العنوان جيش الإنقاذ همّش القيادة السياسية للجبهة
الكاتب محمد مصدق يوسفي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-2000
مشاهدات 82
نشر في العدد 1386
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 01-فبراير-2000
القيادي البارز في الجبهة الإسلامية للإنقاذ عبد القادر بوخمخم في حوار مع المجتمع:
إطلاق مدني وبلحاج يسهم في وقف ما تبقى من عمليات إجرامية وينزع الغطاء عن ممارسي العنف
قيادة الإنقاذ علمت باتفاق الهدنة مع الجيش من الصحف..
نعم هناك خلافات داخل القيادة ولكن في «وجهات النظر»
الطريقة التي قُدِّم بها المتهم بقتل حشاني على شاشة التلفاز أوقعت الشك لدى كل المواطنين حتى العجائز!
مبدؤنا جميعًا إعطاء الأولوية لوقف نزيف الدماء وعودة السلم وتحقيق الوئام لأننا المتضرر الوحيد من الأزمة
عبد القادر بوخمخم أحد أعضاء القيادة التاريخية للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، الذي أطلق سراحهم من سجن البليدة العسكري عام ١٩٩٤م خلال الاتصالات بين السلطات وقيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي أشرف عليها الأمين زروال الرئيس الجزائري السابق منذ كان وزيرًا للدفاع ثم رئيسًا.
المجتمع التقت الشيخ بوخمخم وحاورته حول: الجيش الإسلامي للإنقاذ واتفاق الهدنة.. رسالة عباسي مدني.. اغتيال عبد القادر حشاني... مرحلة ما بعد الوئام المدني، وقضايا أخرى تطالعونها في ما يلي:
ما تقويمكم للوضع العام في الجزائر بعد ثمانية أشهر الأولى لوصول الرئيس بوتفليقة إلى السلطة؟
أعتقد أن الوضع العام الذي تعيشه البلاد متأزم ومتدهور في جميع المجالات؛ فهناك ركود اقتصادي كامل وتدهور على الجبهة الاجتماعية بصورة لم يعرفها المجتمع الجزائري منذ الاستقلال في عام ١٩٦٢م؛ إذ إن القدرة الشرائية للمواطن متعبة وانخفاض الأجور التي لا تتماشى مع أسعار المواد أو ما يسمونه باقتصاد السوق، زيادة عن ذلك فإن هناك جيشًا كاملًا من العاطلين الذين سرحوا أو طردوا من المؤسسات العمومية تحت ما يسمى خوصصة وبيع المؤسسات، أما من الناحية الأمنية فهناك نوع من التحسن بالمقارنة مع السنوات الماضية... سنوات الموت والدمار، رغم بعض المجازر التي تحدث من حين لآخر هنا وهناك في بعض المناطق، ولكنها في نظري معزولة لا يمكن أن تُطال، هذا من جانب، أما من الجانب السياسي، فيسوده الغموض إلى حد كبير، ولا أحد يمكنه أن يعطي تصورًا دقيقًا لما يجري وراء الكواليس، ولعل تشكيل الحكومة بهذه الطريقة يعطي نظرة واقعية عن تفاقم الأوضاع السياسية في البلاد؛ فالوضع السياسي بقي كما هو.. لقد تغيرت الوجوه، أما السياسة والنظام فهي كما هي.
ما مدى صحة الحديث عن استسلام الجيش الإسلامي للإنقاذ، وتسليم قيادته نفسها إلى السلطات ضمن آخر دفعة تغادر الجبال؟
كل ما يُقال حول هذا الموضوع لا يمكن أن ينطلي على المتابعين لما يجري في الجزائر، وكل ما في الأمر أن هناك اتفاقًا بين المؤسسة العسكرية والجيش الإسلامي للإنقاذ، ونزول هؤلاء الذين اضطرتهم الظروف إلى حمل السلاح، كان ضمن الاتفاق المبرم وبداية تنفيذ للمرحلة الأولى من الدعوة التي وجهها رئيس الجمهورية ضمن مسعى الوئام والمصالحة، وفي اعتقادي أن هؤلاء الذين يهولون هذه القضية هم أصحاب المصالح، الذين جعلوا من الوضع المتأزم سجلًا تجاريًّا رابحًا للحفاظ على مصالحهم، فإذا ما تمت تسوية هذا الموضوع، طبعًا يكونون هم الخاسرين، فما يجري ما هو إلا ضمن الاتفاق المبرم ولا حاجة للقلق والانزعاج.
لكن هناك مصادر مقربة من جيش الإنقاذ تتحدث عن إخلال السلطة باتفاق الهدنة والتنصل من تطبيق بنوده، ومنها معاملة عناصر جيش الإنقاذ الذين نزلوا من الجبال مؤخرًا مثل بقية المسلحين الآخرين بإجبارهم على المرور عبر لجان الإرجاء، رغم وجود المادة ٤١ من قانون الوئام التي تنص على أن هذا القانون لا ينطبق عليهم ولا على الجماعات الملتزمة بالهدنة قبل صدوره في الرابع عشر من شهر يوليو الماضي؟
كما قلت من قبل، هذا يعود إلى طبيعة المفاوضات التي تمت بين الطرفين وكما تعلمون فالمفاوضات جرت مع المؤسسة العسكرية دون مشاركة الجناح السياسي، ودائمًا في مثل هذه القضايا في مختلف دول العالم تتخلل الاتفاقات فيها بعض العقبات من حين لآخر، ويتم تيسيرها بين الطرفين المعنيين بها، وإبعادها عن أعين المعارضين السياسيين من الطرفين؛ لأن القضية عندما ترجع إلى السياسيين ربما تأخذ شكلًا آخر، فحاول الطرفان إبعاد هذا الموضوع حتى يضمنا نجاح الهدنة ودفعها إلى حيز الواقع، وها هي الآن دخلت إلى التطبيق الفعلي، وفي نظري لا يهم أن يعرض هؤلاء الذين وضعوا السلاح على لجان الإرجاء أم لا، المهم أن تحفظ أرواحهم ودماؤهم وكرامتهم وحقوقهم السياسية والمدنية ويعودوا إلى ذويهم معززين مكرمين لا يمسهم سوء وهذا الذي نراه.
باعتبارك من القيادة السياسية لجبهة الإنقاذ هل نفهم من كلامك أنك تعترف بأن الجناح المسلح همّش القيادة السياسية؟
هذا شيء مؤكد، وقد صرحنا بأننا لم نسمع بما جرى بين الطرفين إلا من خلال الصحف أو من خلال ما يُقال هنا وهناك؛ فالجناح السياسي لم يشارك في هذه المفاوضات لا من قريب ولا من بعيد.
رغم أنكم لم تكونوا طرفًا في الاتفاق الذي جرى بين الجيش الجزائري وجيش الإنقاذ ما رأيكم كقيادة سياسية فيه؟
أعتقد جازمًا بأنه لو استغل هذا الاتفاق دون تردد ودون ملابسات لكان خيرًا للبلاد والعباد، ويكفي أن نقول: إننا بعد هذا الاتفاق اليوم -بفضل الله- ننعم بنوع من الأمن والاستقرار إلى حد ما، في مناطق كثيرة من البلاد، وهذا في حد ذاته مكسب؛ فالهدنة التي أعلنها الجيش الإسلامي للإنقاذ كشفت وعرّت مصالح الأطراف من الاستئصاليين واللائكيين والشيوعيين الذين لا يروقهم إلا أن تبقى البلاد تعيش حالة اللاأمن واللااستقرار، لأن مشاريعهم الخبيثة لا يمكنها أن تمر أو تنتعش إلا في ظل هذا الوضع المتأزم.
قانون الوئام
هذا يجرنا للحديث عن قانون الوئام المدني، هل تعتقدون أن هذا القانون الذي انتهت مدة سريانه قبل أيام قلائل يشكل حلًا للأزمة ويحقق المصالحة الوطنية في الجزائر؟
قانون الوئام المدني جاء لمعالجة وضعية غير طبيعية تعيشها البلاد منذ إلغاء المسار الانتخابي والزج بقيادة الجبهة ومناضليها ومنتخبيها في المعتقلات والسجون، ومن ثم لا يمكن أن نتصور أن هذا القانون يشكل حلًا شاملًا للأزمة المتعددة الجوانب، وإنما جاء لمعالجة جانب مهم منها، وهو الجانب الأمني ونرجو أن تكون هناك إجراءات وقرارات سياسية شجاعة تتجاوز العقبات التي تعترضه من حين لآخر لتحقيق المصالحة الوطنية. وهذا يتوقف طبعًا على التزام رئيس الجمهورية بما وعد به قبل توليه الرئاسة.
اتفاق الهدنة
هل اطلعتم فيما بعد على مضمون وبنود اتفاق الهدنة بين جيش الإنقاذ والجيش الجزائري؟
يتوزع اتفاق الهدنة على محورين أساسيين وهما المحور السياسي، ويتضمن البنود التالية:
أولًا: إطلاق سراح المساجين، وعلى رأسهم الشيخان عباسي مدني وعلي بلحاج.
ثانيًا: معالجة ملف المفقودين.
ثالثًا: تعويض ضحايا المأساة الوطنية من دون تمييز أو تفريق.
رابعًا: عودة المطرودين من عملهم إلى مناصبهم.
خامسًا: عودة المهجرين في ديار الغربة إلى وطنهم وإرجاعهم إلى مناصب عملهم.
سادسًا: السماح بعودة الجبهة الإسلامية للإنقاذ بشكل أو بآخر ضمن دستور عام ١٩٩٦م وقوانين البلاد، ويجري عليها ما يجري على غيرها من التشكيلات السياسية، هذا فيما يتعلق بالمحور السياسي.
أما المحور الثاني: فهو المحور العسكري، وهذا كذلك حسب ما أعرفه يتم على مراحل منها: تسريح العجزة كبار السن من المسلحين وعودتهم إلى ذويهم وأهليهم في المرحلة الأولى، والباقي يتم وضعهم تحت المؤسسة العسكرية ويجري عليهم ما يجري على باقي أفراد الجيش الوطني الشعبي.
يتحدث بعض الأوساط عن وجود خلافات كبيرة داخل قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ.. وبين الجناح السياسي المسلح للإنقاذ حول مسعى الوئام المدني واتفاق الهدنة.. فما حقيقة ذلك؟
في اعتقادي أن الخلافات شيء طبيعي ما دمنا بشرًا، وما دامت القضايا المطروحة قضايا اجتهادية، ومن صنع البشر، كذلك فمن الطبيعي أن يكون حولها خلاف، كما أن هذه القيادات ليست معصومة حتى لا تقع في تباين وجهات النظر خاصة إذا علمنا أن ظروف هذه القيادات لا تسمح لها بالالتقاء مع بعضها البعض ومع باقي القيادات هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، كما هو معلوم لدى الرأي العام أنه لما فشلت الاتصالات أو ما يسمونه جولات الحوار بين قيادة الجبهة والسلطة تحول هذا الملف إلى قيادة الأركان للمؤسسة العسكرية، وهنا بدأت الاتصالات مع الجيش الإسلامي للإنقاذ بجبال تكسانة بولاية جيجل، التي أسفرت فيما بعد عن إعلان الهدنة من طرف واحد في بداية شهر أكتوبر عام ۱۹۹۷م، هذه الإشكالية أحدثت لا نقول شرخًا في داخل قيادة الجبهة، أو بين الجناح السياسي والجيش الإسلامي للإنقاذ، وإنما وقعت اختلافات في وجهات النظر، وإذا سمحت الظروف وعاد السلم والأمن وسمح القيادة الجبهة بالالتقاء مع بعضها البعض فستزول إن شاء الله.
تتضارب المعلومات حول موقف الشيخ علي بلحاج المعتقل بسجن البليدة العسكري من التطورات، وتحديدًا من مسعى الوئام فهل يمكن التوضيح؟ وما مدى صحة الرسائل التي يتردد أن بلحاج قد وجهها إلى بوتفليقة ولم يكشف النقاب عنها حتى الآن؟
الشيخ علي بلحاج لم يختلف مع قيادة الجبهة لا من قريب ولا من بعيد، وشارك في كل جولات الحوارات التي جرت من قبل، فمبدؤنا جميعًا الأولوية لوقف النزيف الدموي وعودة السلم وتحقيق المصالحة الوطنية هذا ما يهم القيادة، لأنه -كما تعلم - نحن المتضررون من هذه الأزمة، وليس الاستئصاليون، ولا الفرانكوشيوميون ولا الديمقراطيون ولا غيرهم. أما ما يقال فهو مجرد کلام استهلاكي، فنحن سائرون بحول الله نحو الانفراج رغم ما يحاك ضدنا من الكيد والمكر.
أما الشطر الثاني من السؤال، فحسب علمي حول مغزى هذه الرسائل التي نشرت في بعض الصحف وهي ثلاث رسائل، فالرسالة الأولى تتعلق بالأسباب التي أدت بالبلاد إلى هذا الوضع، بمعنى أنه حدد الأسباب التي يراها دفعت بالبلاد إلى هذا الوضع، وفي الرسالة نفسها قدّم للرئيس ما يراه مناسبًا للخروج من الأزمة، أما الرسالتان الثانية والثالثة فهما تذكران بما جاء في الرسالة الأولى، وطلب كذلك السماح له بلقاء الشيخ عباسي مدني والخروج بموقف موحد تجاه ما يجري، إلا أن هذه الرسائل قوبلت بالصمت والتعتيم إلى حد الآن، ولم يطلع عليها الرأي العام إلى اليوم.
رسالة عباسي مدني
ما رأيكم في الرسالة الأخيرة لزعيم الجبهة عباسي مدني التي وجهها إلى أمير الرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد علي بن حجر ومن خلاله إلى مدني مزراق وأحمد بن عايشة واتهم فيها السلطة بالتنكر لوعودها بتحقيق المصالحة، ودعا فيها مناضلي الإنقاذ إلى التوبة من مسعى الوئام المدني واتفاق الهدنة؟
هذه الرسالة ليست مؤكدة، وبها نوع من الغموض وتبقى محل شك إلى حين التأكد منها، وحتى إذا افترضنا أن هذه الرسالة صحيحة، فهي في الحقيقة لم تكن للنشر؛ فما الغرض من نشرها وما الفائدة من إثارة هذه الزوبعة الإعلامية حولها.
لكننا حصلنا على نسخة من الرسالة بخط الشيخ عباسي وتحمل توقيعه؟
هذا ليس دليلًا قطعيًّا على صحتها ما لم يؤكد الشيخ نفسه صحتها أو عدم صحتها! وحتى في هذه الرسالة لم يغلق الباب وما زال متشبثًا بالحل السلمي للأزمة، لكنها قُرئت قراءة مغرضة ولم تقرأ قراءة سياسية في اتجاه الدفع نحو المصالحة والحل السياسي؛ فالشيخ كما تعلم بعث برسالة في شهر أبريل الماضي إلى بوتفليقة، فلا يمكن أن يحدث من رجل مثل عباسي على كل حال؛ لأن عباسي رجل فكر له خبرة وعنده حنكة سياسية ولا يمكن أن يحدث منه هذا. ومن ناحية أخرى، فهو رجل مصالحة وحوار ورجل سياسة، وليس متهورًا أو مندفعًا، ويعرف ما يكتب وما يقول، ومن هنا فالمصالحة الوطنية مطلب جماهيري، ولا يمكن لأي كان أن يوقفها، ولا بديل للجزائريين عنها.
لماذا لم يعد الشيخ عبد القادر بوخمخم يوقع مع باقي الشيوخ المفرج عنهم البيانات الصادرة عن القيادة الوطنية للجبهة منذ مدة؟
هذا يعود لأسباب كثيرة وعديدة منها، أن التيار لا يمر بيننا بسبب بعض القضايا المطروحة، كما أشرت من قبل، وذلك عائد إلى اختلاف وجهات النظر في المسائل المطروحة على الساحة الوطنية، وقاعدة الجبهة ومناضلوها هم من يحكم على هذه المواقف، أما عن قضية عدم إمضاء البيانات وإمضاؤها من طرف الإخوة فهذا الأمر يسألون عنه هم وأنا لا أجيب مكانهم والقيادة الوطنية كما تقولون لا تنحصر في ثلاثة أو أربعة أشخاص، القيادة الوطنية موزعة عبر التراب الوطني وفي الخارج، وبالتالي لا يمكن أن نطلق عليها اسم القيادة الوطنية، والمتفق عليه أنها جزء من القيادة الوطنية، ولا داعي للخوض في هذا المجال في وسائل الإعلام.
أكد الرئيس بوتفليقة في العديد من تصريحاته أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ حلت بحكم قضائي ولن تعود قيادتها إلى العمل السياسي أبدًا، سواء باسم الإنقاذ أو باسم جديد.. ما رأيكم؟
إن قضية عودة الجبهة وقيادتها إلى الساحة السياسية لا يحق لأي كان ولو لرئيس الجمهورية أن يبت فيه من خلال كلمة أو تصريح، وإنما الأمر يعود إلى الدستور وقوانين الجمهورية، فإذا كنا نحن مواطنين أحرارًا ولا أحد ينكر علينا ذلك، فإن هذا الحق المقدس خوّله لنا الدستور وقوانين الجمهورية، ولن نتنازل عنه مهما كانت الظروف ولا ينزع منا إلا بحكم قضائي نزيه مستقل بعيد عن أي ضغوط سياسية وبقوانين عادلة غير قوانين حالة الطوارئ، وإن طرح هذا الموضوع اليوم من طرف رئيس الجمهورية والجزائر تحترق نعتبره عدم مواجهة للواقع المزري الذي تعيشه البلاد ونعتبره ضمن سياسة الهروب إلى الأمام وخلط الملفات مع بعضها البعض، حتى لا يلفت الانتباه إلى التأخر في تنفيذ ما وعد به، ومع ذلك فنحن عائدون ورب الكعبة بحول الله رغم أنف المعارضين والحاسدين مهما كان.
لكن الآن أمام هذا الانسداد ما الخيار المطروح أمامكم؟
الأهم في نظري وبكل صراحة أن الأولوية للملف الأمني؛ لأنه بدون معالجة هذا الملف معالجة واقعية صادقة بعيدًا عن حب الذات والأنانية وتصفية الحسابات لا يمكن أن يكون هناك عمل سياسي بنّاء أو انتعاش اقتصادي قوي ولا استثمار في البلاد ولا بنية اجتماعية (..)، فكل الجوانب مرتبطة بهذا الجانب، وكل هذه الملفات مربوطة بالملف الأمني، ومن ثم فوقف النزيف الدموي وعودة الأمن والسلم والاستقرار شيء ضروري.
هل تعتقدون باعتباركم طرفًا في القضية أن السلطة غيّرت من السياسة التي كانت متبعة منذ بداية الأزمة عام ١٩٩٢م؟
في اعتقادي أن السياسة وعدم تقدير الأمور والظروف منذ عام ١٩٩٢م لم تتغير ومنظروها لم تتغير أفكارهم وإنما تغيرت أساليبهم في المعالجة، والسياسة واحدة، ورغم هذا وذلك فإننا قبلنا بهذه الأساليب خدمة للمصالح العليا للبلاد؛ لأننا كما قلت من قبل من دعاة المصالحة الوطنية.
اغتيال حشاني
ما موقفكم من اعتقال فؤاد بولمية المشتبه فيه في قتل عبد القادر حشاني، وبيان أشقاء حشاني الذي يشك في كونه القاتل الحقيقي، ويدعو إلى لجنة تحقيق دولية؟
كنت قد صرحت أن في اعتقال بولمية بهذه السرعة شيئًا إيجابيًّا وحيدًا، إن كان هو الفاعل بحق، ولكن لا بد من الكشف عن مديري ومخططي الحادث والمستفيدين من هذا الاغتيال الغادر غير أن الكيفية التي قُدِّم بها على شاشة التلفاز أوقعت الشكوك والريب عند جل المواطنين، ولم يقتنع بها حتى العجائز، لهذا نرجو أن يتم مواصلة التحقيق بطريقة نزيهة حتى يتم كشف القاتل الحقيقي والجهة المستفيدة من ذلك، ونترك المجال للعدالة حتى تقول كلمتها وبعدها يكون الحديث عن ذلك، أما بيان أشقاء حشاني فأنا من الذين يدعون لتشكيل لجنة تحقيق وطنية لتسلط الضوء على ملابسات هذا الاغتيال الجبان.
يرى البعض أن ما تعرض له حشاني هو عبارة عن اغتيال سياسي بسبب معارضته لمسعى الرئيس بوتفليقة الذي يرى أنه أهمل الجانب السياسي للأزمة؟
نعم، هو اغتيال سيــاسي وضربة في الصميم لتعطيل وخلط مسعى المصالحة الوطنية واسترجاع السلم، وكما أشرت من قبل؛ فالأخ عبد القادر حشاني لم يكن في يوم من الأيام ضد المصالحة الوطنية أو ضد استرجاع السلم أو ضد وقف النزيف الدموي، ونشهد أمام الله أنه كان دائمًا مع المصالحة الوطنية، ويكفي أنه كان عضوًا في لجنة السلم وتبقى الإشكالية أن له تحفظات حول المسعى العام. فكان يرى إشراك الجناح السياسي، وأقولها وأكررها أن الجناح السياسي للجبهة لم يشارك لا من قريب ولا من بعيد في اتفاق الهدنة.
رغم تزايد عدد المسلحين الذين سلّموا أنفسهم للسلطات للاستفادة من تدابير قانون الوئام المدني هناك استمرار وتصاعد لأعمال العنف في مختلف جبهات القتال.. إلى ماذا ترجعون موجة التصعيد؟
لا يمكنني أن أحمل المسؤولية لأي كان؛ فالأعمال الإجرامية التي تقع في البلاد بالمقارنة مع السنوات الماضية قليلة نوعًا ما، ويمكن التغلب عليها ووضع حد لها إذا ما اتخذت إجراءات جريئة من طرف رئيس الجمهورية لتهدئة الأوضاع في البلاد والقضاء على هذه الجيوب المتبقية، فلا بد من إطلاق سراح الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج؛ لأن في اعتقادي بهذا يتم نزع الغطاء أو المظلة التي ما زال يرفعها هؤلاء بحجة أن الشيخين في السجن لأن الذي يقع من اغتيال المواطنين الضعفاء وقتل الأبرياء والنساء والأطفال هذا ليس من الدين في شيء وليس من منهجنا مطلقًا؛ ولذلك فأنا أدعو لإطلاق سراح الشيخين ليساهما من جانبهما في تحقيق المصالحة الوطنية.
الجنرال خالد نزار
أخيرًا ما قراءتكم لما نشره وزير الدفاع الجزائري السابق الجنرال خالد نزار في مذكراته عن ظروف وملابسات إلغاء الانتخابات التشريعية للسادس والعشرين من شهر ديسمبر عام ۱۹۹۱م، وتوقيف المسار الانتخابي؟
لقد بدا واضحًا للعيان خيوط المؤامرة التي دُبِّرت ضد الشعب الجزائري المسلم، وتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود بشهادة وزير الدفاع الجنرال خالد نزار، ولم يبق مجال لأدنى شك أن مديري مؤامرة إلغاء المسار الانتخابي وإقالة رئيس الجمهورية المنتخب وحل الجبهة الإسلامية للإنقاذ، والزج بعشرات الآلاف في المعتقلات والسجون، وفي هذا نترك الجنرال يتكلم عن ملابسات الانقلاب عام ۱۹۹۲م فيقول: «وابتداء من 30/۱۲/1991م، أصبح الموقف العام للجيش - في الحقيقة قيادة الجيش وليس الجيش- يرفض حصول الجبهة الإسلامية للإنقاذ على الأغلبية المطلقة في البرلمان».. وكانت تلك الفترة فترة التحضير السياسي والعسكري، الذي أقره تقريبًا في ٣ يناير ۱۹۹۲م يعني أقر الانقلاب وإلغاء المسار الانتخابي. وبعد تصريح الشاذلي بن جديد أنه مستعد للتعايش مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وأن فوز الجبهة أقلق بعض البلدان المجاورة وعدم رضا الدول الأوروبية وخاصة فرنسا، ثم ظاهرة بروز وانتشار الحجاب والقمصان واللحى، والتصريحات المهددة التي يطلقها مناضلو الجبهة للإنقاذ، تلكم هي الملابسات والظروف التي أحاطت بإلغاء المسار الانتخابي ودخول البلاد في دوامة العنف والصراعات الدموية للمحافظة كما يقولون على الديمقراطية.