; جاء من الغرب ليُعلمنا الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان جاء من الغرب ليُعلمنا الإسلام

الكاتب رشيد سالم العميري

تاريخ النشر الثلاثاء 03-فبراير-1981

مشاهدات 57

نشر في العدد 514

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 03-فبراير-1981

في نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة الكويت التقيت به لأول مرة، طرحت عليه التحية، واقترب مني مُنصتا بتواضع وأنا أعرفه بنفسي و كأنه يريد أن يسجل اسمي بذاكرته، مددت يدي لأصافحه فمد يده وصافحني بحرارة وكأنه يعرفني منذ زمن، جاء من الولايات المتحدة الأمريكية بدعوة من جامعة الكويت ومعهد الكويت للأبحاث العلمية لعَقد حلقة دراسية مُتخصصة حول الطرق الحديثة لإدارة المشاريع، يشارك فيها أساتذة الجامعة والباحثون والمهتمون بإدارة المشاريع.. نظرت إلى برنامج الحلقة فإذا بملخص يعرفني بالأستاذ الضيف: إنه الدكتور وليم هت مدير إدارة العلوم الإنسانية بمعهد باتيل بولاية أوهايو الأمريكية، حصل على الدكتوراة بعلم النفس سنة ١٩٥٦ من جامعة ولاية أوهايو، ومارس جميع أنواع الإدارة في كثير من الشركات والمعاهد والمؤسسات الحكومية الأمريكية ولمدة ٢١ سنة.

جلس كل واحد منا في المكان الذي خُصص له في الحلقة الدراسية، وكنا خمسة وعشرين مشاركًا نمثل كلية الطب وكلية الهندسة وكلية العلوم وكلية الدراسات العليا بجامعة الكويت ومعهد الكويت للأبحاث العلمية والهيئة العامة للإسكان. وبدأت الدراسة وكنت مُتشوقًا لحديث الأستاذ الضيف، وامتدت الدراسة لمدة خمسة أيام مُتتالية كنت خلالها مُستمتعًا بحديث المُحاضر متفاعلًا معه مشدودًا إليه وكأنه يُحدثني بأمور أعلمها، ولكنها عُرضت بقالب جديد وبأسلوب علمي حديث.

  • تحدث الدكتور وليم عن الشروط الواجب توافرها لنجاح أي مشروع فقال: إن من أهم هذه الشروط جلاء الغاية ووضوح الهدف الذي من أجله أُقيم المشروع.

 فإن لم يكن الهدف واضحًا جليا تعثر المشروع وضاعت الجهود والأموال... وجال في خاطري في الحال أعظم مشروع يقوم به الإنسان.. كل إنسان... مشروع الحياة منذ الولادة حتى الممات.. ما هي الغاية؟ وما هو الهدف؟... وإذا بهاتف الرحمن يجيب ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات:56) ... فقلت في نفسي سبحان الله! كم من أناس ضلوا وأضلوا جريا وراء أهداف زائفة من ثروة ومال وشهادة ومنصب وجاه، ففشلوا في إنجاز مشروع الحياة لجهلهم أو تجاهلهم بالغاية الحقيقية من الحياة...

  • وتحدث الدكتور وليم عن أهمية التنسيق والتعاون بين أفراد «الفريق» أو الجماعة المكلفة بالقيام بالمشروع، وعن أهمية وجود قائد لهذه الجماعة يُنظم العمل ويُنسق الجهود لإنجاز مراحل المشروع؛ فقلت في نفسي سبحان الله! أليس هذا هو الإسلام يُعلمنا أهمية الجماعة ويُذكرنا بها في اليوم والليلة خمس مرات ما بين الفجر والغسق. وهذا هو الإمام يؤم الجماعة في الصلاة ويُنادينا بين الحين والحين أن سووا الصفوف فإن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج، و تؤدَّى الصلاة بأدق نظام لا يسبق فيها المأموم الإمام بحركة ولا بركعة أو يسجد حتى يتلقى النداء العلوي «الله أكبر» الله أكبر.. وهذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يأمرنا «إذا كنتم ثلاثة فأمروا أحدكم».. سبحان الله ما قاله الدكتور وليم ليس بجديد.

  • ويستطرد المحاضر في الحديث، ويشير إلى أهمية إعطاء الرجل المناسب المسئولية أو المهمة التي تناسبه مهما عظمت المسئولية أو صغرت فكل يُعطَى قدر علمه وخبرته ومهارته دون أن يسخر أحد من أحد أو يحتقر أحد عمل أحد، فكل له دوره الهام في إنجاح المشروع.. وكأن الرجل يشير إلى قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ (الحجرات:11) .... أو قول المصطفى عليه السلام «ولا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلِق» ... ولو أن الرجل قرأ سيرة النبي- صلى الله عليه وسلم- لساق لنا نماذج من واقعها مُعززًا كلامه ومقويه.

 فيشير إلى نهي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أبي ذِر عن تولي الإمارة مثلًا وهو الصحابي الجليل الزاهد التقي، ذلك أن أبا ذِر- رضي الله عنه- لم تتوفر لديه خِصال القائد المطلوب لتولي الإمارة.. وهذا الإمام أحمد بن حنبل يسأل: هل تُقاتل مع القائد القوي الفاجر أم مع القائد الضعيف التقي؟ فيجيب رضي الله عنه إجابة غاية في الحكمة والجمال: بل أقاتل مع القائد القوي الفاجر ذلك أن فجوره على نفسه و قوته للمسلمين.. والذي نفسي بيده لو كانت هذه المقولة عند الغرب لتناولها العلماء وكتبوا حولها نظرياتهم العلمية.

  • ثم تَحَدَّث الدكتور وليم هت عن مبدأ الشورَى و أهميته في إنجاح المشروع، و أجرى تجربة عملية على ذلك حيث قَدَّم امتحانًا لجميع المشاركين في الدورة وطلب بأن يكتب كل منا الإجابة على انفراد، ثم قسمنا إلى مجاميع وطلب من كل مجموعة أن تتشاور ثم تكتب الإجابة الجماعية للمجموعة وتُقارن بين الإجابة الجماعية والإجابة الفردية، وأجْمَعَت جميع الفِرق على أن الإجابة الجماعية كانت أصوَب وأقرب إلى الإجابة النموذجية؛ وهكذا أثبتنا عمليًا أهمية مبدأ الشورَى الذي نادَى به الإسلام ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ (الشورى:38).

  • وأثناء المحاضرات كنت أقلب مذكرة من ثلاثمائة صفحة شملت مُلخصًا لدروس الدكتور وليم هت ولست مُبالغًا إن قلت إن في كل صفحة من صفحات المذكرة بالإمكان وضع آية من كتاب الله أو حديث من أحاديث الرسول- صلى الله عليه وسلم- أو أثراً من آثار السَلَف الصالح بما ينسجم مع النص العِلمي الوارد فيها.

وانتهت الدورة، وسألني أحد الإخوة عن انطباعي فقلت: إن الإسلام كنز ضاع من المسلمين فاكتشفه الغرب بالتجربة والخطأ، وإن الرجل جاء من الغرب ليُعلمنا الإسلام.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 42

139

الثلاثاء 05-يناير-1971

الجامعة والأساتذة الزائرون[1]

نشر في العدد 5

140

الثلاثاء 14-أبريل-1970

هل نستجيب؟