العنوان جيل العمالقة والقمم الشوامخ
الكاتب الأستاذ أنور الجندي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أغسطس-1984
مشاهدات 105
نشر في العدد 681
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 28-أغسطس-1984
إن من طبيعة الفكر الإسلامي أن يعقد مقارنة بين جيل وجيل لتقييم ما طرحه الجيل السابق ووزنه بميزان الأصالة والتقدير الحقيقي الحر البعيد عن الأهواء المتحرر من الولاء والخضوع لما خضع له الجيل السابق، وقد تتابعت في تاريخ الفكر الإسلامي عملية «إعادة النظر» وإعادة تقييم المراحل هذه حتى غدت مسألة طبيعية بل وضرورية لمواكبة سير الإنسانية على الطريق الصحيح إلى الغاية الأصلية وتصفية الفكر الإسلامي في كل مرحلة من الدخائل.
ومنذ ظهرت طلائع حركة اليقظة الإسلامية بمفاهيم المنهج القرآني الأصيلة بدأت عملية إعادة النظر في كل ما كتب في مرحلة النفوذ الأجنبي والاحتواء والسيطرة الأجنبية والتبعية للفكر الغربي المسيطر من خلال معاهد الإرساليات والابتعاث إلى البلاد الأجنبية وما حمله هؤلاء العائدون من مذاهب ونظريات وما حاولوا من خلاله إخضاع الفكر الإسلامي وتاريخ الإسلام والتراث إليه من نظريات تقوم على أساس الفلسفة المادية والانشطارية التي عرف بها الفكر الغربي، وتلك قضية كبرى معروفة تحت اسم: حركة التغريب والغزو الثقافي.
واليوم ترتفع صيحة في معسكر التغريب والغزو الثقافي تعارض هذه المراجعة وتصد هذا التقييم الذي يقوم به رواد حركة اليقظة بمفاهيم الإسلام للفكر الإسلامي الذي خضع فترة للنفوذ الأجنبي وجرت محاولة احتوائه وتدميره وتغريبه.
وهذه الصيحة اليوم تحمل اسمًا لامعًا خطيرًا هو التساؤل: عن الخطأ الذي يجري في مواجهة «جيل العمالقة والقمم الشوامخ» هؤلاء الذين قدموا للأمة ذلك الفيض الدافق من الثقافات والآراء والنظريات التي صنعت الرصيد الذي تقوم عليه الآن الدراسات العربية في الأدب والشعر والفن وفي مختلف مجالات الفكر.
والحقيقة أن ما قدمته هذه المدرسة التي يسمونها تارة باسم الرواد وتارة باسم جيل العمالقة والقمم الشوامخ، ليس إلا عصارات من الفكر الغربي انتزعت من هنا أو هناك، وخلاصات ومترجمات لأفكار ذلك الفكر الذي سيطر على الغرب تحت اسم الفلسفة المادية ومدرسة العلوم الاجتماعية والتحليل النفسي، وهو خلاصة ما كتبه دارون ودوركايم، وفرويد، وسارتر وماركس وإنجليز ومترجمات للقصص الجنسي الإباحي من الأدب الفرنسي، وكان الصراع في أول الأمر قائمًا بين «اللاتينيين والسكسونيين» هؤلاء مع المدرسة الإنجليزية «العقاد والمازني وشكري» وأولئك مع المدرسة الفرنسية «خليل مطران وطه حسين وهيكل».
ثم جاء الصراع الثاني بين المدرسة الليبرالية «لطفي السيد- طه حسين وحسين زكي محمود» وبين المدرسة الماركسية «سلامة موسى ولويس عوض ومندور» ثم جاءت المدرسة الإنسانية الماسونية «الهيومنيزم» وكل ما قدم في هذه المرحلة منذ بدأت هذه المدرسة على يد أستاذ الجيل «لطفي السيد» وحتى اليوم هو فتات موائد الغرب بشقيه، ولم يكن هؤلاء الأدباء والكتاب من أصحاب الأسماء اللامعة إلا قناطر بين الساحلين، ولم يكن ما نقل خلال هذه الفترة سواء على لسان من قدموه على أنه فكرهم الخالص أو ما ترجموه لم يكن فكرًا حرًا خالصًا أريد به خدمة هذه الأمة، ولم يكن مقصودًا به ترسيخ الوجود الفكري والثقافي لأمة تملك مفهومًا أساسيًا جامعًا للفكر والحياة والمجتمع، وإنما كان فكرًا متحيزًا مقصودًا به تسميم قنوات الفكر الإسلامي وإفسادها وتحويل وجهة هذه الأمة وتغيير ملامحها والقضاء على ذاتيتها وأعرافها الإسلامية والعربية الأصلية، كان هذا واضحًا في كل ما نقل وما ترجم حتى فيما أوصى به من إحياء التراث الإسلامي العربي، كان هدف ذلك كله: «الدعوة إلى إخراج هذه الأمة من مقوماتها الأصيلة وصهرها في بوتقة الفكر الغربي المادي الملحد الوثني» ربيب الفكر الإغريقي القائم على «علم الأصنام» ودفع هذه الأمة بعيدًا عن طريقها الأصيل بوصفها صاحبة المنهج التجريبي الذي صنع الحضارة المعاصرة، وصاحبة منهج المعرفة ذي الجناحين «الروح والمادة» والقائم على منهج الثوابت والمتغيرات إلى منهج انشطاري مادي خالص، وحق في هذا ما قاله البعض: إنهم أخذوا المنهج العلمي التجريبي من المسلمين وأودوا المسلمين إلى منهج أرسطو الذي رفضه المسلمون قديمًا وحاربته الحضارة المعاصرة في عصر النهضة.
إذن فالحملة المثارة تحت عنوان خطير: «هدم الشوامخ من أجل من!» هي محاولة جديدة لمحاولة تثبيت دعائم هذه المؤامرة القديمة التي تكشف مخططها، ومغالطة واضحة تقوم على التعميم بهدم الشوامخ فمن هؤلاء الشوامخ الذي جرى هدمهم؟ وهل من أجل أمثال طه حسين ولويس عوض وحسين فوزي وتوفيق الحكيم وزكي نجيب محمود يطلق اسم الشوامخ؟ بينما حقيقة الأمر أن الشوامخ هم غير هؤلاء، هم أولئك المجاهدون الصادقون الذين لا يذكرهم أحد ولا يتحدث عنهم أحد، الذين وضعوا في الظل وأقيمت حولهم «مؤامرة الصمت» لأنهم قدموا لأمتهم معطيات وافرة ودلوا أمتهم على طريق الأصالة والنهضة الحقيقي.
والحقيقة التي يتجاهلها أتباع التغريب والغزو الثقافي أن الشوامخ والعمالقة الحقيقيون ليسوا هؤلاء، وإنما أولئك الذين نسيهم الناس وتجاهلتهم الصحافة وحجبهم الإعلام، وإذا أثير أمر واحد منهم بتأليف كتاب عنه وقفت أمثال الدكتورة سهير القلماوي لتقول: من هذا، من هو «عبد العزيز جاويش» ذلك لأن جاويش ليس من مدرسة لطفي السيد وكان خصمًا لخصوم الإسلام والعرب ومدافعًا عن اللغة العربية أمام مؤتمر المستشرقين حين حاولوا اغتيالها في مؤتمر الجزائر سنة 1905.
وكثيرون هم الشوامخ الحقيقيون، ولكن طه حسين وهؤلاء ليسوا إلا أقزامًا من التغريبيين غلمان المستشرقين الذين أعطاهم النفوذ الأجنبي هذه الشهرة والمكانة وظل يدافع عنهم حتى اليوم، حماية لوجوده من خلالهم، وإلا فقل لي بربك من غير طه حسين يقام له حفل سنوي يدعى إليه المستشرقون من كل مكان في أوروبا، ولماذا لا يقام هذا التقدير لمصطفى صادق الرافعي أو رشيد رضا أو شكيب أرسلان.
الحقيقة أن هذه الحملة تحت اسم «هدم الشوامخ» هي حملة باطلة وإلا فمن الذي هدم جمال الدين الأفغاني والمتنبي وابن خلدون في العصر الحديث؟!! أليسوا هم أولئك الشوامخ في تقدير التغريبيين.