العنوان جبهة تحرير كشمير العلمانية: هل تشعل الحرب الرابعة بين الهند وباكستان؟
الكاتب رأفت يحيى العزب
تاريخ النشر الأحد 05-أبريل-1992
مشاهدات 61
نشر في العدد 996
نشر في الصفحة 22
الأحد 05-أبريل-1992
الموقف في كشمير
· المنظمات الجهادية في كشمير عارضت عبور خط الهدنة وتصفها بأنها
عملية انتحارية تهدف إلى تدمير الشعبين الكشميري والباكستاني.
· الجبهة الوطنية لتحرير كشمير تتبنى النهج العلماني وترفض التعامل
مع مجاهدي كشمير وتسعى لشق صف المجتمع الكشميري.
سحب القلق والترقب التي تجمعت في سماء كشمير الحرة هذه الأيام من جراء
المغامرات غير المحسوبة التي تخطط لها الجبهة الوطنية لتحرير كشمير المحتلة، والتي
قد تنذر بنشوب حرب رابعة بين باكستان والهند، جعلت إسلام آباد لا تتردد في إلقاء
القبض على أمان الله خان زعيم الجبهة الوطنية للمرة الثانية خلال أقل من شهرين بعد
أن رفض العدول عن القرار الذي اتخذته منظمته بشأن عبور خط الهدنة الفاصل بين كشمير
الحرة والمحتلة يوم الإثنين 30 مارس. ولم تكتفِ إسلام آباد بذلك فقد اتخذت عددًا
من التدابير الوقائية الأخرى لمواجهة أي تحرك محتمل يمكن أن يصعد الموقف عبر خط
الهدنة لا سيما وأن القوات الهندية البالغ عددها ما يقرب من نصف مليون جندي داخل
كشمير المحتلة تقف على أهبة الاستعداد لمواجهة أي تحرك عبر خط الهدنة، ومن هذه
التدابير التي اتخذتها إسلام آباد إعلان حالة الطوارئ بمدينة مظفر آباد عاصمة
كشمير الحرة وتعطيل حركة المرور من وإلى كشمير خلال الفترة من 27- 30 مارس،
والتهديد بحظر نشاط الجبهة في باكستان، إذا ما استمرت في التلويح بممارسة هذه
النشاطات.
وكانت الجبهة الوطنية ذات التوجه العلماني بزعامة أمان الله خان قد
حاولت في 12 من شهر فبراير الماضي عبور خط الهدنة عندما حشدت ما يقرب من 15 ألف من
أعضائها بمدينة مظفر آباد، وانطلقت بهم سيرًا على الأقدام لمسافة 200 كم باتجاه خط
الهدنة، إلا أن قوات الجيش والشرطة الباكستانية قد أحبطت هذه المحاولة التي راح
ضحيتها عدد من القتلى والجرحى. وقد هددت الهند أثناء محاولة الجبهة الأولى لعبور
خط الهدنة بضرب باكستان وتحميلها المسؤولية الكاملة إزاء أي محاولة لعبور خط
الهدنة الفاصل بين كشمير الحرة والمحتلة.
الوضع القانوني لعبور خط الهدنة:
تنص قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بإعلان الهدنة بين الهند وباكستان
عام 1948 على عدم السماح لسكان كشمير الحرة أو المحتلة بعبور خط الهدنة، وأن
الوسيلة الوحيدة للاتصال بين الجانبين تكون عبر الأمم المتحدة، أو عن طريق الحصول
على تأشيرات زيارة من السلطات المختصة في كل من الهند وباكستان، وتؤكد هذه
القرارات على أن أي تحرك عبر خط الهدنة وبأي صورة من الصور غير القانونية يعد
انتهاكًا لوقف إطلاق النار بين الهند وباكستان منذ عام 1948؛ وبالتالي فإن أي تحرك
تقوم به الجبهة الوطنية من الجانب الباكستاني لاجتياز خط الهدنة تجاه كشمير
المحتلة سوف يعطي الهند كل المبررات القانونية لإعلان الحرب على باكستان، وإذا ما
أخذنا في الاعتبار وجود ما يقرب من نصف مليون جندي هندي ينتشرون على طول خط
الهدنة، فإن النتيجة المحتملة لما يمكن أن تسفر عنه نشوب حرب بين الدولتين ستكون
مدمرة، خاصة وأن حزب بهاريتا جناتا الهندوسي المتطرف الذي يشكل القوة السياسية
التالية بعد حزب المؤتمر الهندي الحاكم في الهند يروج هذه الأيام وبصورة قوية
لفكرة طرد المسلمين من كشمير المحتلة أو إبادتهم جميعًا واستعادة ما أسماه بالجزء
الذي تحتله باكستان «كشمير الحرة». هذا في الوقت الذي لم تستعد فيه باكستان بعد
لدخول حرب طويلة مع الهند.
ومن هنا فإن هذا المأزق الذي أوجدته الجبهة الوطنية يعكس النوايا غير
الحسنة التي تضمرها تجاه باكستان؛ ذلك أن عبور خط الهدنة لن تكون له أي قيمة أو
تأثير إيجابي يفيد الجهاد الكشميري داخل الوطن المحتل، وكل ما يمكن أن يفرزه هذا
التصرف من جانب الجبهة هو فرقعة إعلامية تستهدف كسب تعاطف الشعب الكشميري مع
الجبهة، الأمر الذي لن يحدث لأن الشعب الكشميري يدرك أن معركته الحقيقية داخل
كشمير المحتلة وأن أي مغامرات غير محسوبة من جانب الجبهة أو غيرها يعد إهدارًا
للقضية الكشميرية أساسًا.
مخاطر وتحديات أخرى أفرزتها
الجبهة:
تقوم فلسفة الجبهة الوطنية لتحرير كشمير على مبدأ خطير تنفرد به دون
غيرها في التعامل مع القضية الكشميرية، هذا المبدأ هو إعلان الاستقلال التام عن كل
من الهند وباكستان معًا، ومثل هذه الفلسفة التي تشكلت الجبهة على أساسها تكتنفها
مخاطر عديدة أهمها:
- إهدار
قيمة قرارات الأمم المتحدة الصادرة في عام 1948 والتي تقضي بمنح الشعب
الكشميري الحق في تقرير مصيره عن طريق إجراء استفتاء عام أساسه ضم كشمير
للهند أو باكستان. وكانت الهند قد قبلت بتنفيذ هذه القرارات فور صدورها
وتعهدت بتنفيذها.
وفي هذا الصدد يقول رئيس وزراء الهند الأسبق «نهرو»: إننا نؤكد
التزامنا بسحب القوات الهندية من كشمير «المحتلة»، وسنترك الشعب الكشميري يقرر
مصيره بنفسه.
ومن هنا فإذا كان المسلمون في كشمير المحتلة يشكلون ما يقرب من 80٪ من
إجمالي سكان كشمير، فإن النتيجة الطبيعية لأي استفتاء ديموقراطي يمكن أن يجري في
كشمير سيكون لصالح الانضمام لباكستان خاصة وأن كشمير مثلها مثل بقية الأقاليم
الباكستانية الأخرى «السند... البنجاب.. بلوشستان والإقليم الحدودي» كان من
المفروض وفقًا لقرار تقسيم شبه القارة الهندية أن تكون الإقليم الباكستاني الخامس؛
إلا أن الهند أقدمت على احتلال ثلثيها المعروفة حاليًا باسم الجزء المحتل.
- إن
دعوة جبهة تحرير كشمير التي يتزعمها أمان الله خان الذي يدعو للاستقلال عن كل
من الهند وباكستان سوف تحدث شرخًا كبيرًا في نسيج المجتمع الكشميري المسلم،
وهذا من شأنه أن يفتت أصوات الشعب الكشميري في أي عملية استفتاء محتملة مستقبلًا،
خاصة وأن الجهاد الكشميري يعتمد في جزء كبير من استراتيجيته لتحرير كشمير على
الضغط العسكري على الهند لتعلن إذعانها وقبول تنفيذ قرارات الأمم المتحدة.
- ضياع
جانب كبير من المكاسب التي أحرزتها القضية الكشميرية على المستوى الدولي
والإسلامي والشعبي والتي تصب جميعًا في اتجاه حق تقرير مصير الشعب الكشميري
وفق قرارات الأمم المتحدة.
- وحتى
لو سلمنا بفكرة الاستقلال التي تدعو لها الجبهة، وأنها نجحت في تحرير البلاد
من القوات الهندية، وهذا أمر بعيد المنال، فإن أي نظام قادم في ظل هذا
السيناريو سوف يكون ضعيفًا ولا تربطه بباكستان أية صلة، بل سيظل في أحضان
الهند خاصة، وأن الجبهة تقوم دعوتها أساسًا على الفكر العلماني وتستبعد
التعامل مع من أسمتهم بالأصوليين.
- إزاء
كل ذلك فقد كان طبيعيًّا جدًّا أن تتخذ باكستان موقفًا متشددًا من السلوك
الخطير الذي جنحت إليه الجبهة، وهذا ما دعا سكرتير الخارجية الباكستانية أكرم
زكي لأن يصف سياسات الجبهة ومغامراتها لعبور خط الهدنة بأنها مؤامرة خبيثة
تستهدف النيل من الشعبين الكشميري والباكستاني في آن واحد. وحذر المسؤول
الباكستاني من أن بلاده سوف تتعامل بكل حزم مع هؤلاء المخربين الذين يقفون
وراء الترويج لمؤامرة عبور خط الهدنة.
جميع المنظمات الجهادية الكشميرية
تعارض تحركات الجبهة:
عارضت جميع المنظمات والجماعات الجهادية الكشميرية وعلى رأسها حزب
المجاهدين فكرة عبور خط الهدنة، ووصفت هذا الإجراء بأنه عملية انتحارية للقضاء على
الشعبين الكشميري والباكستاني، وطالبت هذه الأحزاب والمنظمات الجبهة بالتخلي
تمامًا عن فكرة عبور خط الهدنة الذي سيكون في صالح الهند العدو المشترك لكل من
باكستان وكشمير.
وانتقد سردار عبد القيوم رئيس كشمير الحرة تصرفات الجبهة الوطنية
ووصفها بأنها غير مسؤولة، وقال عبد القيوم: إن الجبهة لم يكن لها أي وجود يذكر حتى
عهد قريب، وأن مثل هذه الممارسات التي تلجأ إليها الجبهة اليوم تستهدف كسب تأييد
الشعب الكشميري لها، وهذا غير وارد مطلقًا.
الجماعة الإسلامية في كشمير الحرة
تفشل مخططات الجبهة:
أدركت الجماعة الإسلامية منذ الوهلة الأولى خطورة الدعوة التي تروج
لها الجبهة الوطنية، فوضعت برنامجًا مضادًّا لإفشال مخططات الجبهة، وقد تضمن هذا
البرنامج تنظيم مسيرات في مختلف أنحاء كشمير الحرة، يحمل فيها أعضاء الجماعة
الأعلام الباكستانية تعبيرًا عن رفضهم لسياسة الجبهة الوطنية القائمة على رفض
الانضمام لباكستان، وقد بدأ تنفيذ هذا البرنامج منذ 23 من شهر مارس، ويستمر حتى 30
من الشهر نفسه، وهو الموعد الذي حددته الجبهة لعبور خط الهدنة. وفي تصريح خاص
لـ«المجتمع» قال البروفيسور عبد الرشيد الترابي أمير الجماعة الإسلامية في مظفر
آباد عاصمة كشمير الحرة: إن شرفات وأسطح جميع المنازل في جميع أنحاء كشمير الحرة
قد ازدانت بالأعلام الباكستانية، وأن الشعب الكشميري داخل الجزء المحتل قد تفاعل
مع دعوة الجماعة الإسلامية ورفع هو الآخر الأعلام الباكستانية على منازله إعرابًا
عن رفضهم لدعوة الجبهة وتضامنًا مع باكستان. وأكد البروفيسور الترابي الذي كان
يتحدث للمجتمع من مظفر آباد يوم 29 من مارس أن نجاح برنامج الجماعة الإسلامية كان
استفتاء شعبيًّا من الكشميريين عن تأييدهم الكامل للانضمام لباكستان. وأشار
الترابي إلى أنه لم يلاحظ أي نشاط يذكر للجبهة الوطنية التي لا تشكل بأي حال من
الأحوال أكثر من 2٪ من كل الشعب الكشميري، وأن محاولتهم الأخيرة قد حققت عكس ما
يتوقعون، فقد قوبلت باستهجان وسخط شديدين من كل الأوساط الكشميرية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل