; جهلاء السياسة وعميان الثقافة.. إلى أين؟! | مجلة المجتمع

العنوان جهلاء السياسة وعميان الثقافة.. إلى أين؟!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الجمعة 23-مارس-2012

مشاهدات 76

نشر في العدد 1994

نشر في الصفحة 37

الجمعة 23-مارس-2012

المعرفة هي مصابيح الهداية في هذا الزمان ومن هذا كان الرجال أمامها واحد من أربعة رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاسألوه ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك ناس فذكروه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك مسترشد فأرشدوه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك جاهل فارفضوه، وأنشد أبو القاسم الأمدي: 

إذا كنت لا تدري ولم تك بالذي      يسائل من يدري فكيف إذا تدري؟

جهلت ولم تعلم بأنك جاهل          فمن لي بأن تدري بأنك لا تدري؟

إذا جنن في كل الأمور بغمة             فكن هكذا أرضا يطأك الذي يدري

ومن أعجب الأشياء أنك لا تدري    وأنك لا تدري بأنك لا تدري 

ومستحيل أن يكون الجهل عذرًا لإنسان يدعي أنه مثقف أو مفكر، ولا يُعقل أن تنبثق عن الأمية العلمية أفكار ترود الأمم وتوجه الشعوب، اللهم إلا في أممنا المصونة، وديارنا المحروسة حيث يتوالد من الجهل والعامية الثقافية أعلام للفكر، وفحول في التوجيه ورواد في الثقافة، وعباقرة في التنظير، والحقيقة التي ينبغي أن يدركها الجميع:

أولًا، أنه لا حجر على رأي، ولكن يجب ألا يكون بديهي الخطأ، فمن يقول مثلا، إنه لا نهار والشمس ساطعة تحرق قفاه كيف يحترم سفهه هذا وهو فاقد للعقل والإحساس والواقع؟ وكيف لا يكون رده إلى الصواب واجبا عقليا وكونيا وبديهيا؟ هذه واحدة.

ثانيًا، يجب أن يعلم أن لغة الأطفال تخالف لغة الكبار في الضوابط العقلية والمنطلقات الفكرية والحجج المنطقية، فمثلا الأطفال دائمًا أبدا تخدعهم المظاهر عن الحقائق، والقشور عن اللباب فقد يفرح الطفل بالزجاج اللامع عن الماس بدون بريق، وبالنحاس الصقيل عن الذهب الأصيل، ويتطلعون تطلع الصغار إلى ما عند الناس من زجاج، ويصرخون في طلبه والاستحواذ عليه بسطحية مقززة وعبثية مضحكة متهمين تراثهم وأمتهم بالتخلف الثقافي والفكري، وكبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا. 

فالمجتمعات الفكرية الأوروبية التي يريدون تقليدها اليوم في كثير من المفاهيم، ومنها على سبيل المثال فكرة المجتمع المدني، التي تعرف بأنها نظام يقرر أن المجتمع شأنه في ذلك شأن نظام الدولة أمر بشري، لا علاقه له بمقدس، وإنما أساسه التعاقد والقول بسيادة الشعب من جانب والسبيل إلى بلورة الإرادة المجسدة لذلك التعاقد  هو الاختيار الحر، أو الانتخاب من جانب شان والضمان في هذه العملية كلها هو إمكان مراقبة السلطة ومحاسبتها محاسبة تبلغ درجة استبدالها بسلطة أخرى غيرها بالطرق والوسائل الشرعية.... وهذا هو المنطق الذي يقبله كل عاقل.

يقول أرسطو» عن أستاذه أفلاطون.. نحن تحب الحق ونحب أفلاطون. فإذا اختلفنا كان الحق أولى منه، قال تعالى: ﴿ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَق أحق أن يتبع أمن لا يهدِي إِلَّا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تحكمون (يونس). 

ولقد نشأت فكرة سلطة المجتمع بعد كفاح طويل ضد سلطة الكنيسة والفساد الديني الذي كان يسيطر على كل أنشطة الحياة، وقد زاد الطين بلة اتفاق دكتاتوريات الحكم مع الكنيسة على استعباد الشعوب وإذلالها، وهذا لا يوجد في الإسلام، ويحسن بنا أن ننقل شيئا من تلك السلطات الكنسية لأن سلطة الكنيسة قد بلغت الذروة في الجبروت حتى على الملوك، ولهذا جاء في دستورها المقدس في الفصل التاسع ما يلي بالحرف

الواحد:

1- إن البابا هو الإنسان الوحيد الذي يكون للأمراء تقبيل قدميه..

٢- ونقرأ في الفصل الثاني عشر، إن كلمة البابا لا يمكن أن يقومها إنسان آخر، في حين أن له أن يبدي النظر في الأحكام الصادرة عن البشر الآخرين ونقرأ كذلك في الفصل الثاني عشر: يسمح للبابا أن يطيح بالأباطرة من عروشهم..

3- ونقرأ كذلك في الفصل التاسع عشر: لا يمكن للبابا أن يكون موضع محاسبة من أي كان.. 

ولهذا طغت الكنيسة طغيانا كبيرا وكثر عدد الرهبان وعانت البلاد منهم كثيرا، ويصف ليكي في كتابه تاريخ أخلاق أوروبا.. زيادة عدد الرهبان وطغيانهم فيقول: زاد عدد الرهبان في أوروبا زيادة عظيمة، واستفحل أمرهم، واسترعوا الأنظار، وشغلوا الناس، وكان يجتمع في عيد الفصح فقط خمسون ألفًا من الرهبان وكان الراهب يشرف على خمسة آلاف من صغار الرهبان، وقد بلغ عددهم في نهاية القرن الرابع عدد أهل مصر، وكان طغيانهم قد عن جوانب المجتمع كله (علمي وعملي) حتى كان يروى عنهم القول إن علم الدنيا غباء ويرون قول بولس.. يوجد مكتوب أريد أن أهدم حكمة الحكماء، وأحطم عقل العقلاء، ثم يقول إن الغباء الموجود اختيار الله، وهذا يسيء إلى الحكماء.. ولقد أحرقت الكنيسة كثيرًا من العلماء الساحات العامة وهم أحياء. 

أما عن الملوك الذين كانوا تحت حكم الكنيسة ويأتمرون بأمرها، ويعملون بنظرية الحق الإلهي فقد كانوا لعنة على التاريخ، فضلا عن كوارثهم بالنسبة للبشرية، ولقد صاغ المؤرخ الفرنسي المعروف «بوسويه، نظرية الحق الإلهي، الذي كان يتمتع بها الملوك في أربعة أركان:

أولًا: أن هذه السلطة مقدسة، فالملوك هم خلفاء الله في الأرض، وعن طريقه يدبرون شؤون مملكتهم، ولهذا كان عرش الملوك هو عرش الإله ذاته، لأنهم يحكمون باسمه.

ثانيًا: السلطة الملكية سلطة أبوية، إذ الملوك يحلون محل الله الذي هو الأب الحقيقي للجنس البشري.

ثالثًا: الناتج الطبيعي والمنطقي عن الركنين السابقين هو أن السلطة الملكية سلطة مطلقة لا شيء يقيدها، فليس للملك أن يقدم تبريرًا لما يأمر به

رابعًا: لا تنبغي لسلطة الملك أن تكون موضع اعتراض عليها من الخاضعين لها ولا تذمر، ولو أدى ذلك إلى ما ينوء الناس منه، وإنما على الناس الدعاء الصالح لهم بالخير والبركة، مع تقديم الاحترام.

هذا هو ما جعل الأوروبيين يثورون على الدين، وعلى كبت العقل، وعلى امتهان الإنسانية في الإنسان، لكن هل ديننا الإسلامي فيه مثل هذا التسلط من رجال الدين؟ ورسوله يقول: من كنت جلدت له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالًا فهذا مالي فليأخذ منه.. ولا يخشى الشحناء فإنها ليست من طبعي.. وخليفة المسلمين يقول إن رأيتموني على حق فاعينوني، وإن رأيتموني على باطل فقوموني.. وأما عن الحرية فأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، وأما عن العلم فهو فريضة على كل مسلم ومسلمة. وأما عن اختيار الحاكم فهو حق الأمة تبايع من تشاء.. وأما عن الرحمة واحترام الإنسانية فحدث عنها ولا حرج حتى أنه حكي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لجاريته، روحيني حتى أنام فروحته فنام وغلبها النوم فنامت، فلما انتبه أخذ المروحة بروحها فلما انتبهت ورأته يروحها صاحت، فقال: أما أنت بشر مثلي أصابك من الحر

ما أصابني، فأحببت أن أروحك كما روحتيني.. 

أقول هل يستطيعون قراءة التاريخ ومعرفة الخير الذي لو عرفوه وأبلغوه إلى الدنيا لعاشوا به سادة وسادوا به قادة، خاصة وأنهم على عتبات دستور جديد، ولكن أنى لهم ذلك بغير علم ولا قلوب؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 34

101

الثلاثاء 03-نوفمبر-1970

لا... يا أمير المؤمنين

نشر في العدد 102

127

الثلاثاء 30-مايو-1972

بريد القراء (102)

نشر في العدد 79

85

الثلاثاء 28-سبتمبر-1971

أكثر من موضوع (العدد 79)