العنوان الافتتاحية.. جامعة النفق المظلم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1989
مشاهدات 85
نشر في العدد 932
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 12-سبتمبر-1989
ثلاثة عشر عامًا
مرت حتى الآن على الحرب الأهلية اللبنانية.. ثلاثة عشر عامًا.. ووحش الحقد والنار
يزرع الدمار والخراب في كل مكان من لبنان! أكثر من 200 ألف قتيل حتى الآن، أي ما
يعادل 7% من مجموع الشعب اللبناني المصابر!
أكثر من 400 ألف
جريح سقطوا جراء هذه الحرب المدمرة القذرة، إضافة إلى 250 ألف يتيم و50 ألف معاق،
ناهيك عن 200 ألف شخص يتعاطون المخدرات، بعد أن صارت أرض لبنان مزرعة
محمية لأنواع المخدرات! وبالتالي فإن نسبة 40% من مجموع الشعب اللبناني بين قتيل
وجريح ويتيم ومعاق ومدمن على المخدرات، هذا عدا عشرات الآلاف من المشردين تحت كل
نجم.
أين يقع لبنان؟!
وإلى أية أمة
ينتمي؟!
وهل سمع العرب
بالحرب اللبنانية المستعرة منذ خمسة عشر عامًا؟ وبالتالي أين دور العرب ودور
الجامعة العربية ذات المؤسسات المنتشرة في جميع دول العالم؟
هل نسي أصحاب
الجامعة العربية ميثاقها؟ «إننا أمة واحدة، وشعب واحد، يربطنا مصير واحد»، هكذا
يقول ميثاق العرب في جامعتهم؟ فهل الأزمة اللبنانية معقدة إلى هذا الحد الذي
يستغرق خمسة عشر عامًا للتفكير بحلها؟
ترى.. ما أسرع
هذه الجامعة في التعامل مع القضايا الساخنة والخطيرة التي تعترض هذه الأمة
المنكوبة؟! حقًّا أنها تعيش في عصر السرعة والتكنولوجيا التي جعلت العالم أشبه
بقرية صغيرة؟!
إن الجيوش
الدخيلة والمليشيات العميلة ما تزال تلعب بمصير لبنان واللبنانيين، لكن يظهر أن
هذه الجيوش والميليشيات نسيت أو تناست الجنوب اللبناني، وأن العدو الصهيوني يحتل
هذا الجنوب ويجثم على صدور أهله.. فأداروا ظهورهم لليهود المغتصبين الذين تشكل لهم
تلك الحرب حزامًا أمنيًّا فعالًا.
هل الأزمة
اللبنانية معقدة إلى الحد الذي لا تستطيع فيه الجامعة القيام بأي دور إيجابي يقف
على خفاياها؟ اجتماعات ومؤتمرات وتصريحات ولجان.. والحرب كما هي، بل تزداد ضراوة
يومًا بعد يوم.
وهل من الصعب أن
نقف على خفايا الأزمة اللبنانية، ومن يصب النار على الزيت فيها ويزيدها اشتعالًا،
ومن يعرقل الوساطات ويقف وراء فشل لجان المصالحة والوساطة العربية وينسف الجهود
ويتحدى الأمة ويبدد الطاقات؟
ألم يحن الوقت
لوقف القتال أيها العرب؟!
نعم.. إن «إسرائيل»
هي المستفيد الأول والأخير من هذه الحرب المدمرة، والكيان العربي كله هو الخاسر
الأكبر مع لبنان الذي ينتشر الموت في شوارعه ومدنه وقراه، يحصد النساء والأطفال
والشيوخ والشباب، فأين الضمير العربي؟ وأين تلك الجامعة العربية؟!
ألم يحن الوقت
بعد لوضع حد لهذه الحرب، أم نحتاج زمنًا أطول لوضع النقاط على الحروف؟ ريثما يتمكن
العرب من اجتثاث العوائق الدخيلة في لبنان؟ أم ما زلنا مقتنعين بأن الصمت من ذهب
حيال هذه الأزمة ومن يقف وراءها؟
الجامعة العربية
اتخذت حتى الآن أكثر من ستة آلاف قرار منذ تأسيسها.. ولكن أين مصير هذه القرارات؟
وكم قرارًا وضع موضع التنفيذ؟
أم إن الجامعة
لم تستطع تجاوز فكرة تأسيسها لتكريس اتفاقات «سايكس بيكو» وغيرها من الاتفاقات؛
لتبقي على الدويلات العربية مثلما خطط لها المستعمرون؟
أم ما زلنا نعيش
نشوة الفرح بأننا أمة واحدة تجمعنا هذه الجامعة، وهي التي لا تجتمع ولا تقرر إلا
بإجماع جميع الرؤساء؟ وهذا ما لا يمكن أن يتحقق على أية قضية من القضايا يمكن أن
تطرح أمام الجامعة.. وبالتالي لم تستطع اتخاذ أي قرار بسحب القوات الأجنبية
الدخيلة من لبنان؛ لأن ذلك يضرب الإجماع.
إن الجامعة
العربية تعلم حق العلم من وراء الأزمة اللبنانية، ومن هو الذي فجر وقاد هذه الحرب
المدمرة، وتعلم أن الضحية عضو في الجامعة العربية، لذلك وأمام هذا الواقع المرير
للجامعة عمدت أكثر الدول العربية إلى تشكيل كيانات سياسية واقتصادية خروجًا من هذا
النفق المغلق وما لم يعدل ميثاق الجامعة لا يمكن النفاذ منه والتخلص من سلبياته.
لذلك لم يكن غريبًا أن تفشل اللجنة الرباعية ثم اللجنة السداسية وأخيرًا اللجنة
الثلاثية؛ لأن جميع هذه اللجان تحاول بطريقة أو بأخرى أن تجاري أو تجامل من يقفون
وراء تفجير الأزمة واستمرارها.. ولكن إلى متى؟
ألا فليعلم
العرب -كل العرب- أنه لا يحق لأي عربي ولا للجامعة العربية أن تجامل أحدًا عربيًّا
كان أم يهوديًّا على حساب لبنان وشعب لبنان.
كما لا يجوز
لأحد من الدخلاء أن يساوم على حق شعب في تقرير مصيره، واختيار نظامه، والتمتع
بحرياته عربيًّا كان أم يهوديًّا!
ألا فلتبادر
جامعة الدول العربية إلى النهوض بدورها قبل فوات الأوان.. وقبل أن تفقد شعوب الأمة
ثقتهم بها وبقدرتها على حل الأزمات التي تجتاح الدول الأعضاء فيها.. وقبل أن ينفرط
عقدها.. فهي ملك الأمة جمعاء، ولا يجوز تهميشها نهائيًّا لحساب من لا يضعها في
حسبانه.
على أننا في
الختام ندعو الأمة؛ حكوماتٍ وشعوبًا، إلى عمل جاد لإنقاذ لبنان من محنته.. ولا بد
من إيقاف عدوان الدخلاء عليه؛ سواء رضي بذلك الأمريكيون واليهود أم لم يرضوا.. فهل
يكون ذلك؟ وهل يأخذ الحق نصابه والجرأة دورها في فضح أولئك المتآمرين؟ نرجو ذلك.