; الانتخابات المصرية في مرآة الشعر الموريتاني | مجلة المجتمع

العنوان الانتخابات المصرية في مرآة الشعر الموريتاني

الكاتب سيدي محمود ولد الصغير

تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2012

مشاهدات 72

نشر في العدد 2011

نشر في الصفحة 20

السبت 14-يوليو-2012

  • عاش الموريتانيون حمى الانتخابات المصرية لحظة بلحظة يقاسمون أهل مصر همومهم

هناك على ضفة الأطلسي حيث تفصل آلاف الكيلومترات بلاد شنقيط عن قاهرة المعز، عاش الموريتانيون «الشناقطة» حمى الانتخابات المصرية لحظة بلحظة، يقاسمون أهل مصر همومهم، ويصطلون بأوار صبرهم الجميل، وهم يحبسون الأنفاس في ارتقاب تجاوز العاصفة المسكونة بالخطر.

سفر من المقالات والتدوينات، والقصائد والمقطوعات الشعرية عبر من خلاله أهل ذلك الصقع القصي من بلاد العرب والمسلمين عن الشعور بالوحدة العضوية بين أقطار الأمة آمالا، وآلاما، واشتراكًا في مصير الحاضر وتطلعات المستقبل.

يقول د. محمد الحافظ ولد أكاه: 

تدور رحى التصويت في مصر كي ترسي      ***      وتضرب بالجران قصدًا على «مرسي»

ويخزى الألى قد شاغبوا وتكبروا                 ***      ويجلس مرسي بالتمام على الكرسي

 وتعلو سهام الحق نافذة فلا                         ***       يرد شباها من مجن ولا ترس

وتبتهج الدنيا سرورًا وتحتفي                      ***       بليلة زهو دونها ليلة العرس

وجاءت الانتخابات وبدأ التصويت في الجولة الأولى فتابعها الموريتانيون باهتمام نادر، وعايشوها همًا مسهدًا يحرس العيون من إلمام الكرى، وإن أضناها السهر وبرح بها الإرهاق.

يقول إبراهيم ولد البار في طلعة طريفة من الشعر الحساني يبلغ الاندماج مع الانتخابات المصرية ومرشح الإخوان فيها - مستوى أقرب إلى «الحلول»! فيصبح «مرسي» الإخوان، «تواصل»، «النهضة» شيئا واحدًا ، أو شبه واحد، ومجالا للهيام المستعصي على التعبير المألوف والمستحق للتضحية بالعذال والانتصاب في مرمى قوافي الخصوم (اطلعهم): 

نَتَكَلَبْ فَفْراش نعسان 

ما كَيَّلْتُ([1]) اليَومُ وتَعبَان

 ومُكَمَط([2]) ذي الليلة صَهْران([3]) يَغِيرُ أَنَ شمْصَهَرْن([4])

نَتْخَمَمْ([5]) مَنْدَرْت([6]) يكانُ.. «مُرْسِي» لاهِ 

ينجح ون([7])

بعد أبمسري ون ابلخوان.. ون التواصل كُنْكَن([8])

بالنهضة ولل ذفكع([9]) .. يَنْطِحُ([10]) لَعَادُ امْسَولْنُ 

 رَاصٌ بكرَبُ حيط وطَلْعُ([11]) .. يَبْدَعُهم 

لَعَادٌ([12]) امْغَنَّ([13])

ورغم التقدم المحرز وغير المفاجئ المرشح الثورة؛ فإن ما صاحبها من إجراءات متحيزة، وحملات إعلامية موجهة ضد هذا المرشح وتياره الأصيل ألقى بثقله الخانق على صدور الموريتانيين، حتى إذا اندفعت جماهير الشعب المصري إلى الجولة الثانية من الانتخابات كان الشعراء أول من أحس . بالفوز الباهر الذي قرر الشعب المصري أن ينتزعه لثورته الصاعدة.

هذا ما ترجمه الشاعر الشيخ أحمد ولد البان وهو يتابع الجموع المتدفقة على الصناديق من مغتربه البعيد بجنوب أفريقيا:

مصر الكنانة وجهها المتألق       ***      جذلان يصدح بالنشيد ويعبق

مصر الكنانة لن تعود سبية        ***       للمارقين ونيلها المتدفق

أهرام جيزتها الجميلة رددت      ***       في ضحوة النصر الذي يتحقق

هذي أنا مصر الكرام وذي         ***       أنا مصر التمرد لا عميل أخرق

مت يا زمان القابعين بذلهم         ***       فاليوم يوم النصر .. يوم مشرق

 وكانت القرارات المباغتة التي اكتنفت الشوط الثاني من الانتخابات بمثابة انقلاب مكشوف يتوج مرحلة كاملة من الدعايات الإقصائية الصارخة، ولكن ذلك كله لم يقت في عضد الأمة المصرية التي قررت أن تواصل ثورتها المباركة، هذا ما عبر عنه الشاعر سيدي محمود ولد الصغير لحظة الإعلان الأولي لفوز مرشح الثورة :

برغم جحيم المكر في اليوم والأمس         

ورغم اصطناع الخوف والشك والياس

وبعد انقلاب الجيش يعبث بالحمى

يقول لأرض النيل: ويحك من «مرسي»

فقد قررت مصر وصال مسيرها 

وحن إلى «مرسي» سفينتها الكرسي

 غير أن التأخر المريب في إعلان نتائج الانتخابات الملفوف بالصمت المثير من الجهات الرسمية بمصر، قذف الشكوك وجلى أشباح المخاوف التي تتربص بالشعب المصري وثورته والأمة الإسلامية، وبلغ القلق ذروته بإعلان مرشح الفلول عن فوزه هو الآخر وسط إجراءات تتوالى في الميدان المصري منبئة عن أمر يراد، ومع ذالك كله لم يهزم الأمل ولم تقهر القناعة بقوة مصر ونضج ثورتها وتمنعها على الترويض، يخاطب سيدي محمود مرشح الفلول بعد ذلك

الإعلان فيقول له : 

من ذا يصدق ما تقول      ***     يا أيها «الفل» الهزيل ؟

 مصر تعود إلى الورى    ***    يغتال ثورتها الأفول

 يغدو التحرر ماضياً       ***    والشعب يرقص للفلول!

ثم يخلص إلى تنزيه مصر عن الانحدار إلى تلك المستويات الخانعة بعد أن أخذت طريقها صعدًا إلى استعادة المجد وصناعة الحضارة، فلا خوف على حلم تحرسه الملايين الناضجة من الثائرين، وهي ماضية في حمايته بالأجساد والدماء:

حاشاك يا أم الدنا         ***        أرض الشهامة والأصول

 أن تقبلي سوق النعاج   ***       إلى المذلة والخمول

  تلك الملايين التي         ***      هتفت وتعرف ما تقول

 ما عاد يقبل مثلها           ***      غير التحرر والوصول

غير المضي إلى البناء      ***        إلى الحضارة بالعقول

بالعارفين طريقهم            ***          بالسائرين إلى الأمام

رغم الأخطار والمخاوف    ***          والتدافع والصدام

ويطول الانتظار وتتمطى الساعات الطوال، تحرق أعصاب المنتظرين في مصر وميدان التحرير، وتستحيل نفوس الموريتانيين إلى «ميادين تحرير» طافحة بالغضب في انتظار الإعلان النهائي عن موت أمل الفلول في استعادة عرش مصر .. فيقول: 

إني وربك أرتقب        ***       والنفس يملؤها العتب

مصر تمور بداخلي      ***       والقلب ميدان الغضب

 ويمضي يعدد مظاهر الريبة ويجاوب أسئلة الشك المؤلمة متشبثًا بالأمل العنيد في النهاية - عن ثغر البشارة الساحرة:

أمر مريب ما أرى          ***     يجري بلا أدنى سبب

 الشعب في صندوقه              ***        قال: الرئيس المنتخب

 ماذا يراد بمصر في             ***       هذا الخضم المضطرب ؟

مـــــــــــاذا يــــــراد بشعبها    ***       الحر الأبي الملتهب؟

ماذا يحاول فلها                    ***        غير التآمر والكذب ؟

لكن فجر حضارة                  ***         «الأم» العظيمة يقترب

لا لن تعود القهقري                ***           مدت لنهضتها سبب

اليوم تبدأ نهضة                     ***           تزجي البشائر للعرب 

ويأتي الله بالفرج، وتقطع جهيزة قول - كل خطيب «مرسي رئيسًا لجمهورية مصر» فيصرخ الشاعر في تماه مع اللحظة الفارقة وكأن المحبوبة «مصر» بين يديه بل في ضميره الغائر في تلافيف ذاته المستترة .. ثم يحررها من قبضة الخصوص، قبل أن يمطرها  بوابل من التهاني الملفوفة بالحبور ويتركها لترفرف على أجنحة البشر تزرع السعادة في قلوب العالمين.

 ملكت علي مشاعري        ***      مصر التي في خاطري

مليون تهنئة لها               ***       ولكم أزف بشائري

هنا بر الأمان وشاطئ الإسلام، هنا مرفأ الوصول - بعد رحلة العناء - الذي يممته القافلة منذ عشرات السنين، وظلت تكابد إليه السير متشحة بالصبر الجميل على عقبات الطريق وأشواك الدرب وأقبية السجن وأعواد المشانق وحملات التشويه. 

ها قد وصلت أخيرًا تكلؤها عناية الرحمن، على متن السفينة التي يلوذ بها أهل مصر من الطوفان، يقول الشاعر الكبير محمد الحافظ ولد أحمدو في رائعته التي  رسمت صورة بديعة لرحلة الإخوان المسلمين باتجاه عرش مصر باقتضاب واكتمال مهول قبل أن تختم ببرقيات من النصح «الشفيق»: 

على شاطئ الإسلام أرسيت يا «مرسي»      ***            من الله مكلوءا بفاتحة الكرسي

وعن نصرك الرحمن ما كان غائباً             ***            معيته واللطف تاج على الرأس

تداعت عليك الكاسرات ضواريا                 ***            تصول بحد السيف والرمح والفأس

وتهذي بقول الزور والفحش والخنى             ***            مشاغبة بالزين والركل والرفس

ونحبس أنفاس الترقب خشية                     ***            ومن سورة الأحزاب نقرأ في همس

نقول جميعا: حسبنا الله إنه                        ***            ولي ذوي الإيمان في اليوم والأمس

بسوطك فاضرب غارب البحر واتخذ           ***             طريقا لتنجو بالشعوب وبالنفس

ودع مكر فرعون يحيق بحزبه                  ***               فيغشاه موج اليم بالملك والتعس

صبرتم وبيت الله ستين حجة                     ***               على الظلم والتنكيل من قادة البؤس

تألب أخلاف الضلال عليكم                       ***              وصالوا عليكم بالنكاية والنحس

فما فل من أعضادكم لؤم كيدهم                   ***              وطال بكم قبض على الجمر بالخمس

ولم تيأسوا من رحمة الله إنكم                     ***               بإيمانكم لم تعرفوا محبط اليأس

فأنجوا من الطوفان مصر بفلككم                ***               لكيلا ينال الخلف من بهجة العرس

ولا تحملوا حقدا على الناس وابتغوا             ***                بذلك وجه الله في مقعد القدس

ووفقكم للخير واليمن ربنا                         ***                 وبارك رب العرش في ذلك العرس

 وتفك مصر أغلالها المزمنة، وتستعيد مكانتها في قلب الأمة وميدان التأثير بعد أن طوت صفحة قائمة من تاريخها مع الظلم والطغيان لتفتتح صفحة وضاءة مشرقة يكون لمقدسات الأمة السليبة حق صدارتها .. يقول أحمد ولد الوديعة في تهنئته بالمناسبة:

رست مصر في يوم عظيم على مرسي      ***        فعادت كما كانت على العين والرأس

طوت صفحة الطغيان والجبن والأسى      ***         وداست فلول العار والخزي والبؤس

أعادت لنا مصر الكنانة قامة             ***         من المجد عنوان المسرة والأنس

هنيئاً لمصر الفوز بالنصر بالمني          ***        وتعسا فلول الذل تعسا على تعس

هنيئاً لأحرار الدنا لأولي العلا               ***        لنا موعد للنصر في باحة القدس

وهنا يتماهى ولد الوديعة الشاعر مع ولد الوديعة السياسي الإسلامي المعارض ليختطف اللحظة بحنكة السياسي، ونباهة الإعلامي الحصيف، فيعلن من منبر الشعر قرب زوال نظام الجنرال عزيز، وأغلبيته ومبشرًا بقرب التمكين للإسلاميين في موريتانيا، من خلال إسقاط تعبيري رفيع!

هنيئا لنا.. مرحى لنا.. فلنا هنا: 

فلول وطنطاو وأيضاً لنا «مرسي»!

رست سفينة مصر، والثورة والدعوة على شاطئ النجاة، فزال الخطر وباتت سفائن النهضة والتعمير جاهزة لتمخر عباب البناء والتشييد والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

المختار ولد نافع:

الآن ترسو بمرسى اليمن دعوتنا       ***      بفوز ربانها الخريت مرسيها

الآن تمخر سفن النصر شاطئها       ***      فالحمد لله مجريها ومرسيها .

 

[1]  لم أقل

[2]  عاكف

[3]  سهران

[4] معنى الفقرة ولكن ما الذي يسهرني؟

[5]  أفكر

[6]  يا ترى؟

[7]  كلمة تدليع معبرة عن المحبة

[8]  اتباع للمبالغة في المحبة

[9]  ومن أغاظه هذا

[10]  يضرب: (يقول: ومن أغاظه هذا فليضرب, إن سألني عرض الحائط)

[11] طلع: قصائده

[12] إن كان

[13]  شاعر

الرابط المختصر :