولكنهم أقوياء بالله..
يقول سيد قطب في كتابه الرائع خصائص التصور الإسلامي: «ولكن الناس بعدوا عن القرآن، وعن أسلوبه الخاص، وعن الحياة في ظلاله، وعن ملابسة الأحداث والمقومات التي يشابه جوها الجو الذي تنزل فيه القرآن، وملابسة هذه الأحداث والمقومات، وتنسم جوها الواقعي، هو وحده الذي يجعل هذا القرآن مدركًا وموحيًا كذلك، فالقرآن لا يدركه حق إدراكه من يعيش خالي البال من مكابدة الجهد والجهاد لاستئناف حياة إسلامية حقيقية، ومن معاناة هذا الأمر العسير الشاق، وجرائره وتضحياته وآلامه، ومعاناة المشاعر المختلفة التي تصاحب تلك المكابد في عالم الواقع، في مواجهة الجاهلية في أي زمان!
إن المسألة- في إدراك مدلولات هذا القرآن وإيحاءاته- ليست هي فهم ألفاظه وعباراته، ليست هي «تفسير» القرآن- كما اعتدنا أن نقول! المسألة ليست هذه، إنما هي استعداد النفس برصيد من المشاعر والمدركات والتجارب التي صاحبت نزوله، وصاحبت حياة الجماعة المسلمة وهي تتلقاه في خضم المعترك، معترك الجهاد، جهاد النفس وجهاد الناس، جهاد الشهوات وجهاد الأعداء، والبذل والتضحية، والخوف والرجاء. والضعف والقوة. والعثرة والنهوض، جو مكة، والدعوة الناشئة، والقلة والضعف، والغربة بين الناس، جو الشعب والحصار، والجوع والخوف، والاضطهاد والمطاردة، والانقطاع إلا عن الله، ثم جو المدينة: جو النشأة الأولى للمجتمع المسلم، بين الكيد والنفاق، والتنظيم والكفاح، جو «بدر» و«أحد» و«الخندق» و «الحديبية». وجو «الفتح»، و«حنين» و«تبوك»، وجو نشأة الأمة المسلمة ونشأة نظامها الاجتماعي والاحتكاك الحي بين المشاعر والمصالح والمبادئ في ثنايا النشأة وفي خلال التنظيم.
في هذا الجو الذي تنزلت فيه آيات القرآن الحية نابضة واقعية، كان للكلمات وللعبارات دلالاتها وإيحاءاتها، وفي مثل هذا الجو الذي يصاحب محاولة استئناف الحياة الإسلامية من جديد يفتح القرآن كنوزه للقلوب، ويمنح أسراره، ويشيع عطره، ويكون فيه هدى ونور..
لقد كانوا يومئذ يدركون حقيقة قول الله لهم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الحجرات: 17).
وحقيقة قول الله لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الأنفال: 24-26).
وحقيقة قول الله لهم: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران: 123).
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ، وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (آل عمران: 139-143).
وحقيقة قول الله لهم: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (التوبة: 25، 26).
وحقيقة قول الله لهم: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (آل عمران: 186).
كانوا يدركون حقيقة قول الله لهم في هذا كله، لأنه كان يحدثهم عن واقعيات في حياتهم عاشوها، وعن ذكريات في نفوسهم لم تغب معالمها، وعن ملابسات لم يبعد بها الزمن، فهي تعيش في ذات الجيل.
والذين يعانون اليوم وغدا مثل هذه الملابسات، هم الذي يدركون معاني القرآن وإيحاءاته، وهم الذين يتذوقون حقائق التصور الإسلامي كما جاء بها القرآن، لأن لها رصيدًا حاضرًا في مشاعرهم وفي تجاربهم، يتلقونها به، ويدركونها على ضوئه، وهم قليل».
ولهذا نصر الله المجاهدين الأفغان، ودوخ رؤوس الروس حتى هذه الساعة في معارك دخلت سنتها الرابعة، ويا ليت إخواننا الفلسطينيين ينحون هذا المنحى في جهادهم مع عدوهم اليهودي، ولهم فوق ذلك رصيد من البشارات بالنصر والتثبيت في آيات القرآن، وفي طيات أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم.
بعد صلاة المغرب استقبلنا بعض الإخوة المجاهدين وكان عددهم أربعة جاؤوا لتوهم من مهمة جهادية، قائدهم شاب في العشرينيات من عمره، قال: في ليلة البارحة زحفنا إلى قلعة العدو وضربناها بنيران مدافع البازوكا والهاون، ورد العدو علينا كعادته بطلقات متناثرة لم تصب أي منا بسوء، في هذه الليلة المباركة هرب من القلعة خمسة من جنود العدو الذين اتصلوا بأحد المعسكرات، وأخبرونا أنهم كانوا يحفرون خندقًا منذ أيام، وكان هجوم هذه الليلة أحد أسباب هروبهم، ولما سألناهم عن خسائرهم؟ قال أحد الهاربين إن الجرحى والقتلى بلغوا حوالي عشرين جنديًا!!
ألم أقل لك- عزيزي القارئ- قبل قليل إن النصر من الله إذا صدقنا النية مع الله.. ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).. إن فرحة المجاهدين في المعسكر لا توصف، لقد استقبلوا الأبطال استقبال الفاتحين، وبحق إنهم فاتحون.. أسأل الله تعالى أن يفتح على أيديهم هذه القلعة، وكل قلعة في أفغانستان، اللهم سدد رميهم وثبت قلوبهم وانصرهم على عدوك.
فكرة للجهاد
قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (المنافقون: 10).
﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (المنافقون: 10)، فيذكرهم بمصدر هذا الرزق الذي في أيديهم، فهو من عند الله الذي آمنوا به والذي يأمرهم بالإنفاق، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ..﴾ (المنافقون: 10)، فيترك كل شيء وراءه لغيره، وينظر فلا يجد أنه قدم شيئًا لنفسه، وهذا أحمق الحمق وأخسر الخسران، وأنى له هذا؟ «في ظلال القرآن/ سيد قطب».
روى مسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه سولم كان يقول دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به آمين ولك بمثل.
أذكر أثناء تجوالنا في المخيمات ألتقيت أحد القادة هناك وكان من كلامه «إننا هنا في هذا الثغر في أمس الحاجة إلى دعوات إخواننا المسلمين!»، لم يقل إننا في أمس الحاجة إلى السلاح والعتاد أو القنابل، إلخ، إنما.. الدعاء! وكفى وهذا سلاح تستطيع- أيها المسلم- استخدامه في كل وقت وفي كل حين، سلاح سخره الله للمسلمين، وللمسلمين فقط!، فارفع أكف الضراعة إلى ناصر المجاهدين وهازم الكافرين وردد «اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم انصر حزبك، اللهم ثبت قلوب المجاهدين على طاعتك.. اللهم وحد كلمتهم، وألف بين قلوبهم وأزل عوامل فرقتهم، اللهم أنزل السكينة والطمأنينة عليهم، اللهم سدد رميهم وعجل الله نصرك لجندك ولأوليائك الصالحين» أيها المسلم جاهد بسلاح الدعاء بارك الله فيك.