; جولة الشيخ أحمد ياسين.. الإنجازات والأبعاد السياسية | مجلة المجتمع

العنوان جولة الشيخ أحمد ياسين.. الإنجازات والأبعاد السياسية

الكاتب عبد الرحمن فرحانة

تاريخ النشر الثلاثاء 26-مايو-1998

مشاهدات 71

نشر في العدد 1301

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 26-مايو-1998

على أثر إطلاق الصهاينة للشيخ المجاهد أحمد ياسين من سجنه ونقلة للأردن بدأت المخاوف لدى عرفات، واشتدت وتيرتها في ظل اهتمام والحفاوة اللذين لقيهما الشيخ على الصعيدين: الرسمي والشعبي، وفي هذه المرحلة كانت مخاوف عرفات على محورين: الأول: خشيته من أن يكون إطلاق الشيخ عملية مدمجة في حزمة اتفاقات من مضامنيها أن تشكل حماس بديلًا عن السلطة.

وعلى محور آخر: هاجس الزعامة الذي يتملك عرفات دومًا وخوفه من المكانة التي يتمتع بها الشيخ ياسين بشخصيته «الكارزمية» بالرغم من شلله ومرضه وباعتباره رمزًا للنضال الفلسطيني الذي كان يجسده عرفات، وخفت بريقه حاليًّا بل تحطمت صورته مع إخفاقات أوسلو المتتالية، أضف إلى ذلك تصاعد الزخم الجماهيري لحركة حماس انعكاسات لعملياتها الجهادية التي يقوم بها مقاتلوها الاستشهاديون ببطارياتهم المشحونة جيدًا حسب تعبير شفيق الحوت ممثل منظمة التحرير في بيروت سابقًا.

والصهاينة يدركون وعرفات كذلك يدرك أن الشيخ بإمكاناته القيادية يشكل خطرًا على مكانة عرفات، وفي هذا الإطار خضه الشيخ قبيل خروجه من السجن بأشهر لجولات مكثفة من المقابلات اتخذت في ظاهرها شكل المقابلات الصحفية إلا أنها كانت في الحقيقة محاولات اختبار لقدراته وإمكاناته، وقد دلت نتائجها على ازدياد قدرات الشيخ القيادية ولم يؤثر علية السجن بشيء، وهنا تمكن مخاوف عرفات.

إلا أن الشيخ عمد إلى طمأنة السلطة ورئيسها بحزمة من التصريحات التي توحي بنهجه الحواري، وفي هذا المسار يمكن رصد حشد من التصريحات إذ قال ردًّا على سؤال لمندوب مجلة الوسط في أكتوبر 1997م حول الخلاف الداخلي المتوقع بين الفلسطينيين: «أولًا بالنسة إلينا لن نسمح بأن يكون هناك خلاف ولن نسمح بأن تكون هناك خلافات، وكل هذه الظنون التي يلقيها العدو الصهيوني والمتربصون بشعبنا تهدف إلى تفتيت صفوفنا ووحدتنا، وهذا لن يتحقق بعون الله، بل سنتغلب على كل مشاكلنا بالحوار والتفاهم».

والتقط عرفات الإشارة وبدأ مسارات متعددة لاحتواء الشيخ ومن ضمنها عرضه لمنح الشيخ سيارة فاخرة من طراز B.M.W تخصص لتنقلاته، إلا أن الشيخ اعتذر بلباقة عن تقبلها لكنه لم يقطع حبل الود اللازم لاستمرار الحوار، ومن استقراء الوضع في الفترة التي تلت خروج الشيخ من سجنه يلمح المراقب نجاح الشيخ في تحرير هدنة غير مكتوبة مع السلطة لعدة أشهر تحقق من خلالها تعزيز الوجود التنظيمي والشعبي لحركته ومع ما يعنيه ذلك من سيادة لروح الوحدة الوطنية وتفويت الفرصة على الصهاينة للاصطياد في الماء العكر.

ولكن هذه الهدنة الضمنية التي وطدها الشيخ مع السلطة بحنكته السياسية اهتزت أركانها بسبب رحلته الحالية وإنجازاتها السياسة، وتمثلت الشرارة بمقتل المجاهد الشهيد محيي الدين الشريف، ويبدو أن عرفات بسبب توقف عملية التسوية وجد نفسه في حالة فراغ سياسي ضمن ضغط ثلاثي الأبعاد، ضغط يمثله نتنياهو برفضه للاستجابة لمتطلبات التسوية وتنعته في هذا المجال، وموازاة لذلك طلباته المتكررة لضرب الانتشار، وضغط آخر مساند من الإدارة الأمريكية لتحقيق اشتراطات نتنياهو والتنازل له، وضغط ثالث نحوره رحلة الشيخ الحالية وامتداداتها السياسية.

الحلقه الأضعف 

حيال هذه الضغوط الثلاثة إتجه عرفات فيما يبدو نحو الحلقة الأضعف فاختار التصعيد مع حماس والاستجابة لمطالب نتنياهو لعله يلين موقفه تجاه عملية التسوية، وربما كانت تصفية الشريف ثمنًا لهذا الهدف المنشود، وفي هذا السياق تأتي تصريحات كلينتوا معززة لهذا التفسير حيث قال تعقيبًا على مقتل الشريف: «كانت لعرفات أخطاء في الماضي، إلا أنه عاد وأصلحها مما أعاد الثقة به إلى حد ما».. واصفًا عرفات باستجابته بأنه «يخاطر وهو يعمل من أجل تقدم المسيرة السليمة».. وتوغلًا في مسارب هذا الخيار رفض عرفات عرضًا للوساطة مع حماس لتخفيف الآثار التي لحقت بالعلاقة على أثر استشهاد الشريف، متعللًا بأن المسألة بيد القضاء ولا يسطتيع التدخل بها، لكنه في حقيقة الأمر خضع لتهديدات نتنياهو الذي توعده وحذره من زيارة الشيخ أحمد ياسين أثناء وجوده بجدة.

ومما يزيد من مخاوف عرفات والسلطة النجاح المتوالي الذي تلاقيه زيارات الشيخ الراهنة للعواصم العربية، حيث أبدى في إطارها قدرات فائقة على حشد الشارع العربي لمشروع حركته الجهادي، إذ ركز في خطابه السياسي على تمسك حماس بخيارها الجهادي كرأس حربة ضد المشروع الصهيوني وحاجتها للدعم العربي والإسلامي لتعزيز مسيرتها، وعمق في جولته استراتيجية حماس السياسية ومفهومها الخاص في التعامل مع الأنظمة العربية من خلال شعاره المتكرر «من ساعدنا شكرناه ومن امتنع عذرناه» وهو شعار يتوافق مع الواقع السياسي العربي الراهن ويعبر عن قراءة فاهمة للظروف السائدة على المستويين الإقليمي والدولي.

وفي اتجاه آخر تمكن الشيخ من صياغة لهجة مناسبة لمخاطبة الشارع الفلسطيني في الشتات في إطار خطاب مرن بعيد عن التحزب الفئوي لكي تصل كلماته لأوسع قاعدة ممكنة، وعلى هذا الصعيد ركز على الوحدة الوطنية وضرورة تجنب الاقتتال لتفويت الفرصة على الكيان الصهيوني المتربص بالجميع دون استثناء.

ورغم أن الشيخ حرص في جولته على عدم إطلاق أي تصريحات قد يفهم منها تحدي السطلة أو مزاحمتها مقتصرًا في خطابة السياسي العام على شرح مشروع حركته الجهادي وبيان الإمكانات الكامنة والمتوفرة لنجاحه بغرض تسويقه على الجماهير العربية في ظل حالة الإحباط التي تخيم على الشارع العربي، إلا أن عرفات بقى في دائرة مخاوفه وعبر زيارة الشيخ لجنوب أفريقيا حيث اتصل بصديقه القديم تاكو أمبيكي- نائب رئيس الجمهوري أفريقيا، والزعيم الحالي لحزب المؤتمر الأفريقي- وحثه على الامتناع عن منح الشيخ ياسين والوفد المرافق له تأشيرات دخول لبروتوريا.

وفي هذا الإطار ستكون الجولة الصعبة المحتمله بعد عودة الشيخ إلى غزة، ولكن الآمال تنعقد على حنكة الشيخ وسعة أفقه لتحييد عرفات وتجنيب الحركة مخاطر تصرفات السلطة. 

الرابط المختصر :