العنوان جواب على صديقين
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1987
مشاهدات 68
نشر في العدد 849
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 29-ديسمبر-1987
اتصل بي صديقان، أما أحدهما فقد قال إنه سمع في الأخبار أن شبابًا من العرب قتلوا
مع المجاهدين الأفغان، فلماذا يذهب هؤلاء الشباب لتحرير أفغانستان، ولا يذهبون لتحرير
القدس؟ أليست القدس أولى من أفغانستان؟
وأما الآخر فقد لفت نظري إلى مقال في إحدى الجرائد اليومية قائلًا إن هذا المقال
كتبه صاحبه للرد عليك، في موضوع كنت قد كتبت عنه سابقًا، وطلبت مني الرد عليه، فقرأت
المقال ولم أجد فيه ذكرًا لاسمي، لا تصريحًا ولا تلميحًا، وإنما يتضمن المقال موضوعًا
سبق وأن طرقته، ولعل الكاتب قد اطلع على مقالي ولم يشأ أن يتعرض لما كتبت، وقد لاحظت
في المقال حدة على مخالفيه في الرأي، ولعل عدم تمكنه من أساليب الكتابة وعدم إلمامه
بالناحية العلمية في الموضوع، جعله يسلك مسلك الهجوم على الآخرين من غير أدلة واضحة،
وحفل مقاله بالتناقض والاضطراب.
فأما الصديق الأول فأقول للإجابة عليه بأن الشباب الذين ذهبوا إلى أفغانستان
هم أكثر حماسًا لقضية القدس من قضية أفغانستان لمكانة القدس في العقيدة الإسلامية؛
لأنهم ينظرون بمنظار هذه العقيدة، وهي التي تدفع الشباب المسلم لخوض المعارك في أفغانستان،
ولا شك أنه إذا فتحت معركة القدس من قبل الزعماء، ونادى منادي الجهاد في المناطق المحيطة
ببيت القدس حي على الجهاد، سترون قوافل الشباب المسلم تتدفق من كل فج عميق، تتزاحم
على حمل السلاح من أجل الفوز بالنصر أو الشهادة، وإذا كنا قد رأينا دماء شباب الإسلام
العرب والمسلمين قد اختلطت وهم يقاتلون على ربى أفغانستان ووديانها وجبالها، شباب من
مصر واليمن وفلسطين والسعودية والخليج، ومن باكستان والهند وماليزيا والسودان وسوريا
والأردن والعراق، فهل يعقل أن يتأخر هؤلاء إذا دعا داعي الجهاد في القدس وقد خرجوا
لا يبتغون إلا وجه الله، والدار الآخرة ولا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا؟ بل
إن المجاهدين الأفغانيين أنفسهم تحتل القدس
في قلوبهم مكانة أعظم من مكانة أفغانستان، وهذا ما نلمسه من شعور المجاهدين، إنهم في
شوق إلى القتال في بيت المقدس بعد تحرير بلادهم، هذا ما تفعله العقيدة الإسلامية، ليس
للإنسان دخل فيه، لقد ثبت تلاحم قضية أفغانستان وقضية فلسطين والقدس بما كشفت عنه الأحداث
الأخيرة في الضفة الغربية وقطاع غزة، من أن بعض الشباب الذين خاضوا المعارك مع الإسرائيليين
قد تلقوا تدريباتهم في معسكرات المجاهدين الأفغان، ومنهم المهندس سليمان الزهيري الذي
ألقت سلطات «إسرائيل» القبض عليه أخيرًا في «إسرائيل»، مع المجاهدة الفلسطينية المسلمة عطاف
عليان، التي نشرت الصحف الإسرائيلية صورتها بالحجاب الإسلامي، وكانت تعد لنسف مجمع
رئاسة الوزراء الإسرائيلية، وكذلك الشباب الذين اصطدموا مع الجنود الإسرائيليين وقتلوا
ضابط المخابرات الإسرائيلي «فيكتور أرجون» وكل هؤلاء أعضاء في سرايا الجهاد الإسلامي.
وأقول للصديق، وإذا نظرت إلى واقعنا العربي ستجد أن كثيرًا ممن يرفعون شعار القومية
العربية من الثوريين يقفون في صف غير العرب ضد إخوانهم العرب الآخرين، الذين يرفعون
نفس الشعار، وهذا ما لم أجد له تفسيرًا من وجهة النظر القومية.
أما الصديق الآخر فأقول له: ليس من الضروري أن أرد على كل من يكتب رأيًّا مخالفًا
لرأيي، وليس كل مقال يستحق الرد.
لو كل كلب عوى ألقمته حجرًا
لأصبح الصخر مثقالًا بدينار
والرد يجب أن يكون على أولئك الذين في كلامهم مظاهر القوة والمنطق والحق، مما
تخشى منه التأثير على القراء، ويوقعهم في شرك الباطل والخطأ، لأنه يلبس عليهم الحق
بالباطل، فمثل هؤلاء ينبغي أن تجرد لهم أقلام الحق وسيوفه حتى يميز بين الحق والباطل
فيدمغ الباطل ويجهز عليه، ويزهق، أما الكلام الهزيل الساقط فيكفيه الهزال والسقوط في
نفسه، ليذهب هباء منثورًا، والحصيف يترفع عن مجادلة أمثال هؤلاء، فما يقولونه كاف لإسقاط
دعاويهم.
والصقر يجفو عن طِراد الدُّخَّل
وكثير ممن يدعون العلم يجمعون الكلام من هنا وهناك ليملأوا به الصفحات، ويظنون
أنهم قد أتوا بالحجج الناصعة على دعاويهم وأصابوا كبد الحقيقة بما لملموا من بطون الكتب
التي لا يفقهون ما فيها.
وذي خطل في الرأي يحسب أنه
مصيب فما يلْمِم به فهو قائله
والذي يريد أن يخوض غمار المناظرات والحوار يجب أن يكون صاحب قضية يدافع عنها،
أما الذي يكتب لمجرد الكتابة ليتعلم عليها فهذا يجب أن تترك له الفرصة ليتعلم ويتدرب،
فهو كالطفل تتركه يلهو ويلعب حتى لو أصابتك منه حجرة رماها عليك، أو شتمك فعليك أن
تتسامح معه، لأنه لا يقدر مسؤولية ما يقول ويفعل، ونسأله تعالى أن يهدينا جميعًا إلى
طريق الحق والصواب.