العنوان جذور الصهيونية في الفكر الديني المسيحي
الكاتب محمد رشاد خليل
تاريخ النشر السبت 08-مارس-2003
مشاهدات 87
نشر في العدد 1541
نشر في الصفحة 38
السبت 08-مارس-2003
الذي يعنينا من نقد الكاثوليك لمارتن لوثر قولهم: إن فتح الباب للتفسير الشخصي أو التأويل الحر جعل من كل شخص «بابا»
بعد لوثر، أصبح الإله المنتقم الذي يهلك ويدمر هو إله الصهيونية المسيحية
ذكرنا في مقالات سابقة، أن الغرب لم يعرف في تاريخه قط منهج النبوات الذي هو أساس كل علم صحيح، وأن الغرب قد عرف فقط الفلسفات المادية المؤسسة على الوثنية والتي هي أشد الوثنيات انحطاطًا في التاريخ وأشدها خطرًا، بما توافر لها من إمكانات لم تتح لجميع الوثنيات قبلها، وتكلمنا عن المنحنى الخطير الذي أخذته هذه الوثنية في صور التحالف الصهيوني المسيحي، وهو التحالف الأشد خطرًا لأنه أخذ طابع الدين الصريح، فهي عقيدة تهدد العالم كله بما فيه أمريكا بالدمار الشامل في حرب نووية لو حدثت فلن ينجو منها أحد وأولهم أولئك الذين يتوهمون أن المسيح سوف يرفعهم إلى السماء تاركًا العالم كله بلا رحمة في الجحيم النووي، وقلنا إن الصهيونية المسيحية سابقة على الصهيونية اليهودية، بل وصانعة لها ولدولة «إسرائيل».
وفي هذا المقال سوف نحاول تتبع جذور الصهيونية في الفكر المسيحي المغربي المعرفة الأسباب التي جعلتها تتميز بهذا القدر الهائل من اللاإنسانية رغم انتمائها إلى أديان كتابية لها كتب سماوية جاء بها رسل من عند الله تعالى، كما جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن!
كيف والأصل في رسالات جميع الرسل الذين أرسلهم الله تعالى هو هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور برأ من الله تعالى بهم، ورحمة من الله لهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)، ولم يرسل الله تعالى رسلًا إلى أقوامهم إلا رحمة لهم، وبرأ بهم: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ (النساء: 147).
نسأل هذا السؤال من منطلق الفهم، فهدفنا من كل ما نكتب في هذا الباب هو الفهم وليس مجرد العلم، ولا رغبة في الإدانة، أن نفهم لم كان هذا هكذا ونثني عليه إذا كان خيرًا وندعو إلى الاستزادة منه، ونستعيذ بالله من شره إن كان شرًّا ونحذر منه، منطلقنا أننا دعاة نسعى لخير الناس كل الناس مسلمهم وكافرهم برهم وفاجرهم، شعارنا إن أعرض عنا الناس وسخروا بنا وأذونا: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون»، وكل الناس في كل مكان هم قومنا مهما أعرضوا وجفوا.
الفكر الديني المسيحي: ومن المهم أن نذكر بما سبق أن قلناه من أن الغرب لم يتعرف منهج النبوات، وبالتالي لم يعرف تاريخه الدين الحق قط، وإنما وصلت إليه صور عن هذا الدين مشوهة ومحرفة من خلال المصادر اليهودية التي جمعت بين التحريف والاختراع الممزوج بكل ما أخذ عن الوثنيات التي عرفها اليهود، ثم أضيف إلى ذلك ما اخترعه المسيحيون أنفسهم بما في ذلك تأليه المسيح وعبادته، بالإضافة إلى ما أخذ من الوثنيات التي عاشت في ظل الدولة الرومانية التي احتضنت المسيحية بعد أن حاربتها، هذا الخليط مضافًا إليه التأثير الإسلامي المشوش هي التي شكلت الفكر الديني المسيحي في الغرب بما في ذلك فكر حركة الإصلاح البروتستانتي التي قام بها مارتن لوثر ضد الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا، فحركة الإصلاح البروتستاتني هي الرحم التي خرجت منها الصهيونية المسيحية وهي الصهيونية التي خرجت من رحمها الصهيونية اليهودية، ضمن ما خرج من تيارات واتجاهات وتأثيرات كان لها أثرها العميق في الغرب والعالم كله بما في ذلك العالم الإسلامي.
وفي هذا المقال سوف نقصر حديثنا على جذور الصهيونية في حركة الإصلاح البروتستانتي، حدثتنا الباحثة الأمريكية جريس هالسل كما نقلنا عنها في مقالنا السابق- عن كيف أن قرار الكنيسة الكاثوليكية بإجازة التفسير المجازي للبايبل، فتح باب التأويل الشخصي لنصوص البايبل، وهو الباب الذي دخل منه لوثر كما حدثتنا عن تركيز لوثر على العهد القديم الخاص باليهود، الأمر الذي أدى بالتالي إلى التركيز على التاريخ كما ورد في العهد القديم وعلى اعتبار أنه هو التاريخ المعتمد كمات التركيز على النبوءات التي وردت في العهد القديم، والتي اعتمدت عليها الصهيونية المسيحي وبينتها اليهودية في تسويق نبوءاتها وأكاذيبه فيما يتعلق بفلسطين ومصير العالم.
مرتكزات الصهيونية
لن نتكلم هنا عن كل ما جاء به لوثر، وإنما نحصر حديثنا في الأمور التي ارتكزت عليهـا الصهيونية المسيحية وربيبتها اليهودية، وسوف نعرض ملخصًا لهذه المرتكزات من: قصار الحضارة، وول ديورانت، المجلد السادس عن الإصلاح، الفصل الخاص بمارتن لوثر ص.ب ٣٣٧/ ٣٧٩.
The story of civilization, the Reformation Chapter xvI. Luther- p337- 379
وتتلخص هذه المرتكزات فيما يأتي:
البايبل المصدر الوحي للعقائد المسيحية: كانت دعوة الإصلاح البروتستانتية ثورة على سلطة الكنيسة الكاثوليكية والباباوات ولذا فقد أعلن لوثر أن «البايبل» هو مصدر كاف لجميع المعتقدات والمعايير الدينية المسيحية، وبناءً عليه فإنه على الرغم من أنه قد قبل ببعض المعتقدات التي لا أساس لها في البايبل مثل: التعميد وقداس الأحد، فإنه رفض الاعتراف بحق الكنيسة في الإضافة إلى البايبل، تلك الإضافات التي لا تعتمد على البايبل وإنما على عادات الكنيسة الكاثوليكية وسلطتها، مثل: التكفير عن الذنوب والتطهير عن طريق الكنيسة، والغفران الذي تمنحه، وعبادة مريم عليها السلام والقديسين.
وأرجو ألا يتبادر إلى أذهان البعض أن حركة الإصلاح البروتستانتي شبيهة بحركات التجديد الإسلامي التي دعت إلى العودة إلى الكتاب والسنة وهجر بدع الاعتقاد والعبادة والسلوك والعرف التي أدخلت على الإسلام عبر العصور.
ذلك أن الدعوة إلى العودة إلى الكتاب والسنة في تاريخ الإسلام هي دعوة إلى نص صحيح متفق على صحته لم يتغير ولم يبدل عبر العصور، ودعوة إلى السنة الصحيحة، مع رفض ما وضع في السنن مما ثبت بطلانه، ودعوة إلى نفي التحريفات التي حدثت بالتفسير والتأويل المخالف لصريح الكتاب والسنة، والتي لا تحتملها قواعد اللغة العربية بحال.
أما دعوة الإصلاح البروتستانتي فهي دعوة إلى العودة إلى نصوص اختلط فيها الوحي بالأسطورة بالموضوعات مع التحريف والتبديل لما له أصل صحيح، مع التركيز على العهد القديم الخاص باليهود بأكثر من التركيز على العهد الجديد الخاص بالمسيحيين، مع اعتقاد حجية كل نبوءة وخبر وقصة وعهد وردت أو ورد ذكرها في العهد القديم، وبدون تثبت بل ودون أدنى مناقشة مهما كان ذلك مصادمًا لصريح العقل مصادمًا لصحيح النقل والتاريخ، الأمر الذي وضع حجر الأساس لعقائد الصهيونية المسيحية واليهودية والتي تعتمد أساسًا على العهد القديم وما فيه من نبوءات كاذبة وأساطير وثنية وأخبار ملفقة.
العقل والنقل وكما ثارت قضية العقل والنقل في تاريخ الإسلام ثارت أيضًا في تاريخ المسيحية، وفي أخطر صورها في التاريخ ولأسباب شبيهة بالأسباب التي أحدثت هذه المسألة في تاريخ الإسلام، وإن لم يكن على نفس الأسس ونفس الاتجاه، بل على خلاف الأسس وفي عكس الاتجاه الذي أخذته في تاريخ الإسلام وأساس هذه المسألة في تاريخ المسيحية أن الكنيسة الكاثوليكية تبنت على يد القديس أوغسطين فلسفة أرسطو للدفاع عن المعتقدات المسيحية وتدعيمها، وقد أخذ ذلك العمل صورة ما يسمى بالفلسفة المدرسية، لقد أدان لوثر الفلسفة المدرسية بسبب التسليم بحق العقل في تفسير النصوص، وبسبب محاولتها تفسير العقائد المسيحية عقليًّا، وبسبب محاولتها التوفيق بين المسيحية وفلسفة «هذا الملعون أرسطو»- كما قال لوثر.
وقد حدث الشيء نفسه ولنفس الأسباب في تاريخ الإسلام، فقد حاول البعض تحكيم العقل في النص، أو كما قالوا: تقديم العقل على النص وفهم العقائد الإسلامية وفق المفاهيم العقلية الفلسفية، كما حاولوا التوفيق بين الإسلام والفلسفة والإغريقية.
وكان سبب الفتنة في الحالين واحدًا وهو أرسطو بصفة أساسية، فقد رفع الفلاسفة الذين ظهروا في تاريخ الإسلام- أرسطو فوق البشر، بل فوق الأنبياء والرسل، واعتبروه المعلم الأول، وجعلوا فلسفته هي المعيار الذي يحكم به على الإسلام وعملوا على تفسير العقائد الإسلامية وفق مفاهيم فلسفة أرسطو، وحاولوا التوفيق بينها وبين الإسلام على قاعدة ما هو صحيح في الإسلام أرسطاطاليسيًّا، فهو الصحيح، وما خالف أرسطو فيجب أن يؤول أو ينبذ.
على أنه ثمة خلاف أساسي بين موقف لوثر وموقف الإسلام وعلمائه من العقل.
لوثر والعقل
لقد هاجم لوثر العقل الفلسفي للأسباب التي ذكرناها، لكنه في نفس الوقت هاجم أي نوع من التعقل، مما يوحي بأنه لا يرفض العقل الفلسفي فقط، وإنما يرفض أي نوع من التعقل في مجال الدين أو كما يقول: إننا لا نستطيع أن نأخذ البايبل والعقل معًا، إن واحدًا منهما لابد أن يذهب.
ويرى أن العقل عدو الإيمان:
إن لوثر فحسب، وإنما يعتبره عدوًا للإيمان، أو كما لا يرفض العقل في كل صوره يقول إن جميع بنود الإيمان المسيحي، والتي أوحى الإله بها إلينا في عالمه تبدو في نظر العقل مستحيلة كلية وسخيفة وكاذبة، ما الذي يمكن أن يكون أكثر سخافة واستحالة في تفكير هذا الماكر الغني- يعني العقل- من القول بأن المسيح أعطانا جسمه ودمه لكي في العشاء الأخير قد نأكل ونشرب، أو أن الموت سوف يبعث في اليوم الآخر، أو أن المسيح ابن الإله يمكن أن يولد من رحم العذراء مريم، كإنسان يتألم ويموت موتًا مخزيًّا على الصليب، إن العقل هو أكبر عدو للإيمان.
هروب لوثر من العقل الفلسفي إلى العقل العامي
لكن لوثر في هروبه من العقل الفلسفي هرب إلى عقل هو أشد خطرًا وأكثر انحطاطًا من العقل الفلسفي، ألا وهو العقل العامي، ذلك أن العقل العامي هو محض أهواء تحركها شهوات وتحفها جهالات لا تحدها حدود ولا يضبطها ضابط فالعقل الفلسفي حاول على الأقل أن تكون له في تخرصاته وظنونه قواعد منطقية تحكم عملية التفكير وتعصمها- كما زعموا- من الزلل، أما العقل العامي فهو ينطلق من عاداته وموروثاته ونزواته مهما كانت مصادمة لكل تعقل أخطأ أم أصاب، الأمر الذي سهل على المسيحيين التسليم بكل شاذ وغريب ومستحيل عقليًّا في تفسير البايبل، وبالتالي تقبل كل ما يأتي به كهنة الصهيونية من مستحيلات وغرائب في التفسير والتنبؤ.
التفسير الشخصي للبايبل ذلك أن لوثر في الوقت الذي هاجم فيه دور العقل الفلسفي للمدرسيين في تفسير العقائد المسيحية وفق فلسفة أرسطو، وهاجم فيه في الوقت نفسه العقل بصفة عامة، ونفى أن يكون له أي دور في فهم العقائد المسيحية، ووصف العقل بأنه عدو الإيمان، فإنه قد اتخذ خطوتين نحو العقل الأولى أنه وضع الموعظة العامة مكان القداس الكنسي في الكنيسة، وهي موعظة عقلية لا طقوسية والأمر الثاني أنه أعطى الحق لكل فرد في أن يفسر البايبل لنفسه دون تدخل من أحد.
لقد وضع قانونه الخاص لتوثيق كتب البايبل وفق القواعد الآتية:
أ- إلى أي مدى توافق هذه الكتب تعاليم المسيح؟
ب- أي كتب لا توافق تعاليم المسيح لا تعد كتبًا مقدسة، حتى لو كان واضعها هو القديس بطرس أو القديس بولس.
ج- أي كتب توافق تعاليم المسيح هي كتب مقدسة حتى ولو كان صاحبها هو يهوذا، «أي يهوذا الأسخريوطي، وهو أحد تلاميذ المسيح الاثني عشر والذي خان المسيح، وكان هو بيلاطس البنطي وهو الحاكم الروماني لفلسطين في أيام المسيح عليه السلام، وهو الذي حاكم المسيح عليه السلام، وأمر بقتله، بضغط من اليهود، أو كان هو هيرود، وهو أحد اليهود، وكان ملكًا على وديا في فلسطين».
والذين أشار إليهم لوثر ليسوا فقط غير مسيحيين، بل هم ضد المسيح عليه السلام، وقد قال ذلك من باب المبالغة في التأكيد على أن المصدر الأوحد للمسيحية هو فقط كتب البايبل الموافقة لتعاليم المسيح، وذلك لكي يبطل أي حق للكنيسة الكاثوليكية والبابوات في تقرير وتوثيق المصادر المسيحية، وفي هذا الإطار رفض الرسالة المنسوبة إلى جيمس، وهي من الرسائل المعتمدة من الكنيسة الكاثوليكية، وذلك لأنها لا تتمشى مع مبدأ بولس الذي يقول بأنه بالإيمان وحده يكون الخلاص، وسمى هذه الرسالة رسالة الضلال.
ومما جاء في نقده للبايبل أن الأنبياء لم يكتبوا ما كانوا يبلغونه، وإنما نقل ذلك عنهم تلاميذهم عن طريق السماع ثم دونوه، وأن الأمثال المنسوبة إلى سليمان- عليه السلام- ليست من عمله.
وقد قال خصومه من الكاثوليك إن نقده يتصف بالتحامل والعشوائية، كما أنهم تنبؤوا بأن أسلوبه في النقد سوف يفتح الباب الآخرين لكي يرفضوا كتبًا أخرى من البايبل بناء على ذوقهم ووجهة نظرهم الخاصة، حتى لا يبقى من البايبل شيء يمكن أن يتعمد عليه، ولقد قال خصومه الكاثوليك في نقده: إن تحكمك الشخصي في نقد البايبل وتفسيره، بحجة التخلص من سلطة الكنيسة والبابا، قد قاد إلى أن يصبح كل فرد «بابا»، وأن يحاكم التعاليم الدينية إلى رأيه الخاص قبل أن يكون قد بلغ النضج الكافي الذي يؤهله لاستيعاب الأهداف الدينية التي تتعلق بالمجتمع والأخلاق، وأن يستوعب حاجة الناس إلى الإيمان الديني ذلك المجنون المدمر غير المحكوم بأية سلطة حاكمة قد ألقى باتباعك إلى نوع من الصراع السخيف والعنيف الذي جعل الناس قد بدؤوا يشكون في كل دين والذي سوف يؤدي إلى ضياع المسيحية نفسها، الأمر الذي سوف يترك أرواح الناس عارية في المواجهة الموت.
تبديل صورة إله المسيحيين:
والذي يعنينا من نقد الكاثوليك للوثر قولهم إن فتح الباب للتفسير الشخصي أو التأويل الحر كما يقول علماء الإسلام- قد جعل من كل- شخص «بابا» أي أنه بدلًا من أن يكون هناك شخص واحد متحكم في التفسير والتأويل هو البابا، فقد أصبح هناك بابوات بعدد المسيحيين البروتستانت، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه لنوع من الفوضى في التفسير والتأويل لم يعرفه تاريخ دين من الأديان.
ورغم رفضه للتفسير الفلسفي للبايبل والتزامه بالتفسير الحرفي وإنكاره لدور العقل فإنه قام- ويجهد عقلي كبير- بتحويل المسيحية التي عرفها المسيحيون من خلال الكنيسية الكاثوليكية إلى مسيحية أخرى تغير فيها تصور الإله نفسه.
وكما يقول وول ديورانت: إن تصور الإله عند لوثر كان تصورًا يهوديًّا، فهو يستطيع أن يتحدث في أسلوب بليغ عن الرحمة والنعمة، لكن الأمر الذي هو أكثر أصالة عنده هي الصورة القديمة له باعتباره الإله المنتقم، وبالتالي فالمسيح عنده لم يعد الإله المخلص- رغم إيمانه بأن الإيمان المسيح وحده طريق الخلاص- وإنما أصبح هو القاضي الذي له الحكم الأخير في مصير البشر، لوثر يعتقد بلا تردد أن الإله قد أغرق كل البشر تقريبًا بالطوفان، وأنه أحرق مدينة قوم لوط «سدوم» بالنار، وأنه قد دمر بلادًا وبشرًا وإمبراطوريات بنفخة من نفخات غضبه وبإشارة من يده، وقد قدر لوثر أنه في النهاية فإن قليلًا جدًّا من البشر هم الذين سوف ينجون، وأنه بالتأكيد فإن غالبية البشر سوف يهلكون، وقد تجاهل لوثر ما سماه ديورانت خرافة شفاعة مريم- عليها السلام- وأبقى على صورة حساب الآخرة بكل ما فيها من هول للواطيين في الوقت الذي أعد الإلهة الوحوش الكاسرة، والحشرات والطيور المؤذية والنساء الشريرات لمعاقبة الرجال المذنبين، وقد كان لوثر أحيانًا يذكر نفسه بأنا «لا نعلم شيئًا عن الإله سوى أنه عقل كوني موجود» وعندما سأله طالب لاهوت مشاغب أين كان الإله قبل خلق العالم؟ أجاب قائلًا: «إنه كان يبني جهنم من أجل الأرواح الشاكة العصابية، الفضولية من أمثالك.
الإله المنتقم هو إله الصهيونية المسيحية واليهودية المعاصرة:
وقد أصبح الإله المنتقم الذي يهلك ويدمر ولا يرحم هو إله الصهيونية المسيحية واليهودية المعاصرة بدلًا من الإله الرحيم الملخص الذي عرفته المسيحية قبل لوثر، وإن لم يمنعها ذلك من العدوان والبطش كما حدث في الحروب الصليبية في الأندلس، إلا أن شراسة الصهيونية المسيحية واليهودية أهدرت كل قيمة للوجود الإنساني، لقد كان أتباع الكنيسة الكاثوليكية يقتلون المخالفين والمسلمين، ويحرقونهم بزعم أنهم يريدون تطهيرهم، أما الصهيونية المسيحية واليهودية، فإنها تقتل وتحرق- خاصة المسلمين- وترتب لدمار العالم من أجل حفنة من البشر بدم بارد، لأن الآخرين ليس لهم اعتبار أصلًا، وهم يفعلون ذلك بحماس ديني وهوس جنسي باسم الإله الذي صنعوه بأهوائهم، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
تبديل اليهود للإله الحق وجهل المسيحيين به:
قام اليهود بتبديل صورة الإله الحق الذي عرفوه حق المعرفة، وأحلوا محلها صورة إله صنعته أهواؤهم، وهي الصورة التي أخذها لوثر ووضع في إطارها صورة المسيح الذي اتخذه المسيحيون إلهًا فزاد صورة المسيح قتامة، وعرف بعض الحق عن الإله الحق فأفسد هذا الحق، وأساء استخدامه، وتوسع من جاء بعده في إساءة هذا الاستخدام بصورة أحيت صور الوحشية الوثنية التي عرفها تاريخ روما وتاريخ التتار، حدث ذلك لأن الغرب لم يعرف منهج النبوات، ولم تصل إليه رسالات الأنبياء بصورة صحيحة قط، فقد وصلته رسالات أنبياء بني إسرائيل بعد تحريفها وتشويهها، وخلطها بوثنيات الأمم التي عاش بينها اليهود، ولم تصلهم رسالة المسيح-عليه السلام- إلا بعد أن بدل المسيح عليه السلام شيئًا آخر، وزيفت رسالته لتوافق واقع الوثنيات الرومانية، ووثنيات الشعوب التي تدور في فلكها.
ولا تناقض بين ما وصل إلى المسيحيين من صفات الإله الحق وهي البر والرحمة والحب والعفو والتسامح، وإن نسبوا هذه الصفات إلى المسيح بعد أن اتخذوه إلها، ولا ما أكد عليه بولس من صفات الله تعالى في العهد القديم وليست هي كل ما ورد وهي صفات الإله الذي يحاسب ويجزي على الخير والشر، ويحكم بين العباد، لكن وضع هذه الصفات التي تتعلق بالإله القوي القادر القاهر فوق عباده، قد عرضت بصورة تسيء إساءة بالغة إلى الحكم العدل سبحانه وتعالى، والذي لا يتعارض حكمه وقهره مع بره ورحمته وعدله، فليس إغراق الناس بالطوفان وإحراق مدينة «سدوم» وإهلاك أمم وإمبراطوريات هو عمل إله ظلوم منتقم بالمفهوم المظلم لليهود والتلموديين، وإنما هو عمل إله حكيم عادل بصير بالعباد، وقد يلتبس على البعض ورود اسم المنتقم ضمن أسماء الله الحسنى في الإسلام، وهو ليس بمعنى المنتقم الذي يتكلم عنه لوثر ومن يذهب مذهبه من اليهود وهو ذلك الجبار الذي يهلك عدوه بلا رحمة بل يتلذذ بعذاب من ينتقم منه، وإنما المنتقم في حق الله تعالى هو الذي يعاقب المسيء وقد يتجاوز عن السيئة، ولا يعاجل بالعقوبة، ويفرح بالتوبة ويبدل السيئات حسنات، وهو حين يعاقب على السيئة يجزي بمثلها، ولكنه حين يجزي عن الحسنة يجزي بعشر أمثالها، وبسبعمائة ضعف ومن ثم فإن اختزال أسماء الله وصفاته في بعض صفات الرحمة ثم إنزال هذه الصفات منزلة صفات المخلوقين أو في بعض صفات القوة وإنزال هذه الصفات منزلة صفات المخلوقين حرم اليهود والمسيحيين من المعرفة الصحيحة بالله كما عرف بنفسه على لسان أنبيائه ورسله وكما جاء هذا التعريف في رسالة الإسلام الخاتمة على أتمه وأوفاه.