; جنون البقر : الاختبار الأقصى لقدرة بريطانيا على التفاعل مع المجموعة الأوروبية | مجلة المجتمع

العنوان جنون البقر : الاختبار الأقصى لقدرة بريطانيا على التفاعل مع المجموعة الأوروبية

الكاتب هشام العوضي

تاريخ النشر الخميس 06-يونيو-1996

مشاهدات 53

نشر في العدد 1202

نشر في الصفحة 36

الخميس 06-يونيو-1996

الاختبار الأقصى لقدرة بريطانيا على التفاعل مع المجموعة الأوروبية

وصلت العلاقة المتأزمة بين بريطانيا وأوروبا مؤخرًا إلى طريق مسدود؛ بسب موقف الاتحاد الأوروبي الرافض لرفع الحظر عن لحوم البقر البريطانية المصابة بـ «BSE» أو ما يطلق عليه مرض جنون البقر، وتسببت كلمة رئيس الوزراء البريطاني جون ميجور إلى مجلس العموم البريطاني في ۲۱ مايو الماضي، والتي أعلن فيها الحرب على الاتحاد الأوروبي والتهديد بعدم التعاون مع الدول الأعضاء حتى يرفع الحظر- تسببت في توتر العلاقة بين الطرفين منذ انضمام بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي في عام ۱۹۷۳م، وليس من الواضح حتى الآن ما سوف تسفر عنه الحرب الباردة بين لندن والاتحاد بسبب الأبقار، غير أن مؤشرات عديدة تدل على أن الانفراج لن يكون في القريب العاجل.

ففي كلمته الشديدة اللهجة في البرلمان البريطاني الأسبوع قبل الماضي وجه جون ميجور انتقادًا لاذعًا إلى الاتحاد الأوروبي بسبب موقفه السلبي من السماح برفع الحظر الأوروبي على لحوم الأبقار البريطانية بعد غياب الأدلة العلمية والطبية على إصابتها بمرض جنون البقر، واعتبر ميجور أن تجاهل بعض الدول الأعضاء في إشارة إلى ألمانيا وإسبانيا وبلجيكا من الذين صوتوا ضد قرار رفع الحظر بأنه تجاهل متعمد لمصلحة بريطانيا، واشترط ميجور أنه «ما لم يقم الاتحاد الأوروبي برفع الحظر عن لحوم البقر فإننا سنحجم عن التعاون في أي من قضايا الاتحاد المقبلة» وأضاف بأنه «لا يتوقع أحد منا أن نتعاون مع أوروبا في الوقت الذي لا يعبأ فيه بعض الأعضاء بمصالحنا المحلية» وتعتبر ألمانيا على رأس الدول التي تعارض بشدة رفع الحظر عن اللحم البريطاني إلى حين تتخذ الحكومة البريطانية إجراءات واضحة لإنهاء مرض جنون البقر.

أما موقف إسبانيا المشابه للموقف الألماني فيبرر على أنه نكاية ببريطانيا التي ساندت في وقت سابق قرار فرض الحظر على لحوم الخنزير الإسبانية لإصابتها بمرض الحمى الوبائية، وتحتاج بريطانيا إلى أغلبية (٨) أصوات من مجموع (15) دولة حتى ترفع عنها الحظر، وتقف إلى صفها في الوقت الحالي (٧) دول أوروبية، من أهمها: فرنسا، وإيطاليا، والدنمارك، وإيرلندا.

 وقد نشبت الأزمة في بريطانيا في مارس الماضي عندما أعلنت لندن عن إصابة أكثر من (۱۱) مليون بقرة بمرض جنون البقر، ناجم عن تغذية الأبقار على لحوم الماعز المتحللة، وانتقال بعض الأمراض المعدية إلى المخ، وقد أدى إعلان الحكومة عن وفاة ست حالات في بريطانيا بسبب المرض، من بينها فتاة تركية مسلمة (١٧) سنة إلى ذعر الشعب البريطاني وإحجامه عن تناول أيًّا من منتجات لحوم الأبقار، وقد استمر هذا الذعر إلى أسابيع طويلة، حتى وعدت الحكومة بذبح جميع الأبقار المحتمل إصابتها بمرض «BSC» المعدي، مما يكلف الدولة ما يزيد على (5) بليون جنيه إسترليني تدفعها للمزارعين تعويضًا عن الخسائر، وبريطانيا من الدول القليلة التي تغذي أبقارها على اللحوم المتحللة بدلًا من الأعشاب لأسباب اقتصادية، وهي السياسة التي حدث ببعض النواب إلى تحميل بريطانيا مسؤولية نشوب الأزمة من بدايتها، وليست الدول الأوروبية.

وكانت المجتمع قد رجحت في وقت سابق وجود بعد سياسي للأزمة من شأنه توتير العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي المجتمع العدد (١١٩٤)، ونقلت المجتمع في حينه تصريحًا للدكتور كورو من الاتحاد الأوروبي ينتقد فيه الموقف البريطاني من عدم اطلاعه الاتحاد الأوروبي على أبعاد مشكلة اللحم البقري.

 وموضوع اللحم البقري من اختصاصات وزير الزراعة البريطاني دوجلاس هوغ الذي يتعرض حاليًا إلى موجة عنيفة من الانتقاد أدائه بسبب السيء في هذه الأزمة، وفشله الذريع في حل المشكلة من دون توتير العلاقة مع الدول الأوروبية والأعضاء، وكان الاتهام الأكبر الموجه إلى هوغ هو سلوكه المتعالي في اجتماع وزراء الزراعة لدول الاتحاد الأوروبي الذي أدى إلى المزيد من تعقيد الأزمة بدلًا من حلها، حيث كان من المفترض أن يقوم الوزير البريطاني بتقديم الضمانات إلى الدول الأعضاء بسلامة لحوم الأبقار البريطانية من رض الـ (BSE) وطرح برنامج الوزارة البريطانية تفصيلًا بشأن ذبح أعداد معينة من الأبقار المصاب بالمرض، غير أن شيئًا من هذا لم يحدث، بل على العكس عاد الوزير هوغ إلى بلده بخفي حنين دون أن يحصل على وعد أوروبي بتوقيت رفع الحظر عن اللحوم البقرية، أو تحديد المبلغ الذي سيدفعه الاتحاد إلى بريطانيا تعويضًا عن الخسائر التي لحقتها من جراء الحظر، وهو ما كانت بريطانيا تطمح إلى تحقيقه من الاجتماع.

ويُحمل الرأي العام البريطاني وزير الزراعة هوغ مسؤولية الأزمة، بسبب سياسة الحكومة العدائية غير السليمة نحو الأبقار، ولكن الأهم بسبب غياب جدية الوزارة في حل الأزمة محليًا والانشغال بدلًا من ذلك بالتعارك مع أوروبا، وشعر هوغ حاليًا بوطأة الضغط الشعبي عليه، واستياء الحكومة البريطانية من أدائه، وقد صرح مؤخرًا أنه على استعداد للاستقالة بكل رضى فيما لو رغب جون ميجور بسحب الوزارة من هوغ، واستخدامه كبشًا للغداء في محاولة لإعادة شعبية حزب المحافظين وتأمين فرص نجاح ميجور في الانتخابات القادمة.

وقد أبدت معظم الأوساط السياسية في بريطانيا استياءها من إعلان ميجور سياسة عدم التعاون مع أوروبا، معتبرة أن في ذلك قضاء على مستقبل بريطانيا الاقتصادي، وعودة من جديد إلى نغمة القومية التي انتهت منذ الحرب العالمية الثانية، فيما وصفت مصادر أخرى أن سياسة بريطانيا السلبية من الاتحاد تحاكي سياسة الرئيس الفرنسي السابق ديجول عندما قاطع أوروبا في الستينيات، فأضرت سياسته بمصالح فرنسا، وليس بمصالح أوروبا، وكان هذا برهانًا قويًّا أن أوروبا منذ الستينيات ومطلع السبعينيات وهي تتجه نحو الوحدة الاقتصادية، وأن السباحة ضد التيار لاسترجاع ذكريات إمبراطورية قديمة يضر الدولة المنفردة قبل دول المجموع.

«أزمة جنون البقر تكشف حقيقة وحجم الصراع السياسي بين بريطانيا ودول المجموعة الأوروبية»

وكان أعنف انتقاد وجهته الصحافة البريطانية إلى ميجور هو انتقاد مجلة الإيكونوميست، الأسبوعية الذي وصفت فيه رئيس وزرائها أنه فشل فشلًا ذريعًا في التعامل مع الأزمة، وأنه يقضي على مستقبل بريطانيا من خلال قضائه على العلاقة بين بلده وبين أوروبا، وكانت الإيكونوميست قد وضعت صورة رئيس الوزراء ميجور على صدر صفحتها، وأضافت له قرون البقر، وعلقت على الصورة بالقول «جون ميجور» وليس جنون البقر هو السيئ والخطر على بريطانيا، واتهمت المجلة ميجور أنه يحاول تدويل أزمة غير مركزية بالنسبة للسياسة البريطانية على حساب علاقته مع أوروبا من أجل زيادة شعبيته في الداخل لاقتراب موعد الانتخابات، وعلقت المجلة على كلمته الحماسية في البرلمان قائلة إنها مناسبة للصحف كي تزيد من مبيعاتها ولكنها ليست الطريقة المنطقية للتعامل مع الاتحاد الأوروبي.

 وتهدد بريطانيا أوروبا أنها ما لم تتخذ خطواتها الحازمة نحو إنهاء مشكلة اللحم البقري بحلول نهاية شهر يونيو المقبل، فإن بريطانيا ستعرقل كل القرارات الأوروبية التي تحتاج إلى إجماع أو إلى الدعم البريطاني، وليس من المؤكد أن هذه التهديدات تخيف أوروبا وترغمها على الإذعان لمطالب بريطانيا على حساب صحة الشعوب الأوروبية، غير أن هناك سببًا آخر لعدم خوف أوروبا من التهديد البريطاني وهو الاعتقاد السائد بأن أيام ميجور باتت معدودة، وأنها قد تتعامل قريبًا مع رئيس حزب العمال المعارض توني بلير الذي يلقى شعبية متزايدة في بريطانيا كرئيس جديد للوزراء، وبالتالي فإن مرور الوقت قبل الوصول إلى صيغة نهائية لحل الأزمة في صالح أوروبا، وليس في صالح ميجور.

  النقطة الثانية التي لا تقل أهمية عن الأولى هي أن معظم القرارات التي ستعمل بريطانيا على عرقلتها ستكون في صالح بريطانيا نفسها، وبالتالي ستكون بريطانيا هي الضحية الأولى لسياسة «عدم التعاون» وليست ألمانيا أو إسبانيا، وعلى المدى البعيد فإن أوروبا تمشي على خط ثابت وسياسة واضحة لن تقوى بريطانيا على التأثير عليها سوى أن تكون بريطانيا نفسها هي الخاسر الوحيد في هذه المراهنة.

 والمشكلة الحقيقية ليست لحم البقر، وإن كانت هي القشة التي قصمت ظهر البعير،  وإنما موقع بريطانيا في أوروبا مع دول كانت منافسة لها في الماضي مثل ألمانيا، فتصلب موقف بون من الأزمة يجرح كرامة لندن التي لا يزال الجناح الأيمن من حزب المحافظين يعتقد أن بريطانيا لا تزال الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، فيما يطالب الجناح المعتدل في الحزب بأهمية استيعاب الدور الألماني الجديد في المنطقة وتقدير المتغيرات الدولية التي طرأت على الساحة، ويشدد هذا الجناح على أهمية أن تنسى بريطانيا تاريخها العدائي مع ألمانيا، وأنها لم تعد الدولة النازية التي تريد التوسع على حساب الجميع، وسواء كان رأي هذا الجناح مصيبًا أم لا، فهو حريص بالدرجة الأولى على مصلحة بريطانيا الاقتصادية التي ستتضرر -من دون شك- فيما لو اختارت بريطانيا مناصبة أوروبا العداء، وسيكون ملف لحم البقر -وهي قضية رمزية بالنسبة للسياسة البريطانية أكثر منها مركزية- الاختبار القاسي لبريطانيا على قدرتها البقاء على قيد الحياة منعزلة عن بقية الدول في المنطقة في عصر لا يعرف سوى سياسة التكتلات.

الرابط المختصر :