العنوان ثورة بيضاء.. غيرت وجه مصر ورسمت مستقبلها
الكاتب صلاح عبدالمقصود
تاريخ النشر الأربعاء 02-فبراير-2011
مشاهدات 68
نشر في العدد 1939
نشر في الصفحة 10
الأربعاء 02-فبراير-2011
أكتب إليكم من ميدان «التحرير»، من ميدان «الشهداء»، من الميدان الذي يصوغ الآن مستقبل مصر، ولا أبالغ إن قلت: مستقبل العالم الإسلامي.. هنا ميدان الشباب الذين بذلوا أرواحهم ودماءهم.. هنا الأبطال من أبناء مصر الشرفاء، الذين يسطرون وثيقة الإقلاع نحو المستقبل، ويرسمون خارطة الطريق لنهضة مصر والعالم الإسلامي بدمائهم الطاهرة.
هنا كما في بقية محافظات مصر، انطلقت الثورة التي دخلت يومها الثالث عشر - وأنا أكتب إليكم - ومع ذلك لم تهدأ، بل تزداد جذوتها اشتعالًا.. مطالبة بالتغيير والحرية والعدالة الاجتماعية.
لقد شهدت مصر عدة مظاهرات مليونية ضمت كل الأطياف والفئات والطبقات الاجتماعية، سوادها الأعظم من الشباب بین ۱۸ ٣٠ عامًا.. شباب بدأ ثورته عبر الإنترنت و«الفيس بوك» والوسائط الإلكترونية، في مواجهة فساد نظام استعمل معه أقسى أنواع العنف والإرهاب؛ لمنعه من التقدم، لكنه أصر على الثورة حتى النصر.
بدأ الشباب ثورته بطريقة سلمية، ويصر على إنهائها تمامًا، أما النظام الفاسد المستبد فقد بدأ مواجهته بالقتل والدهس بالمصفحات والضرب في المليان لإرهاب الشباب.
أطلق القنابل وتقدم الشباب، وأطلق الرصاص فزاد الشباب شجاعة وإصرارًا، ثم أطلق الرصاص الحي على الصدور المؤمنة العارية فلم تدبر.. والحمد لله أهرقت الدماء الطاهرة لتضيء للثائرين طريق النصر والعزة.
أهداف الثورة
تغيير.. حرية.. عدالة اجتماعية.. هذه هي مطالب الثورة البيضاء التي فجرها الشباب، وسكب من أجلها الدماء.
يريد تغيير نظام فاسد جثم على صدر الأمة لعقود ثلاثة، واحتكر السلطة والثروة.. يريد استرداد حرية شعب سلبها المستبدون منذ ستين عامًا، وتسبب في عملية تخريب واسعة للإنسان والأرض جارته والعمران.
يريد عدالة اجتماعية توزع خيرات الوطن على أبنائه، بعد أن احتكرها رموز الحزب الفاسد الذين دخلوا الحياة السياسية ولا يملكون شيئًا، والآن أصبحوا يملكون عشرات المليارات نهبوا خيرات الوطن واستولوا على أراضيه في البر والبحر.
كثير منهم يعيش في قصور تزيد قيمة القصر الواحد على خمسين مليونًا، في الوقت الذي لا يجد فيه ملايين المصريين المأوى ويسكنون المقابر وهم أحياء، إذا مرض الفقير لا يجد العلاج، وإذا مرض أغنياء الحزب تم علاجهم خارج البلاد على نفقة فقراء الشعب.
ثورة بيضاء
هي ثورة بيضاء لم يستخدم فيها الشباب سلاحًا، ولم يقدموا على عنف أو تخريب، وكان قولهم لأمن النظام الذي أوغل في ضربهم وقتلهم: ﴿لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (28)﴾ (المائدة :۲۸).
وها هو النظام يصدر أوامره بمواجهة الشباب الأعزل ويسقط مئات الشهداء وآلاف الجرحى، ومع ذلك لا يتراجع الشباب بل يصرون على المواجهة بصدورهم العارية.
وهنا تتراجع جحافل الأمن بعد أن رفض كثير من ضباطها المشاركة في هذه الجريمة، وانهارت جيوش الأمن وانسحبت من الميادين والشوارع والمرافق العامة.
وعمدت بعض هذه القوات إضافة إلى فلول الحزب إلى عملية واسعة من الحرق والنهب والسلب وإشاعة الفوضى وترويع الآمنين.. محاولة منها في تشويه هذه الثورة.. لكن الشباب سرعان ما شكلوا اللجان الشعبية، التي قامت بتأمين المرافق والمنشآت والممتلكات العامة والخاصة وفضحت مخطط النظام.
غزوة الخيول والجمال
بعد أسبوع كامل من انطلاق الثورة خرج «مبارك» على الشعب بخطاب عاطفي، أعلن فيه انصياعه لبعض مطالب الثورة، وقرر اتخاذ إصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية ودستورية كما قرر الرحيل، ولكن بصورة آجلة، وقال: إنه يعيش ما بقي له من عمر في مصر وسيدفن في أرضها.. ولا شك أنه استدر عطف بعض السذج، وهنا استغل الحزب اللحظة وحرك مظاهرات هزيلة من المأجورين والمخدوعين.
إضافة إلى تحريك المئات من المجرمين الذين يمتطون ظهور الجمال والخيول، إضافة لمئات البلطجية وأصحاب السوابق الإجرامية، مسلحين بالأسلحة النارية والسيوف والقنابل الحارقة لإخراج الشباب من ميدان التحرير لكن الشباب الأبطال استبسلوا وصمدوا ونجحوا في رد هذه الغزوة الفاشلة.
الحكماء والدخلاء
بعد النجاح الكبير الذي حققه الشباب في ثورتهم المباركة بدأت أحزاب المعارضة في ركوب الثورة، رغم أن معظمها ليس له من شبابها فرد واحد.
وظهرت العديد من اللجان التي أطلقت على نفسها لجان الحكماء أو العقلاء أو الخبراء، وبدعوى الحرص على البلاد ومقدراتها سعت إلى التوسط بين الشباب وأركان النظام، وحاولت اقتناص الفرصة لإيجاد موضع قدم لها في العهد الجديد.
بعض أعضاء هذه اللجان من المخلصين للشباب الخائفين على ثورته الراغبين في نجاحها، وبعضهم من السماسرة الوصوليين الذين تربطهم بالنظام البائد وشائج قوية، بعضهم كانوا أبواقًا للنظام روجوا له، ولم يقفوا في مواجهة ظلمه واستبداده، واليوم جاؤوا ليركبوا الثورة ويسعوا بينها وبين النظام المترنح، جاؤوا ليلتقوا على النصر الذي حققته الثورة ليشاركوا في اقتطاف الثمرة، جاؤوا ليقترحوا حلولًا جزئية تحقق بعض المطالب للشباب، وترجئ سقوط النظام لبعض الوقت؛ حتى يتمكن من ترتيب أوراقه والإفلات من جرائمه والهروب بما سلب ونهب.
لكن الشباب واع لما يدور من حوله، أعلنها صريحة أننا لم نفوّض أحدًا للحديث باسمنا، ولن نتحاور إلا بعد تحقيق مطالبنا.
إن أخطر ما في هذه اللجان وتلك الوساطات غير الحكيمة، أنها تعمل لصالح النظام أكثر من صالح الوطن، لكنني مرة أخرى لا أنهم أعضاءها المخلصين ونياتهم الطيبة لكني أرى أن مطالب هذه الثورة واجبة التحقيق حيث قدمت لها التضحيات والدماء.
مصر الجديدة
بقيت كلمة أقولها للخائفين على هذه الثورة من أن تسرق أو تجهض، أو يلتف على مطالبها.. أقول بكل إيمان وثقة في الله: إن مصر بعد ٢٥ يناير ليست كمصر قبله، وإن العجلة لن تعود إلى الوراء لأسباب تسعة:
أولًا: أن هذه الثورة قام بها شباب مؤمن بربه واثق في نصره، وأن هذا الشباب دفع ولا يزال يدفع الدماء لإرواء هذه الثورة.
ثانيًا: أن هذه الثورة ضمت وجذبت إليها كل أطياف وطبقات وفئات الأمة المصرية.. فيها الطلاب والأساتذة والأطباء والمهندسون والمحامون والقضاة والصحفيون.. فيها الأزهريون والدعاة.. فيها العمال والفلاحون فيها المسلم والمسيحي... فيها الشباب والفتيات. الرجال والنساء.. الشيوخ والأطفال.
ثالثًا: أن هذا الشباب يتسم بالإيمان بالله ثم الوعي والعلم، ويخوض معركته مع النظام بأسلحة قوية لكنها ناعمة، يخوض معركته بالكلمة، مدركًا أن سلطة الكلمة أقوي من كلمة السلطان ويخوضها مستخدمًا أحدث الوسائل والوسائط الإلكترونية.. عبر «الفيس بوك» والإنترنت والفضائيات في مواجهة أسلحة النظام؛ رصاصه وقنابله.. مصفحاته ومركباته.. خيوله وجماله.. سيوفه وسكاكينه وحجارته.
رابعًا: أن هذا الشباب قد درس ثورات الماضي ووعى دروسها، ويحاول أن يتجنب أخطاءها، وهو بمشيئة الله لن يلدغ مرة أخرى.
خامسًا: أن هذه الثورة ليست هبة سرعان ما تنطفئ، بل هي طوفان عارم سيغرق الظالمين والفاسدين.
سادسًا: إنني أكتب هذه الكلمات في اليوم الثالث عشر لهذه الثورة، وقد نجحت في تحقيق الكثير من أهدافها، وما زالت مشتعلة بل تزداد اشتعالًا.
سابعًا: أن هذه الثورة عبرت عن الشعب المصري.. عن آلامه وآماله فوقف معها، وأمدها بالعون، كما لقيت دعمًا شعبيًا عالميًا واسعًا.
ثامنًا: أن هذه الثورة تركن قيمة إلى قوى حية في المجتمع، تشارك في هذه الثورة بكل قوة.
تاسعًا: أن هذه الثورة تتحرك بحكمة واضعة نصب عينيها مصلحة الوطن، ولا تسعى إلى إحداث فوضى يمكن استغلالها في تخريب الوطن وتدميره.. تريد استلامه سليمًا لا كما يريد النظام أرضًا محروقة.
(*) وكيل نقابة الصحفيين المصريين
قدمت ولا تزال مئات الشهداء وآلاف الجرحى.
لا عنف أو تخريب إلا عنف بلطجية النظام.
«الفيس بوك» والإنترنت والفضائيات.. في مواجهة أسلحة النظام.. رصاصه وقنابله.. مصفاحته ومركباته.. خيوله وجماله.. سيوفه وسكاكينه وحجارته.
كثير من قادة النظام يعيش في قصور تزيد قيمة القصر الواحد على خمسين مليونًا في الوقت الذي يسكن فيه ملايين المصريين المقابر وهم أحياء.
إذا مرض الفقير لا يجد العلاج وإذا مرض أغنياء الحزب تم علاجهم حارج البلاد على نفقة فقراء الشعب.