العنوان جوبا.. من دولة نفطية لبؤرة صراع دموي
الكاتب السماني عوض الله
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أبريل-2014
مشاهدات 58
نشر في العدد 2070
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 01-أبريل-2014
لا أحد يتوقع حجم المعاناة التي أفرزتها الحرب الأهلية التي تدور الآن بدولة جنوب السودان الوليدة، عشرات الآلاف من المواطنين الأبرياء فروا شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً بحثا عن منطقة آمنة تنجيهم من وابل الرصاص الذي ينطلق من كافة المناطق نحو المدن والقرى. نتيجة الصراع الدائر حاليا بين القوات الحكومية والقوات المناوzة لها.
·
3620 لاجئاً
جنوبياً على الحدود في منطقة «جودة» حسب إحصائية مفوضية اللاجئين السودانية
· الأمم المتحدة من
خلال بعثتها في جوبا اتهمت طرفي الصراع في جنوب السودان بارتكاب أعمال وحشية بحق
المدنيين
عند معبر «جودة» في الحدود السودانية - الجنوبية، وفي مساحة تقدر بحوالي ١٠٦ كيلومترات من مدينة «ربك» بولاية النيل الأبيض، يتواجد أكثر من ثلاثة آلاف من مواطني دولة جنوب السودان، دفعت بهم الأقدار في رحلة الحنين إلى السودان بعد انفصالهم في العام ۲۰۱۱م جراء الأحداث في دولتهم التي تدور رحاها بين رفقاء النضال في السابق، وأعداء بعد استلام دولتهم.
معاناة وقصور
في معبر جودة الفخار قصص وحكايات مؤلمة حملتها
أقدام هؤلاء الفارين من جحيم الحرب، أطفال يتدثرون بقطع من الملايات البالية
والرثة، لا يجدون ما يسدون به رمقهم غير الإعانات التي يقدمها لهم بعض الأهالي بعد
أن قام الطرفان المتحاربان بنهب المواد الإغاثية المقدمة من بعض المنظمات
الإنسانية حيث اتهمت الأمم المتحدة الطرفين بنهب المواد الإغاثية.
إحدى النساء تحكي مأساتها عند عبور الخط الصفري
نحو منطقة جودة وتقول: إن زوجها تم ذبحه أمام عينيها عندما حاول العبور شمالاً،
وأخرى تبكي وتقول: إنني أحمل طفلاً عمره شهران وهو يصرخ طيلة اليوم ولا أستطيع
إسكاته من البكاء، لأني لم أكل شيئا منذ فترة غير قصب السكر، ورضيعي مريض وفي حاجة
إلى رعاية طبية ومكان أسكن فيه حيث إنني أفترش الأرض والتحف السماء وزوجي قد تم
ذبحه قبل أن يرى ابنه.
ورغم توجيهات الرئيس السوداني «عمر البشير»
خلال زيارته الأخيرة إلى مدينة جوبا بجنوب السودان عقب تفجر الأوضاع هناك وجه
بالإسراع في فتح الحدود الدخول مواطني دولة جنوب السودان، إلا أن السلطات المحلية
في ولاية النيل الأبيض الحدودية لم تنفذ التوجيهات حيث يوجد ٣٦٢٠ لاجئاً جنوبياً
على الحدود في منطقة جودة حسب إحصائية مفوضية اللاجئين السودانية، وتعلل السلطات
عدم تنفيذ تلك التوجيهات بأنها لم توجه توجيها مباشرا بذلك، إلا أنها سمحت بدخول
العديد منهم للحالات الخاصة والاستثنائية والذين يحملون ما يسمح لهم بالدخول، ولكن
تظل المعاناة وانعدام المعينات الإنسانية هي الهاجس الذي يؤرق أولئك الذين فروا
شمالاً بحثا عن الأمان والمأوى والمأكل وأن وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير
الحكومية لم تسارع في استقبال هؤلاء.
صراع قبائل
ولم تقتصر المعاناة على هؤلاء الفارين حيث
تحدثوا عن مجازر بشعة ارتكبت في ملكال وبانتيو وبور، وقد تحول الصراع من سياسي إلى
قبلي بين الدينكا من جهة والنوير والشلك والمورلي من الجهة الأخرى، فقد حكى
الفارون من لهيب الحرب عن تلك المجازر، وقد شاهدوا بأعينهم ما يحدث في مدن الجنوب.
وإن الأمم المتحدة من خلال بعثتها في جوبا اتهمت
طرفا الصراع في جنوب السودان بارتكاب أعمال وحشية بحق المدنيين، وقالت: إن موظفيها
شاهدوا جثثا لمدنيين أوثقت أيديهم قبل قتلهم، كما أنها أعلنت عن إجراء تحقيق عبر ۹۲ محققاً للجرائم المرتكبة بحق المدنيين سينتشرون
على الأرض ويقدمون تقريرهم الأولي خلال الأيام المقبلة.
ووصف أحد موظفي البعثة الدولية في جنوب السودان
مدينة بانتيو بأنها أصبحت مدينة أشباح، حيث يقوم أي من الأطراف عند دخول المدينة
بممارسة أعمال قتل وحشية في حق المدنيين ونهب ممتلكاتهم وحرق منازلهم حتى أصبحت
المدينة خالية من السكان، بينما تنتشر الجثث المتعفنة في الطرقات وداخل المنازل
التي تم حرقها .
الصراع الجنوبي - الجنوبي
وفقاً للمعلومات التي تم الحصول عليها من مصادر
عسكرية جنوبية، فإن الصراع الذي يدور بدولة جنوب السودان يرجع مرده إلى عدم
المؤسسية لبناء دولة الجنوب، خاصة فيما يتعلق بالمعاملات المالية والجهة التي
تتولى التصديق والإشراف والمراجعة.
والأجندة التي قدمت لمجلس التحرير عن الأسباب
التي أدت إلى عزل نائب رئيس دولة جنوب السودان «رياك مشار»، والأمين العام للحركة الشعبية
«باقان أموم»، ووزير الخارجية «دينق
ألور»، وبقية المجموعات الأخرى المتهمة بتدبير الانقلاب العسكري على حكومة «سلفاكير»،
بأن نائب الرئيس المعزول تصرف في مبالغ خرافية منحت لدولة جنوب السودان وهي عبارة
عن قروض منها ٣٥ مليون دولار منحة أمريكية، و ٨ ملايين دولار مساعدات مالية من
الصين، و ١٠ ملايين دولار مساعدات مالية من دولة النرويج، إضافة إلى ٤٠ مليون
دولار عبارة عن أموال البترول، حيث استولى «مشار» منها على ۱۲۰ مليون دولار و «باقان أموم» على ٣٥ مليون دولار، و«دينق» ألور على ۱۰ ملايين دولار، وتم صرف المتبقي منها على
الآخرين الذين دبروا المحاولة الانقلابية.
ورغم أن الصراع منشأه سياسي، لكنه تحول إلى صراع
قبلي، ففي عام ١٩٩١م حدث صراع كبير بين «الدينكا» و«النوير» حيث تم إحراق العديد
من المواطنين في مدينة بور بولاية جونقلي، وقد تجدد مرة أخرى عام ١٩٩٤م، حيث جرى
الحديث عن وثائق الحركة الشعبية وهيكلها العام مما دفع «رياك مشار» للتوقيع على اتفاقية الخرطوم للسلام
مع الحكومة السودانية.
كما حدثت خلافات حادة بين الراحل جون قرنق
والرئيس الحالي «سلفاكير» قبل توقيع اتفاق السلام مع السودان، ولكن عند انعقاد
المؤتمر العام لـ «الحركة الشعبية»
في عام ٢٠٠٤م بعد الاتفاقية تجدد ذلك الخلاف، وسعى الراحل «قرنق» لتسوية مع «سلفاكير».
وعند عشية الانفصال من السودان في عام ۲۰۱۱م نشب الصراع مجدداً حول صلاحيات الرئيس
الدستورية، حيث رأى «مشار» ومجموعته أن
الدستور أعطى الرئيس صلاحيات واسعة، إلا أنهم استطاعوا تسوية الأمر وإجازة
الدستور، وبدأت الدولة الوليدة التي واجهت في بداياتها إعادة تنظيم الحياة
السياسية وإعادة بناء « الحركة
الشعبية » ، ومع عقد اجتماع
مجلس التحرير في عام ٢٠١٢م وصلت الصراعات إلى القمة؛ حيث تم تعطيل إجازة وثائق « الحركة الشعبية » ، ولجنة مراجعة الدستور، والإحصاء السكاني مما
أثر ذلك على العمل في الجهاز التنفيذي للدولة، فاتخذ «سلفاكير» قرارات بإعفاء نائبه « مشار» وتقليص صلاحيات «باقان أموم» واتهامه بعدم الانضباط السياسي والفساد وإحالته
للتحقيق، وإقالة وزير المالية «كوستا
مانيبي » ووزير الخارجية « دينق الور».
جراء كل ذلك، أصبحت الأوضاع متأزمة وفي ١٥ ديسمبر
الماضي تفجرت الأوضاع بجوبا؛ حيث جرى إطلاق للنار داخل الحامية القديمة ومن داخل
القصر الجمهوري، وشهدت المدينة أعمال عنف دامية امتدت لثلاثة أيام، وتم تصفية
أعداد كبيرة من قبيلة «النوير» التي ينتمي إليها «رياك مشار» من الموجودين داخل
جوبا .
لكن «رياك مشار» وفي ذات الليلة قد انسحب من جوبا،
وعبر بحر الجبل متوجهاً إلى جونقلي، حيث التقى فيها بالقائد «بيتر قديت»، وبدأ الهجوم على مدينة بور، وحدث
تخريب كامل لجونقلي، وامتد الصراع إلى بانتيو بالوحدة وملكال بأعالي النيل.
تصاعد هذه الأحداث أدى إلى فرار المدنيين إلى
السودان وأوغندا وكينيا، والآخرون ظلوا يتخذون من الأشجار داخل الجنوب مأوى لهم،
حيث تنعدم الخدمات، ولم تتوافر لهم المعونات الغذائية والإيوائية، وأصبحت حياتهم
في خطر شديد، حيث نشب الصراع بين «الدينكا» و«النوير»، وأصبحت كافة المدن الجنوبية
في حالة من التوتر والرعب والخوف ..
زاد الأمر تعقيداً عندما شرع الرئيس « سلفاكير » في خطوات الحسم السياسي، وهيأ الساحة بالحديث عن
الفساد وإرسال خطابات للبنوك الإقليمية لإعانته في حسم الفساد المالي داخل الكيان،
واتهم ٥٧ من القيادات داخل « الحركة
الشعبية» بالفساد وقام
بتشكيل لجان والتي شرعت في ذلك، كما أجرى تعديلا في أجهزة الجيش الشعبي قلص به
نفوذ أبناء بور وأبيي، كما أحال نحو 100 ضابط من أبناء النوير للتقاعد، وقام
بتكوين مليشيا أخذت طابعا رسميا جند لها 5 آلاف عسكري ليصبحوا حرساً خاصاً داخل
جوبا تحت مسمى «الحرس الجمهوري»، ويتلقى التعليمات من القصر الرئاسي مباشرة وغير
خاضع لسلطة الجيش الشعبي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل