; ثورة اليمن.. من تعز إلى صنعاء مسيرة حاشدة زلزلت أركان «صالح» وعائلته.. ثورة المؤسسات.. الموجة الثانية للثورة الشعبية اليمنية | مجلة المجتمع

العنوان ثورة اليمن.. من تعز إلى صنعاء مسيرة حاشدة زلزلت أركان «صالح» وعائلته.. ثورة المؤسسات.. الموجة الثانية للثورة الشعبية اليمنية

الكاتب عادل أمين

تاريخ النشر الجمعة 06-يناير-2012

مشاهدات 64

نشر في العدد 1983

نشر في الصفحة 16

الجمعة 06-يناير-2012

من تعز الثورة، من «بني غازي اليمن»، أنطلق شبابٌ ثوارٌ يتدفقون حيوية وحماسة صوب العاصمة صنعاء التي تبعد عن مدينتهم نحو ٢٥٠ كلم شمالًا، لم يستقلوا وسائل المواصلات، بل قرروا قطع المسافة سيرًا على الأقدام، مُتحدين مشقة السفر وبعده، وبلاطجة «علي صالح» الذين كمنوا لهم في أكثر من محطة لإرهابهم وإثنائهم عن غايتهم، لكن ذلك لم يفتّ في عضدهم، بل زادهم عزمًا وتصميمًا على إنجاز مهمتهم، وإتمام مسيرتهم الراجلة حتى بلوغ العاصمة صنعاء، وقد بلغوها بالفعل.. إنها الثورة تصنع الرجال وتحطم الأغلال وتقهر المستحيل وتعيد للأمة وجهها المتألق.

المسيرة الراحلة التي انطلقت من مدينة تعز جنوبًا إلى صنعاء شمالًا حملت اسم «مسيرة الحياة» وهدفت بالأساس إلى رفض الحصانة المزمع منحها لـــ «صالح» وأركان حكمه من قبل مجلس النواب وفقًا للمبادرة الخليجية، وشارك فيها الآلاف من ثوار تعز، وأنضم إليهم أثناء المسيرة آلاف آخرون من مختلف المدن والقرى التي مروا بها، وقد أنهت رحلتها في خمسة أيام «٢٠ - ٢٤ ديسمبر»، مرت خلالها بمدينة إب ويريم وذمار، وحظيت باستقبال شعبي وحفاوة بالغة على امتداد المدن والأرياف التي مرت بها، في صورة رائعة جسدت تلاحم الشعب اليمني والثقافة حول ثورته السلمية التي خرجت منذ أكثر من عشرة أشهر للمطالبة بإسقاط النظام العائلي الفاسد المستبد، وبناء الدولة المدنية الحديثة.

وتعد «مسيرة الحياة» أول وأكبر مسيرة شعبية في ثورات «الربيع العربي» تقطع كل هذه المسافة «٢٥٠ كلم» مشيًا على الأقدام وقامت قبائل اليمن باستضافة وحماية المسيرة في مناطقها حتى بلوغها العاصمة، في الوقت الذي وجه وزير الداخلية في حكومة الوفاق الجديدة بتأمين الحماية لها، لكن وبالرغم من ذلك فقد جوبهت المسيرة على مشارف العاصمة بمجاميع كبيرة من البلاطجة، بالإضافة إلى قوات من الأمن المركزي والحرس الجمهوري «العائلي». معززة بأرتال من الآليات العسكرية الثقيلة، وجرى قمع المسيرة بقسوة، والتصدي لها بقوة مفرطة سقط على إثرها ١٤ شهيدا وأكثر من ٣٠٠ مصاب، إذ كان يُخشى أن تزحف صوب دار الرئاسة القريبة من المدخل الجنوبي للعاصمة، حيث نُصيت الحواجز والأسلاك الشائكة في المنطقة المحيطة بها، وتم نشر آلاف الجنود المعززين بأليات عسكرية مختلفة، في حين ذكرت مصادر إنه تم نقل «علي عبد الله صالح» إلى ملجأ سري داخل دار الرئاسة مع بعض أفراد أسرته، كما تم إعلان حالة الطوارئ داخل الرئاسة وتم تجهيز ثلاث مروحيات استعدادا لمغادرة «صالح» وأفراد أسرته في حال قررت مسيرة الحياة الراحلة التوجه إلى «ميدان السبعين».

وأضافت المصادر أن غرفة عمليات وطوارئ شُكلت على وجه السرعة داخل

 

الأمن المركزي، وأصدر «یحیی صالح» آرکان حرب الأمن المركزي، تعليمات مباشرة بالقتل في حالة تجاوزت المسيرة الخطوط الحمراء المرسومة لها، وعزز الحماية حول منزله، وكان مشاركون في «مسيرة الحياة» الراجلة هددوا بالزحف إلى «ميدان السبعين» في العاصمة صنعاء الذي تقع فيه دار الرئاسة، وطرد بقايا نظام العائلة الحاكمة، لكن المسيرة قررت في النهاية السير وفق الجدول المعد. وصولًا إلى «ساحة التغيير» بالعاصمة، حيث جرى لهم استقبال حافل من قبل إخوانهم الثوار في صنعاء.

وبرغم البطش الذي قوبلت به مسيرة الحياة على مدخل العاصمة، فقد أنضم المئات من ضباط وجنود الحرس للمسيرة، فيما قدم وزير الداخلية استقالته، وهدد رئيس الوزراء بتقديم استقالته إذا لم يتم تقديم القتلة خلال ٤٨ ساعة، لكن ما أثار الدهشة هو تصريح السفير الأمريكي بصنعاء، من أن «مسيرة الحياة» ليست سلمية، وهدفها الفوضى والتسبب بالعنف ويبدو أن هذا ما شجع قوات «صالح» على التمادي في قمعها للمسيرة.

 

قرار قبل انتهاء الولاية

إلى ذلك، كشفت مصادر سياسية مقربة من الرئاسة اليمنية عن ترتيبات مبكرة السفر الرئيس المخلوع «علي صالح» إلى الولايات المتحدة قبيل حلول السقف الزمني المحدد لانتهاء ولايته الرئاسية في ٢١ فبراير المقبل، وأشارت إلى أن «صالح» يعتزم فعليًا اختزال الفترة المتبقية له على سدة الرئاسة في اليمن قبيل الموعد المقرر لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة بعد أقل من شهرين، بالتوجه في زيارة خاصة إلى الولايات المتحدة لاستكمال الفحوص الطبية التي نصحه بها أطباؤه في المستشفى العسكري السعودي بالرياض.

ويبدو أن «صالح» أخذ يتخوف من شدة الضغوط الشعبية المطالبة بمحاكمته، فأراد استباق الأمر بالهروب للخارج تحت ذريعة استكمال العلاج، وكانت مصادر صحفية قالت: إن قائد الحرس الرئاسي العميد «طارق محمد عبدالله صالح» قرر التخلي -خلال أسابيع- عن قيادة الحرس الرئاسي، وأنه بدأ بإفراغ محتويات مكتبه، بالقصر الرئاسي، وأخذ يتحضر للتخلي عن منصبه كقائد الحرس الرئيس «صالح» فيما أكدت مصادر أخرى أن قائد الحرس الشخصي للرئيس المفوض «عبدربه منصور» سيحل محل العميد «طارق» في قيادة الحرس الرئاسي.

 

الموجة الثانية من الثورة

لقد أوتي «صالح» من حيث لم يحتسب، وأصيب من مأمنه، هذا ببساطة ما يمكن أن نفسر به بعضًا من جوانب «المبادرة الخليجية»، الذي ذهب «صالح» يستنجد بها للخلاص من ثورة الشعب.. فحكومة الوفاق التي جاءت بها المبادرة سحبت البساط من تحته وأنهت دوره السياسي، في حين أن اللجنة العسكرية والأمنية التي يرأسها الرئيس المفوض «هادي» قوضت إلى حد كبير من نفوذه العسكري، وغدًا بالتالي أقل تأثيرًا في إدارة شؤون الحكم، بدليل هذه الانتفاضات والتمردات التي تشهدها البلاد، سواء في المؤسسة العسكرية كما حدث مؤخرًا في كلية الطيران والدفاع الجوي، وفي معسكر الأمن المركزي في مدينة إب، واللواء ٣٥ مدرع بالضالع، وإضراب طلاب الكلية البحرية، واعتصام طياري اللواء الثامن طيران بقاعدة «الديلمي» الجوية بالعاصمة صنعاء في مبنى اللواء للمطالبة بتغيير قيادة اللواء الفاسدة، كما تحدثت مصادر عسكرية في المنطقة الجنوبية عن وجود بوادر تمرد شمل كامل الألوية التابعة للمنطقة العسكرية بمحافظات عدن وأبين ولحج، حيث يسعى الضباط والجنود للانتفاضة الشاملة للإطاحة بقائد المنطقة الجنوبية العسكرية اللواء «مهدي مقولة» الذي يعد من أكبر القادة العسكريين الموالين لـــ «صالح» طوال فترة الثورة الشعبية المطالبة بإسقاطه.

وفي المؤسسات المدنية، تزايدت بشكل ملحوظ الإضرابات والاعتصامات المطالبة

بالتغيير.. فعلى سبيل المثال حدث إضراب شامل في شركة الخطوط الجوية اليمنية للمطالبة بتغيير رئيس الشركة المقرب من «صالح»، كما أضرب صحفيو وموظفو وعمال مؤسسة الثورة للصحافة للمطالبة بإقالة ومحاكمة رئيس المؤسسة، وأضرب موظفو الكهرباء بالحديدة للمطالبة بإقالة قياداتهم الفاسدة، ونفذ موظفو مصلحة الأحوال المدنية اعتصاما واسعًا للمطالبة برحيل رئيسها.

 

القراءة النفسية لـ «صالح» تفيد بأنه أصيب بانهيار نفسي بعد تزايد الضغط الشعبي المطالب بمحاكمته.

 

مزيد من الاحتجاجات

ومن المؤكد أن البلاد ستشهد المزيد من هذه الإضرابات والاحتجاجات داخل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية للمطالبة بإصلاحها، ووضع حد للفساد المستشري فيها بفعل السياسة المتبعة من قبل «صالح» وعائلته.. فتشكيل حكومة الوفاق واللجنة العسكرية فتح الباب واسعًا وحفز قطاعات جديدة من المتضررين من حكم «صالح» وعائلته كي يطالبوا بحقوقهم ويستعيدوا قدرتهم على التغيير وفرض إرادتهم، حتى أننا نستطيع القول: إن الوضع السياسي الجديد المتمثل في صعود المعارضة، وبروز دور النائب كرئيس مفوض أطلق موجة جديدة من الثورة الشعبية هي ثورة المؤسسات، فالدور المنوط بالمعارضة في الحكومة الجديدة، والموقع الجديد للنائب كقائد سياسي وعسكري للبلاد أشاع أجواء من

التفاؤل، وبعث الأمل في نفوس المترددين والمتهيبين بإمكانية التغيير من مواقعهم التي هم فيها وبأقل الخسائر.

ثمة دليل آخر على أن «صالح» فقد الكثير من سطوته ونفوذه، وقدرته على

اللعب بالأوراق لمناورة خصومه، فالرجل بعد طول حديثه وأركان حكمه عن محاولة اغتياله في مسجد الرئاسة، وإلقاء التهم على الأطراف المعارضة

 لابتزازها سياسيًا، لم يتمكن من إشهار تلك الورقة واللعب بها، بالرغم من كونه أدخرها إلى اللحظات الأخيرة ربما ليقايض بها مجزرة جمعة الكرامة وأشياء أخرى، فلم يتم الإعلان عن نتائج التحقيقات، ولم يقدم ملف القضية إلى النيابة العامة كما كان معلنًا، ويبدو أن أحد الأسباب التي تقف وراء ذلك هو أن التحقيقات كشفت أشياء لم يحب «صالح» خروجها للرأي العام كونها تضره أكثر مما تنفعه، علاوة على أن الدول الراعية للتسوية السياسية «المبادرة» تمتلك -بلا شك- المعلومات الدقيقة عن تفاصيل الحادثة، وبالتالي لم تكن مقتنعة بما روّجه النظام حولها، فلجأت للضغط عليه لوقف العبث بتلك الورقة كونها لن تخدم مشروع التسوية السياسية وعملية نقل السلطة التي تشرف عليها بشكل مباشر.

ويمكن القول من خلال القراءة النفسية لـــ «صالح»، وهو الرجل الذي ظل دائمًا وأبدًا يرفض الاعتراف بأخطائه، ويخفي جاهدًا هزائمه، ويجيد المناورة لخداع الصديق والعدو والقريب والبعيد: إنه على الأرجح أصيب بانهيار نفسي يجهد لإخفائه، هذا الانهيار ناجم بالأساس عن تزايد الضغط الشعبي المطالب بمحاكمته، وتخلي حلفائه عنه، وعلى رأسهم أصدقاؤه في الخارج الذين وصلوا إلى قناعة بانه صار مجرد كرت حارق منتهي الصلاحية، الدرجة أنهم باتوا يرفضون استقباله للعلاج حتى كرئيس صوري، ويصرون على معاملته كمواطن عادي، فيما هو ما زال يأنف أن يعود مواطن بسيط، وتلك الأنفة والغرور هي التي قتلته.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 132

93

الثلاثاء 02-يناير-1973

أسرى الباكستان .. في قبضة الهند