العنوان جماعة البهرة.. وضريح السيدة زينب!
الكاتب محمد عبد الله السمان
تاريخ النشر الثلاثاء 07-فبراير-1978
مشاهدات 75
نشر في العدد 385
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 07-فبراير-1978
فوجئ المسلمون في الأيام الأخيرة بالضجة الإعلامية التي أثيرت حول المقصورة الذهبية التي أهدتها جماعة البهرة إلى جمهورية مصر العربية لتنصب فوق ضريح السيدة زينب، وقد بلغت تكاليف هذه المقصورة مليون جنيه، جعلت الرئيس السادات إلى تكليف نائب رئيس الجمهورية باستقبال المقصورة.
وقد تصدت «مجلة التوحيد» لهذا العمل المخالف لأصول العقيدة الإسلامية، ونشرت مقالين في العدد الأول والثاني من المجلد السادس، بينت فيهما أولًا مخالفة هذا العمل لأصول العقيدة الإسلامية، ثم أوضحت من هم جماعة البهرة الذي عملوا ويعملون على تشويه العقيدة الإسلامية وإدخال البدع والضلالات إليها.
ونحن بدورنا ننقل هذين المقالين بتصرف لنلقي ضوءًا على هذه الهدية الضالة المضلة وعلى هذه الجماعة المشبوهة التي تنشر مثل هذه الفتن والضلالات.
أليس فيهم رجل رشيد؟
منذ أسابيع -ذكرت الصحف المصرية، أن جماعة البهرة بالهند أرسلت للضريح المنسوب إلى السيدة زينب بنت علي رضي الله عنها بالقاهرة، مقصورة من الفضة الخالصة، ومحلاة بآية قرآنية موشاة بالذهب الخالص، وقد أعفيت المقصورة من أية رسوم جمركية أو غيرها. وصلت المقصورة إلى ميدان السيدة زينب بالقاهرة محمولة على ثلاث عربات، وقد أعلن أمام المسجد بيانًا بعد إقامة الصلاة يناشد فيه الشباب أن ينتظروا بعد الصلاة لأن المسجد في حاجة إلى سواعدهم، والمعروف أن جماعة البهرة هذه -على صلة وثيقة بالإسماعيلية الباطنية والبهائية-، ومنتشرون أيضًا في الهند وإيران وأواسط آسيا، وفي بعض بلاد أفريقيا، وعقيدة البهرة عقيدة يرفضها الإسلام.
ولكننا .. الحديث هنا على نقطتين مهمتين:
الأولى: أن القول بوجود قبر السيدة زينب بنت علي رضي الله عنهما في مصر محض وهم.
والأخرى: الإساءة إلى الإسلام باسم الإسلام.
ونبدأ بمسألة عبر السيدة زينب- رضي الله عنها:
إذا رجعنا إلى مصادر التاريخ الأولى كالطبري وابن الأثير وغيرهما، لا نجد ما يشير من قريب أو بعيد إلى قدوم السيدة زينب إلى مصر، حتى مؤرخو العصر الإسلامي الأوسط، مثل ابن حجر في -الإصابة- لم يذكر في ترجمته للسيدة زينب أنها رحلت إلى مصر، وبالرغم من أن التاريخ الثابت يؤكد -وهو مطمئن غاية الاطمئنان- بأن السيدة زينب رضي الله عنها، لم تطأ قدمها مصر، بل ماتت ودُفنت بالبقيع، إلا أن هذه الحقيقة المؤكدة ضائعة وسط غوغائية السذج والبسطاء، والعجيب أن لها قبرًا في القاهرة، ولها قبر أخر يزار في دمشق، ويُقام لها في كل عام في الميدان المعروف باسمها في القاهرة مولد يستمر أسبوعين على الأقل، تتجمع فيه مئات الألوف من الجهلة والدراويش والمجاذيب، والحواة وأرباب الدجل والشعوذة والميسر والانحلال الأخلاقي. ومما يثير الأسى أن الدولة تسهم في إحياء هذا المولد وغيره بشكل رسمي مثير للضحك، ولسنا ندري: كيف نطلق على الدولة «دولة العلم والإيمان» ثم نسمح لمثل هذا التهريج الذي يناقض العلم والإيمان؟
لنعد إلى موضوعنا، ولنر ما يقوله المحققون في مسألة قبر السيدة زينب رضي الله عنها:
يقول علي مبارك في الجزء الخامس من مؤلفه «الخطط التوفيقية»: «لم أر في كتب التاريخ أن السيدة زينب بنت علي رضي الله عنهما- جاءت إلى مصر في حياتها أو بعد مماتها».
وفي سلسلة أعلام العرب للأستاذ أنور الجندي، يوجد كتاب عن شيخ العروبة أحمد زكي باشا، المؤرخ والمحقق، وجاء فيه على لسانه: «الذي يشهد به العارفون بالحق الصريح، هو أن السيدة زينب بنت الإمام علي، وأخت الإمام الحسين، لم تشرف أرض مصر بوطء قدمها -المباركة- مطلقًا مطلقًا.
والحق ليس بعده إلا الضلال، أنها قضت بقية حياتها بالحجاز، إلى أن انتقلت إلى جوار ربها بالمدينة المنورة، فكأن دفنها بالبقيع، هذا هو الصواب، وما عداه فإفك وبهتان.
ثم يؤكد شيخ العروبة: أن هذا الضريح لم يكن له وجود، ولا ذكر في كل عصور التاريخ الإسلامي إلى ما قبل محمد علي بسنوات معدودة، حين وقد إلى القاهرة واحد من الأغوات يدعى -عثمان كتخدا- فاغتني بمصر وأحرز ثروة طائلة، وكان طيب السريرة، فوسوس له بعض الأشياخ بأن يبني جامعًا على ضريح في تلك البقعة، ولا أدري كيف وضعوه لامرأة تسمى زينب، ثم تسالت الأكاذيب فجعلوها زينب بنت علي من فاطمة البتول.
ويختم المؤرخ المحقق كلامه فيقول: «من أكذب الكذب، وفي منتهى الإفك والبهتان، أن يقول إنسان يحترم الحق ويحترم عقل نفسه، إن السيدة زينب بنت الإمام علي قد اختارت الإقامة بديار مصر، أو أن يزعم بأنها هي المدفونة بالقاهرة».
أما مسألة الإساءة إلى الإسلام باسم الإسلام:
فجماعة البهرة تدعي الإسلام، وقد أرسلت في العام الماضي مقصورة لقبر الحسين، كما أرسلت هذا العام مقصورة لقبر السيدة زينب، وهي بالطبع تدعي الإسلام، وتدعي أنها أيضًا تتقرب إلى الله بهذا العمل. ولكن الله سبحانه -كما جاء في الحديث- طيب لا يقبل إلا طيبًا.
وكما جاء في كتاب الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: 27). فالقبر المشرف -أي البارز على سطح الأرض- مخالف للسنة دون شك، كما أن وجود ضريح في قلب المسجد أو كملحق به مخالف مخالفة صريحة للسنة، وورد النهي الصريح عن اتخاذ القبور مساجد حتى لو كانت قبور الأنبياء والعلماء والأدعياء الذين يستدلون على جواز وجود القبر بالمسجد بوجود قبر الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- داخل مسجده إما أنهم جهلة ولهم عذرهم وإما أنهم متجاهلون وحسابهم على الله، فقبر الرسول لم يضم إلى المسجد إلا في عهد الوليد عبد الملك المتوفي سنه 96ه، أي أن القبر كان منفصلًا عن المسجد النبوي أكثر من ثمانيًا عامًا، وفي إعداد سابقة كتب فضيلة رئيس جماعة أنصار السنة في هذه المسألة ما لا يحتاج معه إلى بيان.
وإذا كان قيام الضريح داخل المسجد إثمًا مضاعفًا من ناحية وجوده كضريح، ومن ناحية قيامه بالمسجد ليكون مظهرًا من مظاهر الإشراك بالله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن: 18)، فإن ما هو أكبر من الإثم أن تُنفق الأموال الطائلة على أضرحة، والإسلام والمسلمون اليوم في أحوج ما يكونان إلى هذه الأموال. فمن المسلمين في العالم -والهند بوجه أخص- من يموتون جوعًا، وفي العالم الإسلامي مسلمون يتضورون جوعًا يعيشون والعدم سواء.
وبعد، فإن وزارة الأوقاف في مصر لم تزل تشرف على صناديق النذور في الأضرحة، وهي تدرك -وعلى رأسها عالم أزهري- أن النذر عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله وحده.
ووزارة الأوقاف -ليست مغلوبة على أمرها- إزاء فوضى الأضرحة، وهي تدرك أن إلحاق القبر بالمسجد منكر لا يرضاه الإسلام، بل يرفضه، لأن هذه الوزارة ينقصها عالم رجل يعتز بعلمه وبرجولته، ليمنع في المستقبل -على الأقل- تكرار المأساة. ولو وجد هذا العالم الرجل لرفض استقبال مقصورة من الذهب والفضة آتية إلينا من جماعة منحرفة، بل خارجة على الإسلام الصحيح الذي ارتضاه الله لعباده دينًا.
وقد قرأنا أن الشيخ عبد الجليل عيسى، عضو هيئة كبار العلماء وعضو مجمع البحوث الإسلامي، والعالم السلفي المناضل، قد تقدم إلى مجمع البحوث في دورته الأخيرة بمذكرة يقترح فيها إلغاء صناديق النذور، وبالطبع لن يكون لمذكرته أي صدى، لأنه سيكون وحده في انعقاد الجلسة.
ولا نملك إلا أن نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.
تعريف بجماعة البهرة
إن البهرة جماعة منبثقة عن الإسماعيلية الباطنية، وقد كان آغا خان زعيمًا للطائفة الإسماعيلية وسيرته معروفة، بينما كان طاهر سيف الدين زعيم البهرة، وقد ورث زعامتها ابنه الدكتور محمد برهان الدين، وهذه الطائفة منتشرة في بومباي وكراتشي واليمن وزنجبار، ولزعيمها كلمة نافذة لا تُناقش، لأنه على حد زعمهم هو الإمام المعصوم.
ويبلغ عدد البهرة وفق آخر تعداد للهند ٢١٢ ألف نسمة، عدا جاليات أخرى في أفريقيا الشرقية واليمن، ونحن هنا لا نؤرخ للإسماعيلية، بل حسبنا أن نعلم أن هذه الطائفة باطنية يعتمد مذهبها على تأويل القرآن والشريعة، القصد منه إثبات الأصل الإلهي للإمامة، واقتصار حق القيام بها على الفاطميين وحدهم، وتنفي الإسماعيلية الباطنية صفات الله نفيًا باتًا. وسُمِّيت الطائفة بالإسماعيلية، لأنها وقفت بسلسلة الأئمة عند إسماعيل الابن الأكبر لجعفر الصادق الإمام السادس، وكان جعفر هذا قد استخلف إسماعيل، ولكنه عاد فاستخلف ابنه الثاني موسى، بعد أن لقى إسماعيل ثملًا. إلا أن الإسماعيلية لم يُسلموا بنزع الإمامة من إسماعيل، لأنهم كانوا يرون أن الإمام معصوم، وأن شرب الخمر لا يفسد عصمته، وأنه لا يجوز لله أن يأمر بشيء ثم ينسخه على نقيض ما قرر جعفر.
وبالرغم من أن إسماعيل هذا قد مات قبل أبيه بخمس سنين، ودُفن في مقبرة بقيع الغرقد، وقد أكد أبوه موته بأقوال شهود عديدين، إلا أن أتباع إسماعيل لم يُسلموا بموته، وزعموا أنه كان حيًا بعد موت أبيه بخمسة أعوام، وقد رؤى في سوق البصرة حيث وضع يده على مقعد فأبرأه. وإزاء الاضطهادات التي حاقت بالعلويين، اختبأ أبناء إسماعيل وأخذوا من مخابئهم في بعث الدعاة إلى العالم الإسلامي، ليدعوا الناس إلى مذهب الباطنية، ويعتبر ميمون الملقب بالقداح من أشهر دعاتهم، وقد أصبح ابنه عبد الله فيما بعد رأس فرقة القرامطة، كذلك يعتبر البهرة من غلاة الباطنية، فهم يؤمنون بالحلول ويسقطون التكاليف، ولكنهم من باب التقية يسايرون المسلمين في أداء الشعائر. والعجيب أن بعض المستشرقين يدافع عن الإسماعيلية وسائر المذاهب الباطنية الهدامة، وهذا شيء طبيعي لأن هؤلاء المستشرقين يُثلج صدورهم وجود مذاهب خارجة على الإسلام، لتسبب قلقًا في الأمة الإسلامية، وتبعث على تفتيت وحدتهم. وإذا نحن التمسنا عذرًا للمستشرقين ولا سيما اليهود منهم والصليبيون الحاقدون، كيف تُلتمس عذرًا لشيخ من كبار علماء الأزهر يقول: مع اعترافنا بأن البهرة مذهب من غلاة الباطنية، يُضمرون إسقاط التكاليف ويظهرون غير ذلك، إلا أننا حكمنا بإسلامهم سياسة لا دينًا حفاظًا على وحدة المسلمين؟ ولا يملك الإنسان إلا أن يضرب كفًّا على كف أسفًا وأسى، ومتى كانت شريعة الله في أحكامها تعرف المجاملة السياسية على حساب الدين؟
وعودًا على بدء:
إن الذي قرأ مقال الفريق محمد حسن التهامي وهو يصف المقصورة التي جاءت إلى مصر أخيرًا لمقام السيدة زينب المزعوم، بل وهو يتحدث عن التكاليف الباهظة لغير هذه المقصورة سابقًا، لا بد أنه أُصيب بخيبة أمل مادام هذا القارئ مسلمًا صحيحًا إسلامه، خالصًا إيمانه. ونحن في حاجة إلى خبراء في أسعار الذهب والفضة والرخام الذي هو من أجود الأنواع، وفي حاجة أيضًا إلى عقول -إلكترونية- لنعرف كم من ملايين الجنيهات أنفقت على هذه المقاصير. ولنا أن نتساءل: بكم تبرع البهرة للأقليات المسلمة المضطهدة في الفلبين، وفي تايلاند، وفي كمبوديا، وفي إريتريا، وفي إثيوبيا، وفي بورما؟ وبكم تبرعوا للمجهود الحربي في مصر من أجل تحرير فلسطين وأراضي المسلمين المحتلة في مصر وسوريا؟
وما هو أدهى وأمر: أن هذه الشيعة الباطنية الخارجة على الإسلام تتسلل إلى ديارنا نحن المسلمين، وتضحك علينا بمقصورة من الذهب والفضة للسيدة زينب والحسين رضي الله عنهما، وهما من هذا الترف أو السفه بريئان؟ ماذا يفيد الإسلام والمسلمون من هذه المقصورات التي تُزف إلى مقامات موهومة، لا أساس لها في التاريخ، وحتى لو كان لها أساس في التاريخ، فالإسلام الذي رضيه الله لعباده دينًا، ينكر الأضرحة والمقامات والمشاهد، ولو كانت لآل البيت، فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب: 33). وذهاب الرجس عن آل البيت، وتطهيرهم، لا يكونان بالأضرحة والمقاصير والترف أو السفه..
أما موقف الأزهر، فلا تسل عنه، فقد زار شيخ الأزهر البهرة في الهند والباكستان، وعاد مجبور الخاطر!
وكفى..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل