العنوان جهاد الاستشهاديين الأطهار ومنزلته في الفقه والآثار «3»
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 20-أبريل-2002
مشاهدات 102
نشر في العدد 1497
نشر في الصفحة 66
السبت 20-أبريل-2002
نواصل استعراض الأدلة والآثار الواردة بشأن الهجوم على الكفار فقد قال الرافعي والنووي وغيرهما: التغرير بالنفس في الجهاد جائز «1» وقال ابن خويز منداد من المالكية فأما أن يحمل على مائة أو على جملة من العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أنه سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن وكذلك لو علم وغلب على ظنه أنه يقتل ولكن سينكي نكاية أو يؤثر أثرًا ينتفع به المسلمون فجائز أيضًا. «2» وقال محمد بن الحسن وهو من الأحناف: لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، فإن لم يكن كذلك، فهو مكروه لأنه عرض نفسه للتلف من غير منفعة للمسلمين، فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه لأن فيه نفعًا للمسلمين على بعض الوجوه، فإن كان قصده إرهاب العدو ليعلم العدو صلابة المسلمين في الدين فلا يبعد جوازه، وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت النفس لإعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم﴾. (التوبة: 111) إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه «3» وسئل الإمام أحمد - رحمه الله -: الأسير يجد السيف والسلاح فيحمل عليهم وهو يعلم أنه لا ينجو أعان الله نفسه قال: أما سمعت قول عمر حين سأله الرجل فقال: إن أبي أو خالي ألقى بيده إلى التهلكة؟ فقال عمر: ذاك اشترى الآخرة بالدنيا «4» وقال الإمام الشافعي - رحمه الله: لا أرى ضيقًا على الرجل أن يحمل على الجماعة حاسرًا أو يبادر الرجل وإن كان الأغلب أنه مقتول، لأنه قد بادر بين يدي رسول الله ﷺ وحمل رجل من الأنصار حاسرًا على جماعة من المشركين يوم بدر بعد إعلام النبي- صلى الله عليه وسلم- بما في ذلك من الخير فقتل «5» قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ قصة أصحاب الأخدود وفيها أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين، ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر. فإن كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد مع أن قتله نفسه أعظم من قتله غيره كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا، الذي لا يندفع إلا بذلك أولى «6» ونخلص من ذلك إلى أن العمليات الاستشهادية التي تجري في فلسطين من أعظم القربات وأحسن أنواع الجهاد، خاصة إذا اقترنت بها عدة أمور منها:
۱- إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين ومنفعة الإنكاء في العدو وإيذاؤه.
۲- تجرئة المسلمين على العدو.
۳- إرهاب العدو ليعلم صلابة المسلمين وإقدامهم على الموت.
٤- كسر قلوب الكفار لكسر شوكتهم.
وإذا نظرنا إلى أثر العمليات الاستشهادية في فلسطين، فإننا نجد أنها حققت كل الأهداف السابقة فقد آذت العدو إيذاء لم يؤذه إياه جيوش عربية مجتمعة منذ أن وجدوا في فلسطين، وجرأت الشباب المسلم على اليهود، بعد أن كانوا أسيرين لنظرية جيش العدو الذي لا يقهر وأرهبت العدو إرهابًا عظيمًا وكسرت قلوبهم حتى صاروا يغادرون مستوطناتهم خوفًا من أبطال المسلمين، وهذا ما كنا نحلم بأنه كائن يومًا ما، هذا إضافة إلى الأثر الاقتصادي العظيم على دولة العدو وازدياد عجزها. وهرب السياح وعشرات من الآثار السلبية، فهل بعد هذا كله يقال إن هذه العمليات حرام خاصة أننا لا نكاد نرى وسيلة أخرى لإيذاء العدو غير هذه الوسيلة، فالقول بتحريمها قد يفضي إلى إغلاق باب الجهاد وإفراح العدو.
وهناك شبهة يتعلق بها بعض الناس وهي استهداف هذه العمليات الطاهرة المدنيين وأنا أقول حرروا هذه اللفظة، فهل هناك مدنيون في فلسطين السليبة والرجال والنساء غير العسكريين هم جنود احتياط ومدربون على السلاح ومحرضون علينا، وقد قال الإمام النووي- رحمه الله تعالى- في شرح صحيح مسلم: "كل من لم يكن من أهل القتال لا يحل قتله إلا إذا قاتل حقيقة أو معنى بالرأي والطاعة والتحريض وأشباه ذلك". «7»
ففي الحقيقة لا يوجد من يستحق أن يوصف بأنه مدني في فلسطين من اليهود، ومن غصب أرضنا جاز لنا أن نخرجه منها بكل وسيلة. أما قضية مقتل الأطفال من اليهود وهم غير مكلفين، فالجواب عنها بما جاء في صحيحي البخاري ومسلم عن الصعب بن جثامة قال: سئل النبي عن المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال هم منهم، وقال ابن حجر في قوله هم منهم أي من الحكم في تلك الحالة، وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم، بل المراد إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلا بوطء الذرية فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم، وهذا واضح في قضية الجهاد في فلسطين اليوم، هذا على أن ما يصاب من أطفال العدو قلة قليلة جدًا.
وهناك نقطة مهمة وهي أن أفراد حماس وغيرهم من المجاهدين لم يقدموا على هذه العمليات إلا بفتوى علماء لا عن هوى ولا تشهي وعلماؤهم أعلم بواقع الحال ألم يقل سفيان بن عيينة- رحمه الله تعالى- إذا اختلفتم في مسألة فاسألوا أهل الثغور فإن الحق معهم مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. «العنكبوت: 69»
---------------------------------
الهوامش
(1) المصدر السابق 558/1
(2) المصدر السابق 559/1
(3) المصدر السابق 560/1
(4) (5) قاعدة في الانغماس هامش ص 25
(6) المصدر السابق هامش ص 24
(7) نقلًا عن الجهاد والقتال في السياسة الشرعية د. محمد خير هيكل 1364/2 - 1365
(8) المصدر السابق 1264/2
[1]- أستاذ متعاون بجامعة الملك عبد العزيز- جدة