; ثورة تونس.. حرب الاغتيالات لإجهاض الديمقراطية الوليدة | مجلة المجتمع

العنوان ثورة تونس.. حرب الاغتيالات لإجهاض الديمقراطية الوليدة

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 03-أغسطس-2013

مشاهدات 195

نشر في العدد 2064

نشر في الصفحة 28

السبت 03-أغسطس-2013

الذين قتلوا «محمد البراهمي» استهدفوا أمن تونس ودستورها ومستقبلها الديمقراطي الحر.

اتهامات للكيان الصهيوني بالوقوف وراء اغتيال البراهمي لأنه من المطالبين بتضمين الدستور بندًا يدين التطبيع مع الكيان.

منصف المرزوقي: سنرفع التحدي الأمني وسيمثل كل القتلة أمام القضاء وستبقى الدولة شامخة وسنفشل مخططات المجرمين.

هز حادث اغتيال القيادي السابق في «الجبهة الشعبية»، المعروف بميولاته الناصرية، محمد البراهمي، هز الأوساط السياسية في تونس بصفته ثاني حادث اغتيال يحدث في البلاد بعد أقل من 6 أشهر على اغتيال القيادي في نفس الجبهة وزعيم «الوطنيين الديمقراطيين»، شكري بلعيد في 6 فبراير الماضي.

وقد جاءت عملية الاغتيال لتصب الزيت على النار، وتعطي دفعًا لمحاولات الانقلاب على الشرعية من قبل بعض المجروحين من الانتخابات الماضية التي شهدتها تونس في ٢٣ أكتوبر ٢٠١١م، فقد كانت الطبخة في مرحلة الإعداد وتم تشكيل «حركة تمرد» تونسية لم تلق الاستجابة الشعبية الكافية، وطرد ممثلوها من أكثر من مكان رغم ادعائها جمع نحو مليون توقيع كما كان الحديث عن حل المجلس الوطني التأسيسي، وحل الحكومة، وقيام حكومة إنقاذ وطني ممن لا يمثلون وزنًا فارقًا داخل المجلس التأسيسي، والشارع قبيل عملية الاغتيال.

أهداف الجناة:

كان الهدف على ما يبدو من اغتيال البراهمي في ٢٥ يوليو ٢٠١٣م وبإجماع أغلب التونسيين، هو إحداث فوضى عارمة في تونس، بعد فشل محاولات الانقلاب بقتل بلعيد، وتعميق الفجوة بين الأحزاب السياسية، ولا سيما بين الأحزاب الحاكمة والمعارضة، ووقف المسار الانتقالي، ووقف مشروع إعداد الدستور الذي قارب على الانتهاء.

وهكذا كان اغتيال البراهمي محاولة لاغتيال الثورة بالاستفادة من الظروف الداخلية والإقليمية والدولية، ولا سيما ما يحدث من جرائم عسكرية وأمنية ضد أنصار الشرعية في مصر، وقد تزامنت جريمة اغتيال البراهمي مع الإعلان عن توصل وزارة الداخلية المعرفة هوية الجناة الذين أقدموا على قتل شكري بلعيد قبل 6 أشهر تقريبًا، وهم من تيار سلفي تكفيري.

وقد بات واضحًا الهدف الحقيقي من الاغتيال من خلال الدعوات لإنهاء أعمال المجلس التأسيسي، وحل الحكومة، ووقف عملية إعداد الدستور، ودعوة خبراء لإكماله، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني، تم إعداد قائمة بأسماء الأحزاب التي تتبناها، وهي أحزاب مجهرية أغلبها غير ممثلة في المجلس التأسيسي. 

لقد بات واضحًا أن الذين قتلوا محمد البراهمي استهدفوا أمن تونس، واستقرارها، وقانون تحصين الثورة، ودستورها الجديد، وصناديق الاقتراع، ومستقبلها الديمقراطي الحر.

هناك ثلاثة طرق للتغيير السياسي: الانقلاب العسكري، وشرعية الشارع، وشرعية الانتخابات، وكل واحدة من هذه الطرق تجبها شرعية من جنسها، وقد عرفنا ما تجره الانقلابات العسكرية من دمار ومن تهديد للحريات ومن تفريط في الاستقلال بل في الوطن، كما علمتنا حرب ١٩٦٧م، والفترة التي حكم فيها عسكريون من «جمال عبد الناصر» و«أنور السادات» وحتى «عبد الفتاح السيسي» وقبله «حسني مبارك»، ولقد ثبت تاريخيًا أن الانقلابات العسكرية شر محض لا تجني منه الشعوب سوى القمع والقهر والدكتاتورية، وحتى العمالة للصهيونية والإمبريالية.. فقط التجربة الديمقراطية غير المقيدة، أو المكيفة، هي التي توفر الحرية والرخاء الاقتصادي والأمن للمواطنين والعالم؛ ولذلك يعمل الأعداء على حرمان شعوبنا من هذه النعمة.

هدف العملية:

ويمكن إيجاز هدف عملية اغتيال البراهمي بثلاثة دوافع: أولها: كونه من سيدي بوزيد التي اندلعت منها شرارة الثورة، لتوفير أكبر نسبة ممكنة من الاحتقان، ثانيًا، تم اختيار البراهمي ليكون ضحية المحاولة الانقلابية الثانية في تونس؛ لأنه يعادي الكيان الصهيوني ومن المطالبين بتضمين الدستور بندًا يدين التطبيع مع الكيان الصهيوني، وهناك اتهامات للكيان الصهيوني بأنه من يقف وراء الاغتيال، ثالث الأهداف: إزاحة شخصية، داخل «الجبهة الشعبية» «يسار» تعارض التحالف مع فلول «التجمع» المنحل، الذين كونوا حزبًا سموه «نداء تونس».

معارضة متشنجة:

كانت الطبخة جاهزة كما سلف ولم يكن ينقصها سوى الدسم، وقد كان جسد وروح محمد البراهمي ذلك الدسم الذي توفر أو وفرته المعارضة الانقلابية، ومن بينها الفلول حيث اعتبر حزب «نداء تونس» عملية الاغتيال فشلًا للمجلس الوطني التأسيسي، وكافة السلطات المنبثقة عنه في إنجاز وتأمين الانتقال الديمقراطي؛ مما يستوجب حلها وتعويضها بمنظومة صيغ ومؤسسات وطنية بديلة تؤمن استمرارية الدولة التونسية، وتضع الدستور، وتوفر المناخ الضامن لانتخابات حرة ونزيهة، وتعمل على القضاء على الإرهاب والعنف السياسي ومحاسبة المسؤولين عنه.

ودعا حزب «العمال الشيوعي» و«الجبهة اليسارية» إلى العصيان المدني، ونظموا مظاهرات بائسة في عدد من المدن، وارتكب منتسبون ل«الجبهة اليسارية» جريمة قتل في قفصة بالجنوب التونسي، وحمل بيان للحزب الشيوعي مسؤولية قتل البراهمي للسلطة القائمة من حكومة ورئاسة ومجلس تأسيسي، وللائتلاف الحاكم وعلى رأسه «حركة النهضة» واتهم البيان «حركة النهضة» بالتستر على قتلة شكري بلعيد، رغم إعلان وزير الداخلية عن أسماء المتورطين في الجريمة، وتأكيده على أن البراهمي قتل بنفس المسدس الذي قتل به بلعيد.

ونادي الناطق الرسمي باسم «الجبهة الشعبية» ورئيس «الحزب الشيوعي» حمة الهمامي إلى عصيان مدني لإسقاط الحكومة وحل المجلس التأسيسي، ونفذ «الاتحاد العام التونسي للشغل»، الذي يسيطر اليسار على قيادته إضرابًا عامًا يوم ٢٦ يوليو، وقال الأمين العام للاتحاد حسين العباسي: إن عملية الاغتيال كانت مخططة ومديرة ومقصودة في ذكرى الجمهورية، وهي مؤشرات تدل على أن البلاد ستدخل في حمام دم، ولكن ذلك ليس سوى جعجعة لمن يعرف حقيقة الأوضاع في تونس.

أجمعت الأطياف السياسية في تونس على إدانة عملية الاغتيال، وأكد رئيس الوزراء التونسي علي العريض أن الاغتيال لم يستهدف الضحية بقدر ما استهدف تونس الثورة حكومة ومعارضة ومسارًا سياسيًا، واعتبر حدوث الجريمة في ذكرى الجمهورية فاجعة يرغب منفذوها في استنساخ تجارب أخرى على أرض تونس، وأن التعليمات أعطيت إلى الجهات الأمنية لتعبئة أكثر ما يمكن من العتاد والعناصر الأمنية للقبض على الجناة ومن يقف وراءهم، وجدد عزم الحكومة على ملاحقة المجرمين وضبط الأمن.

وقال الرئيس منصف المرزوقي: إن الجريمة ترمي إلى الترويع وزعزعة الاستقرار وبث البلبلة في أوساط التونسيين، وأردف: سنرفع التحدي الأمني، وسيمثل كل القتلة أمام القضاء، وستبقى الدولة شامخة، وسنفشل مخططات المجرمين، وواصل قائلًا: تزامن الجريمة مع ذكرى الجمهورية ليس صدفة، وإنما عملية مقصودة لضرب الاستقرار وزعزعة التوافق السياسي الذي بدأ يتحقق في الأونة الأخيرة.

واستنكر الناطق الرسمي باسم رئاسة الجمهورية عدنان منصر جريمة اغتيال محمد براهمي، واصفًا الجريمة بالنكراء، واتهم ما وصفهم بالأطراف الفاسدة بالتخطيط للعملية ودفع البلاد إلى حالة من الفراغ والفوضى، وقال: نحن في رئاسة الجمهورية نعيش حالة من الصدمة والغضب الشديد، فالاغتيال جاء لوضع حد لحلم إنهاء المرحلة الانتقالية بنجاح، لكنه شدد على أن الرئاسة ورئاسة الوزراء يسعيان منذ فترة لتحصين المسار الديمقراطي بأكثر ما يمكن من ضمانات، ووضع حد لعمليات التهديد وبعث كافة الهيئات المشرفة على القضاء والإعلام والانتخابات. 

وأصدرت «حركة النهضة» بيانًا بتوقيع رئيسها الشيخ راشد الغنوشي، وصف فيها الاغتيال ب«عملية اغتيال نكراء جبانة، وهي محاولة جديدة تستهدف أمن البلاد ودفعها نحو العنف والتقاتل» وتابع: تأتي هذه الجريمة في سياق التقدم الذي شهدته العملية السياسية بانتخاب الهيئات التعديلية، وإعداد مشروع الدستور والتوافق على أغلب القضايا الخلافية.

وأصدر «حزب المؤتمر من أجل الجمهورية» الشريك الثاني في السلطة، بيانًا بتوقيع أمينه العام عماد الدايمي، أدان فيه ما وصفها بالفاجعة، وأدان الجريمة البشعة، وقال: نتقدم إلى عائلة الشهيد ورفاقه بأحر التعازي، واعتبر الجريمة تستهدف الوحدة الوطنية والمسار الديمقراطي الانتقالي، وكرامة التونسيين بإهانتهم من خلال تنفيذ الجريمة في ذكرى الجمهورية «ذكرى وطنية»، وطالب بتفعيل أقصى الجهود الأمنية والإمكانات الاستخبارية للقبض على العصابة الإجرامية وكشف الحقيقة كاملة.

الرابط المختصر :