; أمهاتنا (10)- جويرية بنت الحارث الخزاعية (رضي الله عنها) اختارت الله ورسوله | مجلة المجتمع

العنوان أمهاتنا (10)- جويرية بنت الحارث الخزاعية (رضي الله عنها) اختارت الله ورسوله

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 01-أكتوبر-2011

مشاهدات 88

نشر في العدد 1971

نشر في الصفحة 56

السبت 01-أكتوبر-2011

  • لدت قبل الهجرة بـ ١٥ عاما وتزوجت من ابن عمها مسافع بن صفوان الذي قتل يوم « المريسيع » عام ٦ هـ
  • كان اسمها برة فسماها الرسول ﷺ جويرية وقد أسلمت وحسن إسلامها وحجت واعتمرت معه
  • اختارت الله ورسوله بعد انتصار المسلمين على قومها بني المصطلق فأصبحت أمًا للمؤمنين وروت سبعة أحاديث
  • توفيت عام ٥٦ هـ وكان عمرها ٦٥ عامًا وصلى عليها مروان بن الحكم ودفنت بالبقيع

إذا ذكرت في قومها فثم البركة تذكر، فقد كانت سببًا في عتق أكثر من مائة أهل بيت منهم. إنها سيدة قومها وابنة سيدهم، فأبوها الحارث بن أبي ضرار سيد قومه من بني المصطلق. ولدت قبل الهجرة بخمسة عشر عامًا، وتزوجت من ابن عمها مسافع بن صفوان، الذي قتل يوم «المريسيع» عام ٦ هـ.

كان اسمها برة فسماها رسول الله ﷺ جويرية، وقد أسلمت وحسن إسلامها وحجت واعتمرت مع رسول الله ﷺ ، كما أنها روت عنه سبعة أحاديث في كتب السنة وروى عنها عبدالله بن عباس وابن عمر وغيرهما .

مع سبايا بني المصطلق...

بلغ النبي ﷺ أن بني المصطلق - وهم من حي خزاعة - يجمعون الجموع لقتاله بقيادة زعيمهم الحارث بن أبي ضرار بن حبيب المصطلق الخزاعي، فخرج إليهم ﷺ ومعه من نسائه عائشة بنت أبي بكر، حتى لقيهم على ماء لهم يقال له المريسيع.. فكان قتال انتهى بهزيمة بني المصطلق، وسيقت نساؤهم سبايا، وفيهن برة بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب سيد القوم وقائدهم، أو جويرية كما سماها رسول الله ﷺ . وهكذا وقعت جويرية بنت سيد بني المصطلق في محنة الرق، وقيد السبي ويا لها من محنة.

اخترت الله ورسوله...

 جاءت قلقة مهمومة، وخرجت الكلمات من بين شفتيها، والأمل يراودها في أن تجد المشكلتها حلا، ووقفت بباب النبي ﷺ تبله شكواها وحيرتها، وهي السيدة في بنات قومها، قالت في ضراعة: أنا بنت الحارث ابن ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم الثابت بن قيس، فكاتبته على نفسي، فجئتك استعينك على أمري.

فقال : «أو خير من ذلك؟».

قالت: وما هو؟ قال: «أؤدي عنك وأتزوجك». قالت: نعم، فتزوجها، وكانت بنت عشرين عامًا .

وفي رواية : .... فجاءه أبوها، فقال: يا محمد، أصبتم ابنتي وهذا فداؤها ، فإن ابنتي لا يُسبى مثلها، فخل سبيلها . قال النبي ﷺ : أرأيت إن خيرتها، أليس قد أحسنت؟ قال: بلى، فأتاها أبوها، فذكر لها ذلك. فقالت: اخترت الله ورسوله.

ويروى أيضًا: أن أباها جاء إلى النبي ﷺ ومعه فداء ابنته، وكان هذا الفداء خمسين جملا، فأعجبه جملان منها فغيبهما في شعب من الشعاب، فلما رآه النبي ﷺ ، ونظر إلى الإبل، قال: «أين البعيران اللذان غيبتهما في شعب كذا وكذا ؟»، فوقع الإيمان في قلب الرجل، فشهد لله بالوحدانية، وشهد لمحمد  بالرسالة.

وتم الفداء ودفعت إليه ابنته جويرية فأسلمت، فخطبها رسول الله ﷺ فزوجه إياها، وأصدقها أربعمائة درهم. 

محنة من ورائها منحة...

من ينظر لتلك الواقعة، فإنه يمتلئ قلبه رضًا واطمئنانًا لما يحصل له من أقدار الله تعالى، فالإيمان واليقين ينطقان بذلك، وإن أقدار الله تعالى كلها لنا خير، وإن بدا للإنسان بقصر نظره ونقص علمه أنها شر، وإن ظن أنها ابتلاء فهذا مما يدعوه للصبر، وإن أيقن أنها محنة من ورائها جائزة ومنحة في الدنيا والآخرة، فإن ذلك يجعله راضيا بالقدر خيره وشره حلوه ومره، فالإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان لا يستقيم إيمان العبد بدونه ولا تهدأ له حياة إن فقده لقد علمتني قصة أمنا جويرية أن المحن تفرز المنح، وأن الصبر مع دفع الشر عن أنفسنا بأسباب الدفع يورث الرضا ويثمر الحب.

لقد كان قدر الله تعالى بالنسبة لجويرية خيرًا عظيمًا، فكانت محنة السبي، ومصيبة الهزيمة سببًا في أن تؤمن بالله ورسوله، ثم التحول من السبي إلى مقام عال رفيع حيث تنضم إلى أمهات المؤمنين، ثم تتويج إسلامها وزواجها بالصحبة الدائمة في الدنيا والآخرة زوجة لنبي الله .

كما كان من المنح أيضًا ما نال قومها من خير عظيم فقد أسلم أبوها وأسلم كثيرون من قومه، وكانت منحة زواجها بالنبي ﷺ سببا الحرية السبايا من بني المصطلق أصهار النبي ﷺ ، حيث لم يتحمل الصحابة على نبيهم أن يكون أصهاره في الرق، وهم الذين لا يحبون أن تصيبه شوكة وهو جالس في بيته وسط أهله، فقد أعتق يومئذ أكثر من مائة أهل بيت من بني المصطلق، وكان ذلك بمثابة هدية الصحابة للنبي ﷺ وزوجه جويرية عند الزواج، فكانت المحنة من ورائها أكثر من منحة لذا قالت السيدة عائشة رضي الله عنها : ما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها.

فلنتعلم من أمنا جويرية.. حينما خیرت رضي الله عنها اختارت الله ورسوله فليس هناك وجه للمقارنة بين أي عرض في هذه الدنيا وبين الله ورسوله، أي فتاة تلك وقد كان عمرها آنذاك عشرين عامًا، لكنها سبقت كثيرًا منا في هذه الأيام من ذوي الأعمار والسنين الطوال، إنها تقرر وتتخذ قرار نفسها بنفسها، فلا مكان للتردد وقد خيرها رسول الله ﷺ ، وحينما يسألها أبوها تثبت على اختيارها، فيا لها من فتاة.

إنها دعوة لكل الفتيات ولكل المسلمين والمسلمات أن نتخذ من أمنا جويرية مثلا وقدوة .. أن نتخذ من قولها اخترت الله ورسوله شعارًا لنا في حياتنا أن نرتب أولوياتنا ونختار الاختيار الصحيح، فما أجمل الحياة حينما يكون الله ورسوله أحب إلينا من أنفسنا وأهلينا والناس أجمعين، وما أهنأها حين يكون رصيدنا فيها هو أن نختار الله ورسوله إذا تعارضت الغايات وكثرت الحاجات وتزينت الدنيا وتزخرفت وظن أهلها أنهم قادرون عليها، وعندها سيكون لإيماننا طعم آخر نشعره ونتذوقه، ألم يقل النبي ﷺ : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (رواه البخاري)؟

ألا فلينظر كل منا مكانه مما اختاره الله لنا من الهدى والشرع والدين، ولينظر كل منا إلى حاله من أوامر الله ورسوله، ولينظر كل منا موقفه من محارم الله، وليقل بصدق مخلصًا من قلبه مؤكدًا بعمله: «اخترت الله ورسوله».

هذه هي أمنا جويرية رضي الله عنها .. أم المؤمنين، وزوجة نبينا في الجنة، كانت صوامة قوامة، وكانت تحب الخلوة في مسجدها ولا سيما بعد صلاة الصبح.

خرج النبي ﷺ من عندها بكرة حين صلى الصبح، وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: «ما زلت على الحال التي فارقتك عليها ؟ قالت : نعم. فقال النبي ﷺ : «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته» (رواه مسلم).

وقد روت لنا جويرية هذا الحديث عن النبي ﷺ بلاغًا وأداء الأمانة التبليغ حتى ينفعنا الله به كما نفعها.

توفيت أمنا جويرية رضي الله عنها عام ٥٦ هـ، وكان عمرها خمسة وستين عامًا وصلى عليها مروان بن الحكم، ودفنت بالبقيع مع أمهات المؤمنين رضي الله عنهن...

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

977

الثلاثاء 17-مارس-1970

دروس من الهجــرة وما سبقها

نشر في العدد 2100

118

السبت 01-أكتوبر-2016

دروس للمهاجرين المعاصرين