; جوارحك أيها الإنسان ... مالها ... وما عليها ... «3»- ترجمان الإنسان | مجلة المجتمع

العنوان جوارحك أيها الإنسان ... مالها ... وما عليها ... «3»- ترجمان الإنسان

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 30-سبتمبر-2006

مشاهدات 80

نشر في العدد 1721

نشر في الصفحة 60

السبت 30-سبتمبر-2006

رمضان

«من صام رمضان إيمانًا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»

إنه ذلك العضو الصغير الذي نستخدمه بأمر الله تعالى في التعبير عما نريد، وطلب ما نحب ونرغب، ونستعمله في إيصال رسائل الحب والمودة لأحبابنا، بل إنه يصل الأرض بالسماء من خلال الدعوات الطيبات التي تصعد إلى الله دونما استئذان من أحد من البشر، وبه يذكر المحبون ربهم وينعمون بالقرب والوصال، بتسبيح وتهليل وتكبيرات تشق عنان السماء وبترتيل لكلام الله بأصوات كدوي النحل من شدة الشوق للقاء به، ويلفظون الكلمة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، فيتحولون من الكفر إلى الإسلام، ويدخلون بها الجنة حين تمتزج مع صدق قلوبهم.

واللسان أداة خير وحب، وبناء وقرب وطاعة للرب ما سار على المنهج المحدد والطريق المرسوم، وإلا صار أداة سوء وهدم وإفساد وشر، لذا فهو - كما يقال - سلاح ذو حدين، إذ إن بإمكانك أيها الإنسان أن تتقرب به إلى الله وتتودد به إلى عباده من خلال الكلمات الطيبات ورسائل البر والوداد، وباستطاعتك كذلك أن تشعل به نار البغضاء وتغير به على النفوس الآمنة، فتنهش لحمها، بل تؤجج الحروب بينها، فتزرع به بذور الشقاق وتحدث به الدمار. ولهذا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبهنا لخطره فيقول: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم» «البخاري». ويفهم ذلك الصحابي الجليل أبو الدرداء فيقول: «ما في المؤمن بضعة أحب إلى الله عز وجل من لسانه، به يدخله الجنة، وما في الكافر بضعة أبغض إلى الله من لسانه، به يدخله النار». ومن هنا كانت الجوارح كلها تذكر اللسان كل صباح وتخشى بأسه وسطوته. ففي الحديث: «إن ابن آدم إذا أصبح فإن الأعضاء كلها تذكر اللسان فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا» «الترمذي». أرأيت معي خطورة هذا العضو الصغير وقوة بأسه وعظيم شأنه؟ كل ذلك يجعلنا ندرك السر في الاهتمام الزائد بهذا العضو الصغير والتنويه عليه.

القرآن الكريم وفي السنة المطهرة وفي حياة الصحابة والتابعين، بل في حياة الصالحين في كل زمان من بعدهم.. فها هو رسولنا يقرر هذا الخطر ويحذر منه فيقول: «أكثر خطايا ابن آدم من لسانه» «الطبراني». حتى إن الجسد كله يشكو حدته كما جاء في الحديث الشريف: «ليس شيء من الجسد إلا ويشكو ذَرَبَ اللسان» «أبو يعلى». أفلا يحتاج ذلك منا وقفة جادة للتعود على حفظ ألسنتنا؟ يقول عمرو بن العاص: «الصدور خزائن الأسرار والشفاه أقفالها، والألسنة مفاتيحها، فليحفظ كل امرئ مفتاح سره».

إصلاح اللسان

فكيف تصلح ألسنتنا؟ وكيف نتعلم حسن المنطق ونتعود على الكلمة الطيبة ونعتاد نطقها؟ إن الكثيرين منا يطلق للسانه العنان بتكلم بكل ما يشتهي دون أن يستشعر خطورة هذا الأمر، فحين تكلم رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم أكثر قال له: «كم دون لسانك من حاجز؟» قال: شفتاي وأسناني. قال: «أفما إن لك ما يرد كلامك؟» «أخرجه ابن أبي الدنيا». ونحن نقول لأنفسنا أيضاً: أفما كان لنا ما يرد كلامنا خاصة السيئ والقبيح، ولا سيما في هذه الأيام، حيث طلع علينا بعض الناس بعبارات عامية في حياتنا العادية لا تليق، يحفظونها دون النظر في معناها ومدلولها، قد تسمعها ولا تعرف لها معنى! فلماذا لا نقي من الكلام أحسنه! وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم ينتقون أطايب الكلام ليكون لهم رصيد عند الله تعالى، حيث إن الكلمة الطيبة صدقة «مسلم»، كما أخبرنا الله، وكما قال عمر: «البر شيء بين وجه طليق وكلام لين». ولماذا لا ندرب لساننا على الكلمات الراقية التي هي من صميم إسلامنا الراقي حتى لا تصيب ألسنتنا الآفات الضارة والأمراض المستعصية التي يصعب علاجها؟! وحتى تعرف ذلك، لا بد من معرفة بعض هذه الآفات لتجنبها والوقاية منها، وهي كثيرة وقد حذرنا منها رسول الله وصنف العلماء فيها كتباً ومصنفات. سنقتصر على بعضها:

آفات اللسان وأمراضه

- الكلام فيما لا يعني: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» «الترمذي». وقال: «كلام ابن آدم عليه لا له إلا الأمر المعروف والنهي عن المنكر، وذكر الله عز وجل» «ابن ماجه».

- الخوض في الباطل: وقد أمر الله عباده المؤمنين أن يجتنبوا الباطل وأهله، وقال عن أهل النار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ (المدثر 42-45) وكره لك، ولو كان مجاملة لبعض الناس، أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كره لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال» «متفق عليه».

- الكذب: وهو خلق يدعو إلى النار. ففي الحديث: «وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار» «متفق عليه». كما أنه من علامات النفاق، والمؤمن الصادق لا يكون كذاباً.

- الغيبة: وقد عرفها الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته حين سألهم: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره». قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» «مسلم». وهي حرام بنص القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهٍ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۗ إِنَّ اللَّهَ تَوَابٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحجرات: ١٢). وفي الحديث: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله» «مسلم».

- النميمة: وهي نقل الكلام بين الناس بغرض الإفساد والفتنة وبذر الخلاف والكراهية بينهم. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ (القلم 10-11) وقال: «لا يدخل الجنة نمام» «متفق عليه».

- الفحش والتفحش: قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ «البقرة: ٨٣». وقال: «إن الله يبغض الفاحش البذيء» «الترمذي».

- السباب واللعن: قال: «ملعون من سب والديه» «أحمد». وقال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» «متفق عليه». بل إن النهي عن السباب يتخطى عالم الإنسان فينهانا الرسول صلى الله عليه وسلم عن سب الدهر والحمى والريح والديك والأموات. كما ينهانا عن اللعن في قوله: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء» «الترمذي».

- الشماتة والتعيير بالذنب: فمن رأى أخاه مبتلى بذنب، فليساعده على الخلاص من ذنبه ويسأل الله العافية، ففي الحديث: «لا تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك» «الترمذي».

- الحلف بغير الله: إلا من كان حالفاً، فلا يحلف إلا بالله «البخاري».

- دعاء الإنسان على نفسه أو على غيره: ولا يدع أحدكم بالموت لضر نزل به، ولكن ليقل: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيراً لي» «أبو داود».

- فضول الكلام: قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (النساء: ١١٤). وقال: «طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه وأنفق الفضل من ماله» «البيهقي».

- المن بالعطية: قال تعالى: « ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ (البقرة: ٢٦٣).

- تناجي اثنين دون الثالث: وهو أدب إسلامي رفيع من آداب التحدث في حضرة الآخرين، يعلمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: «إذا كنتم ثلاثة فلا يناجي اثنان دون صاحبهما، فإن ذلك يحزنه» «متفق عليه».

- السخرية والاستهزاء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ (الحجرات: ١١).

ومن آفات اللسان أيضاً المراء والجدال والخصومة وكثرة المزاح والنياحة على الميت والافتخار والبغي والتقعر في الكلام، وإفشاء السر والوعد الكاذب، وشهادة الزور، وقذف المحصنات، ومدح النفس وتزكيتها، والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف.

هذا هو اللسان وهذه بعض أمراضه، وبإمكانك أيها المسلم أن ترتقي بلسانك وتحافظ عليه كما تهتم بصحة بدنك، وعليك الدعاء واللجوء إلى الله تعالى أن يرزقك لساناً صادقاً تسلك به سبيل المتقين وتكون بصلاحه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

دورة تربوية ومحطة إصلاحية

إنها في شهر رمضان.. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أصبح أحدكم يوماً صائماً فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم» «البخاري». فهو فرصة يجب أن تغتنم للرقي بتلك الألسنة التي تحتاج إلى كثير من العناية، وتحتاج أيضاً أن تتروض على الخير لتصح، بأن تصوم هي الأخرى وتتعرض لنفحات هذا الشهر المبارك، حيث تتأدب بأدبه، وترعى حرمته، امتثالاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والجهل والعمل به، فلا حاجة لله في أن يدع طعامه وشرابه» «ابن ماجه». فتصوم عن أكل لحوم البشر والغيبة والنميمة، وكل ما ذكرنا من آفات، وتصقل بالذكر وبتلاوة القرآن، وتتحرك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترتدي لباس الكلمة الطيبة وتتزين بها، واضعاً نصب عينيه قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18). فمن فعل ذلك فقد صام لسانه وصلح حاله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2173

112

الثلاثاء 01-نوفمبر-2022

نظرات اقتصادية في سورة البقرة (6)

نشر في العدد 2114

110

الجمعة 01-ديسمبر-2017

أنت وسيلتك لتحقيق النجاح

نشر في العدد 20

139

الثلاثاء 28-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 20