العنوان جارانج يفجر مبادرة المصالحة المصرية الليبية لإفساح الطريق أمام التدخل الأمريكي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1999
مشاهدات 79
نشر في العدد 1367
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 14-سبتمبر-1999
في الوقت الذي كانت فيه كل الأطراف السودانية الحكومية والمعارضة تستعد لعقد أول لقاء تمهيدي للمصالحة بين حكومة السودان والتجمع السوداني المعارض، برعاية مصر وليبيا في 13 سبتمبر الجاري، بعدما قبل الطرفان بهذه المبادرة التي تنص على وقف إطلاق النار والتوصل لحل سياسي تعود بمقتضاه المعارضة للخرطوم، كان متمردو جنوب السودان بزعامة جون جارانج يعدون العدة لتفجير هذه المبادرة وإفشالها ونسفها تماما حتى يظل التوتر موجودًا بين الحكومة والمعارضة ويسمح ذلك للولايات المتحدة الأمريكية أن تستمر في مؤامراتها المخططة ضد الخرطوم.
فقد وافق المتمردون على المبادرة المصرية - الليبية بعدما تزايدت الضغوط عليهم ووجدوا أنفسهم في موقف شاذ مع قبول جناحي المعارضة السودانية «المهدي والميرغني» للمصالحة السلمية مع حكومة السودان، وفجأة بعد تحديد موعد 13 سبتمبر الجاري لعقد أول اجتماع للمصالحة أصدروا بيانًا من نيروبي يعلنون فيه رفضهم للوساطة المصرية لإنهاء النزاع القائم في السودان، وجاء في بيان المتمردين أن «هذه الوساطة المصرية - الليبية ليست سوى نسخة من الوساطة التي شرعت فيها منظمة إيجاد»، والتي تشارك فيها «كينيا وأوغندا وإريتريا وإثيوبيا»، و«أن عملية الوساطة التي قامت بها «إيجاد» هي الوحيدة القابلة للحياة ويجب أن تستمر»، ولذلك ليس هناك من مكان آخر لمبادرات موازية من شأنها أن تتيح للجبهة الإسلامية القومية «بزعامة الترابي» إبقاء سيطرتها.
ومبادرة «الإيجاد» أو «الإيقاد» سبق أن تم التوصل إليها منذ أربعة أعوام بين حكومة السودان وحركة التمرد، ونصت على مبادئ معينة لحل مشكلة جنوب السودان تتلخص في فصل الدين عن الدولة، وإعادة توزيع الثروة في الجنوب بين الشماليين والجنوبيين، واعتبار «المواطنة» - وليس الدين أو العرق - هي معيار تولي المناصب في السودان.
وقد رفضت حكومة السودان هذه المبادرة من البداية لأنها تفصل بين الدين والدولة واعتبرتها غير مقبولة لأنها تحرم حكومة السودان من هويتها الإسلامية، بيد أن تكاثر الضغوط حولها وإظهارها بمظهر الرافض للسلام مع الجنوبيين دفع بها في نهاية الأمر لقبول المبادرة.
لكن المتمردين عادوا للتسويف مرات ومرات حتى ماتت مبادرة الإيقاد تقريبًا، بل إن تحول غالبية دول الإيقاد «إثيوبيا وإريتريا وأوغندا» للعداء مع السودان والدخول في حروب معه دفع دول الإيقاد هذه لإطالة أمد الحرب في الجنوب والميل لكفة المتمرد جارانج أكثر من ميلهم جهة الخرطوم.
لذلك اعتبرت الخرطوم المبادرة المصرية - الليبية أكثر حيوية وقبلت بها وهي تدرك أن المتمردين سيتنصلون منها أيضًا وهو ما حدث! ولذلك يقول دبلوماسيون سودانيون بالقاهرة لـ«المجتمع» إن هدف المتمردين ليس التفاوض، ولكن تعطيل المفاوضات ومد أجلها لحين «اكتمال عناصر مؤامرة التدخل الأمريكي في السودان»، فقد بدأت واشنطن خطة للتدخل في السودان على غرار ما حدث للعراق، وأصدر الكونجرس قرارًا يطلب فيه تحويل جنوب السودان لمنطقة حظر جوي على الطيران السوداني، وأيد مد المتمردين بالسلاح، ثم عين الرئيس الأمريكي مبعوثًا أمريكيًا لشؤون السودان سوف يزور السودان هذا الشهر «سبتمبر» لتفقد أحوال الإغاثة واللاجئين في جنوب السودان، فضلًا عن ملف حقوق الإنسان، وإذا خرج هذا المبعوث بتقرير ينصح فيه بعمل عدائي ضد السودان فسوف تسعى واشنطن لتنفيذه عبر توريط مجلس الأمن في إصدار قرار أو قيامها هي بتنفيذ ما تريد دون اعتبار لأي رد فعل، وما يفعله جارانج - كما تقول المصادر السودانية - هو تعطيل أي مفاوضات سلمية ونسف مبادرة المصالحة المصرية الليبية وسعيه لاستمرار الخلافات بين حكومة السودان والمعارضة السودانية بعدما بدأ الطرفان يتغازلان بالتصريحات الإيجابية.
والغريب أن جارانج سعى للحضور للقاهرة بعدما فجر عملية المصالحة، وأعلن رفضه للمبادرة السلمية، كي يبرر لمصر وليبيا سبب رفضه للمبادرة، زاعمًا أن الأفضل أن تتكامل مع مبادرة الإيجاد حتى يضمن تدخل الدول الإفريقية الموالية لواشنطن في عملية التفاوض مع الخرطوم ولا يبدو هو كمن يرفض وحده الأطروحات المثارة لحل النزاع، والأغرب أنه استطاع إقناع القاهرة بأنه لا يرفض المبادرة، مع أنه يرفضها بالفعل، وفضل عليها مبادرة الإيجاد وهو ما قاله بوضوح في مؤتمره الصحفي بالقاهرة، وبإفشال جارانج للمصالحة أصبحت التساؤلات كثيرة: فهل تتوقف المصالحة؟ وهل تنسحب مصر وليبيا من الوساطة؟ وهل تترك الساحة وحدها لواشنطن - كما خططت - لتنفرد بالسودان؟!
الأمل الوحيد - وهو تلوح له المصادر المصرية والليبية - هو أن تتجاهل مصر وليبيا تحفظات جارانج وتستمر المصالحة على الأقل بين حكومة السودان والمعارضة الشمالية، خصوصًا مع إدراك المهدي المتزايد لخبث نوايا جارانج.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل