; جامعة الشعوب الإسلامية على الهواء | مجلة المجتمع

العنوان جامعة الشعوب الإسلامية على الهواء

الكاتب أحد الغرباء

تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1980

مشاهدات 66

نشر في العدد 504

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 11-نوفمبر-1980

• لماذا لم يكن بيان شيخ الأزهر حول إنشاء «جامعة الشعوب الإسلامية» نابعًا منه؟!

• منصب شيخ الأزهر مهمته اليوم أن يكون وسيلة إعلامية على مستوى الأمير!

• الدكتور زكريا البري وزير الأوقاف المصري بهلوان لا يعيش إلا بالسيرك!

• الشعوب المسلمة اليوم غير مستعدة نفسيًا واجتماعيًا وذهنيًا أو سياسيًا لتكون تحت راية الجامعة الإسلامية.

منذ زمن غير قصير زرته في مسكنه المتواضع في إحدى ضواحي القاهرة، إنه شيخ فقيه، وعالم مفكر، ومجاهد شجاع بقلمه ولسانه، أخذت منه السنون ما شاء لها أن تأخذ، دون مراقبة أو محاسبة ...

كانت آخر زيارة له منذ سنوات، وأذكر أنه قال لي قبل أن أبدأ الحديث معه: ارفق بي يا بني، ولا شك أنك تحفظ قول الشاعر: 

إن الثمانين وإن بلغتها

              قد أحوجت سمعي إلى ترجمان

وأنا في الطريق إليه تذكرت هذا البيت من الشعر وقلت لنفسي: يا ترى ماذا هو قائل لي اليوم؟ ورجوت الله أن تسمح له صحته ولو باليسير من المناقشة، لأنني دائمًا أسعد بالحوار معه، لأنه صريح لا يعرف المواربة، شجاع لا يجيد اللعب بالألفاظ، يجرؤ بكلمة الحق -ولو كان مرًا- ولا يبالي بعد ذلك في أي واد يكون.

واستراحت نفسي عندما رأيته يمسك بجريدة الأهرام، ويقرأ بيانًا لشيخ الأزهر، يهيب فيه بالشعوب الإسلامية والعربية أن تستجيب لقيام الجامعة الجديدة، ويقول: جامعة الشعوب الإسلامية والعربية طريق لعزة المسلمين وقوتهم ... وسألته:

- هل يشغلك مثل هذا البيان من شيخ الأزهر؟

- لا بالطبع ربما تشغل عيناي بسطوره، أما ذهني المشغول بحديث شريف، أظنك تحفظه، الحديث يقول:

«إذا رأيت شحًا مطاعًا... وهوى متبعًا... ودنيا مؤثرة... وإعجاب كل ذي رأي برأيه... فعليك نفسك... ودع عنك العوام... إن من ورائكم فتنًا كقطع الليل المظلم ... للمتمسك فيهم مثل الذي أنتم عليه خمسين مرة -أي من الأجر- قالوا يا رسول الله: بل منهم، قال: بل منكم.. لأنكم تجدون على الحق أعوانًا... وهم لن يجدوا على الحق أعوانًا...».

الأزهر في حماس للفكرة - فكرة إنشاء جامعة الشعوب الإسلامية والعربية...

-هل نسيت أن بيان شيخ الأزهر، لم يكن نابعًا من ذاتيته كشيخ للأزهر، مسئول أمام الله والعالم الإسلامي، ولا صادرًا عن وحي الإسلام ككون الفكرة أصلًا من أصول الإسلام، وإنما صدر بعد أن أصدر رئيس الدولة قرارًا جمهوريًا بإنشاء هذه الجامعة المزعومة، ويكون بيان شيخ الأزهر مجرد ترديد، ليعلن عن ولائه الشخصي لكل ما يصدر عن ولي الأمر؟

وواصل العلامة الشيخ كلامه: وإني سائلك بعض الأسئلة، لعلها تحتوي على مضمون لحل ما يدور بخلدك:

- هل كان في مقدور شيخ الأزهر أن يصدر بيانه هذا، لو أن صاحب الفكرة أو المشروع مثلًا: القذافي، أو الأسد، أو صدام، أو الملك حسين، أو غيرهم؟

ثم لماذا لم يصدر شيخ الأزهر بيانًا يؤيد فيه دعوة سمو الأمير فهد إلى الجهاد المقدس؟ لم يكن شيخ الأزهر قادرًا على تأييد هذه الدعوة.

- وهل يكفي -لكي تقوم جامعة الشعوب الإسلامية والعربية- بقرار جمهوري انفرادي من رئيس دولة أيًا كانت قيمة هذه الدولة؟

إن القرار الجمهوري قد يكون ملزمًا لشعب الدولة التي أصدر رئيسها القرار، ولن يكون ملزمًا لأي شعب آخر... أليس كذلك؟

ثم ما معنى إضافة كلمة... «والعربية»... ما دامت الشعوب الإسلامية، كلمة أعم تحتوي الشعوب العربية؟ أم أن المطلوب جامعة على مستوى مجمع الأديان في سيناء؟

ثم إن فكرة الجامعة الإسلامية، تقوم على أساس استعادة مشاعر الشعوب المسلمة وأحاسيسها لها، نفسيًا وذهنيًا، وسياسيًا واقتصاديًا، والإحساس بأن الفكرة أصبحت ضرورة ملحة؟

- وما هو أهم: أين هي الشعوب الإسلامية اليوم حتى تكون أهلًا لتأسيس جامعة إسلامية؟

أهي الشعوب المسلمة التي يقاتل بعضها بعضًا في المشرق العربي والمغرب العربي؟

أم هي الشعوب المسلمة التي يتحرش بعضها ببعض في جنوب الجزيرة العربية؟

أم هي الملايين من الأقليات المسلمة التي تتعرض لحروب الإبادة المسعورة؟

ربما يكون ضمن هذه الشعوب المسلمة شعب أفغانستان أو شعب سوريا أو شعب ليبيا أو شعب لبنان.

إن سائر الشعوب المسلمة مغلوبة على أمرها، ولم ترتفع عنها وصاية الأنظمة بعد، بل إن الأنظمة جميعها لا تزال تحت الوصاية.

وإلا قل لي بربك: أليست مأساة المآسي أن يشترك مع الروس والأحباش مسلمون في حرب الإبادة ضد شعب إريتريا المسلم؟ وأن يشترك هؤلاء المسلمون أنفسهم إلى جانب الروس في حرب الإبادة ضد الشعب الأفغاني المسلم؟

قلت للعلامة الشيخ:

روح عن نفسك يا شيخي الجليل... فالمشروع ليس إلا زوبعة هزيلة في فنجان، إنه مجرد ظاهرة استهلاكية لا أكثر، ولم تقابل هنا وهناك إلا بشيء من السخرية، اللهم إلا ما كان من وسائل الإعلام هنا وفي مقدمتها الصحافة... وشيخ الأزهر... والدكتور زكريا البري.

واعتدل الشيخ في جلسته. وقال:

دعك من الصحافة...  فإن الصحفيين كالندابات... في المآتم، أولئك اللائي يُستأجرن، ليرفعن من حرارة البكاء على الميت بعبارات يكررنها في كل مأتم... والشعوب المسلمة المغلوبة على أمرها هي الثكلى، وهناك حديث شريف يقول: «ليست النائحة كالثكلى...».

ودعك من الأزهر وشيخ الأزهر فالأزهر يعيش اليوم في فراغ، ويدور في حلقة مفرغة، ومنصب شيخ الأزهر اليوم مهمته أن يكون وسيلة إعلام على مستوى الأمير.

أما الدكتور زكريا البري، فسفاهة منه ألف مرة ومرة، لقد أثبت -بجدارة- أنه بهلوان، والبهلوان -كما تعلم- لا يعيش إلا بالسيرك، وهذا الدكتور هو الذي يخلق الفرصة لوجود السيرك حتى يمارس نشاطه، وقد أقام السيرك ليخرج على الناس «بتقليعة» المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، لينافس ميتًا كبّرنا عليه أربعًا لوفاته، هو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ... ولقد حانت له فرصة السيرك الجديد، جامعة الشعوب الإسلامية، وأعتقد أن جعبته لا تخلوا من مشروعات جديدة لأكثر من سيرك في الطريق إلينا...

وسألني العلامة الشيخ:

هل تتابع المسلسل الذي يعرضه التلفزيون يوميًا، واسمه «يشن على مفيش»؟

وقلت: هل يتابع شيخي مثل هذه المسلسلات؟

وقال: لا، ولكن أحرص على أن أعرف مضمونها من خلال مناقشة أحفادي... 

وقلت: إن الناس هنا غير متحمسين لهذا المسلسل، لأنهم يعتبرونه لونًا من التهريج لا أكثر. 

وقال الشيخ: على العكس، إن فكرته هادفة، وللعنوان فلسفته، فالبطل بواسطة الصحافة، أضفيت عليه بطولات خارقة هو بريء منها، لكنه صدقها، وتمادى في تصديقها... ولكن لا بد أن تكون النهاية تلاشي هذا الزيف، وتظهر الحقيقة المجردة بلا رتوش...

وقلت: حسبي قول الحق تبارك وتعالى:

﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ (الرعد: 17). صدق الله العظيم

الرابط المختصر :