العنوان جيل الفيديو
الكاتب مسلم الصحاف
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1989
مشاهدات 72
نشر في العدد 935
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 03-أكتوبر-1989
حول التلفزيون
والفيديو قام بعض الباحثين المتخصصين بإعداد دراسات تقرع الأجراس من سريان هذا
الوباء الذي اجتاح شعوبنا والذي يشكل تحديًا مستفزًا للمشاعر المخلصة، وهذا
الموضوع يوضح خطورة هذا الوباء الذي يواجه الشعوب المسلمة.
الإحصائيات
تحذر: أثر الفيديو على قيم المجتمع وتقاليده خطير.
«أنا مش بخاف يا بابا أنا شفته ومش بخاف»
كررت الصغيرة هذه العبارة عدة مرات وهي ممسكة بإحدى شرائط
الفيديو الخاصة بأفلام الرعب. ومعالم الخوف ترتسم على وجهها، علت ابتسامة على وجه
أبيها وهو يوجه حديثه إلى قرينه قائلًا: تصور إنها تميز كل شريط، وما بداخله وهي لم
تتجاوز الثالثة من عمرها ولم تتعلم أحرف الهجاء بعد.
وأخذت أتأمل
الصغيرة تتعامل بسرعة وخبرة مع جهاز الفيديو تضع شريطًا محل الآخر وسرعان ما تحولت
دهشة قرين الوالد إلى استنكار حين طلت من خلال الشاشة نماذج غربية برعت في تقديم
الإثارة الرخيصة من خلال خيال مريض يجسد مشاهد الرعب والدم والاغتصاب. إن حجم
المخاطر التي يسببها سوء استخدام هذا الجهاز ابتداء من إهدار الوقت وإفساد العادات
السلوكية لدى أطفالنا بالإضافة إلى اهتزاز القيم لديهم نتيجة عدم مراقبة ما يقدم
إليهم، أو يشاهده الكبار في حضورهم.
ففي دراسة نُشرت
في مجلة «الدعوة» في عددها 116 صفر 1407 هـ متناولة آثار الفيديو والتلفزيون على
قيم المجتمع وتقاليده، وسوف ننشر من الدراسة الجزء المختص بالفيديو وآثاره، وقد
تناولت الدراسة الواقع المصري: وتقول الدراسة: في مصر الآن حوالي مليون جهاز
فيديو، أي أن هناك جهاز فيديو لكل 10 مصريين في المتوسط، وهذا يعني أن العقل
المصري أصبح محاصرًا بين مطرقة التلفزيون وسندان الفيديو، ويُحذر خبراء الاجتماع
والإعلام والرأي العام والتربية وعلم النفس من النتائج المخيفة لهذا الحصار في
تشكيل عقول المصريين وسلوكهم كأفراد والآثار الخطرة على العقل «المصري» العام في
القيم والسلوك على المدى البعيد، وأن خبراء المركز القومي المصري للبحوث
الاجتماعية والجنائية وخبراء المجالس القومية المتخصصة يحذرون من الآثار الجانبية
الخطيرة للتلفزيون والفيديو.
وفي دراسة
ميدانية أخرى أجرتها كل من الدكتورة «منى الحديدي والدكتورة سلوى إمام» شملت عينة
تضم 380 من حائزي أجهزة الفيديو يشعرون بأهمية وجود جهاز الفيديو في البيت المصري،
وتتدرج هذه الأهمية بنسبة 33.4% للتسلية وتوفير الذهاب إلى السينما 17.3% ومشاهدة
ما لا يقدمه التلفزيون 13.7% والتزويد بالمعلومات 9.2% في حين يشعر 12.1% بأن هذا
الجهاز له أضرار بالغة هي بترتيب وأضرار أخرى مختلفة تأتي في مقدمتها، تقليل فرص
ممارسة بعض الهوايات أو الأنشطة كالقراءة والتزاور مع الأقارب، وتبادل الأحاديث
بين أعضاء الأسرة ثم مشاهدة برامج ومواد قد لا تتفق مع تقاليد وعادات وقيم الأسرة
المصرية. وتتضح ملامح الحصار الذي يحكمه الفيديو بالاشتراك مع التلفزيون على العقل
المصري في المؤشرات الخطيرة التي تعطيها الدراسة عن الفيديو في مدينة «القاهرة
الكبرى»، حيث تبين أن 56.2% يتفرغون «تمامًا ودائمًا» لمشاهدة أفلام الفيديو مقابل
33.2% يتفرغون «أحيانًا»، حيث يمارسون بعض الأنشطة خلال المشاهدة من بينها تناول
الأطعمة والمشروبات بنسبة 55.3% وأداء الأعمال المنزلية 19.4% وممارسة بعض
الهوايات كأعمال الخياطة والتريكو والمحادثات التليفونية 19.20%. كما تبين من الدراسة
أن 80% من حائزي الفيديو يشاهدون مواده بشكل جماعي مع الأسرة أو الأصدقاء والجيران
وأن 34.6% يشاهدون الفيديو يوميًا وأن 49% يشاهدونها خلال فترة السهرة التي تبدأ
عادة بعد العاشرة مساءً، وقائمة مشاهدة الفيديو في البيت المصري تضم الأفلام
العربية بنسبة 23% والمسرحيات الكوميدية بنسبة 20.6% والأفلام العربية والأجنبية
الممنوع عرضها بنسبة 16.2%. طبقًا للدراسة فقد أثر الفيديو في أنماط السلوك
الاجتماعي والثقافي للأسرة المصرية حيث أثر على عادات القراءة والاطلاع والحوار،
والمناظرة، والاستماع، والسمر. وتقول الدراسة «لقد أصبح التلفزيون يستولي على وقت
الفلاح حتى منتصف الليل ثم يتكفل الفيديو في المقاهي و«الدكاكين» بالساعات الباقية
حتى الفجر.
ويقول محسن مراد صاحب نادٍ للفيديو: من واقع
خبرتي فإن نوعية الأفلام التي تلقى إقبالًا من الشباب والجمهور هي أفلام الكاراتيه
والعنف والجريمة وهذا شيء خطير ومخيف بينما يقبل الشباب «15 سنة» على أفلام
الإثارة والجنس المهربة، وهو مؤشر خطير للغاية بالنسبة لمجتمعنا.
وأحدث
الإحصائيات تقدر حجم نشاط الفيديو في مصر بحوالي 550 ناديًا وحوالي 45 شركة
للإنتاج، وفي حين يقدر عدد أجهزة عرض الفيديو في العالم بحوالي 30 مليون جهاز من
بينها 5 ملايين جهاز في الولايات المتحدة فإنه يوجد حوالي 950 ألف جهاز في مصر،
وهو معدل خطير للغاية بينما يوجد في دول الخليج (العراق والسعودية والكويت
والإمارات وقطر والبحرين وعمان) بقدر ما يوجد في الولايات المتحدة أي حوالي 5
ملايين جهاز، ويوجد 10 أجهزة فيديو في المتوسط لكل ألف من الفرنسيين و25 جهازًا
لكل ألف مصري و42 جهازًا لكل ألف لبناني و490 جهازًا لكل ألف كويتي و750 جهازًا
لكل ألف سعودي. وفي النهاية يُثار سؤال هل يكمل الحصار التلفزيوني على عقل مشاهدي
العالم الثالث؟
أخطار الفيديو
المدمرة:
إن أخطر الأخطار
التي جلبها «الفيديو» والذي أدى انتشار استعماله بين كل أفراد المجتمع، وبالطريقة
التي يُستخدم فيها الآن سيكون له آثار مدمرة وسيجر الناس إلى ويلات رهيبة نذكر
منها:
1. نوعية الأفلام الجنسية التي يتداولها مستعملو
الفيديو تجعل من مشاهدها حيوانًا في صورة إنسان وتقلب أخلاقه إلى أخلاق شرسة رهيبة
لا يرضاها الحيوان نفسه، وقد بلغ منتجو هذه الأفلام من يهود أمريكا وأوروبا من
القذارة والوحشية، بحيث لم يقتصر عملهم على عرض العمليات الجنسية الطبيعية، ولو
وقف الأمر عند هذا الحد لهان الأمر، بل تعداه إلى عرض الشذوذ الجنسي التقليدي من
لواط وسحاق، وأنواع أخرى من الشذوذ المجنونة، ولذا فقد أخذت جهات ومؤسسات كثيرة في
الغرب تنادي بوقف هذا الزحف الرهيب على الأخلاق والأجسام. ولهذا فقد وُجد من خلال
إحدى الدراسات أن من بين كل 500 فيلم طويل كان موضوع الحب والجريمة والجنس يشكل
72% منها. جريدة الشرق الأوسط العدد 3665 تاريخ 10/12/1988 هذا النوع من أفلام
الجنس أخذ يسلب عقول الشباب الصغار والكبار على حد سواء، لأن الذي يشاهد فيلمًا
واحدًا من هذه الأفلام يصبح عابدًا للشهوات، مجنونًا بحيث لا يميز بين زوجة وأم
وأخت. وتقول مديرة عام الرقابة على المصنفات الفنية السابقة السيدة نعيمة حمدي
لجريدة الشرق الأوسط العدد 3651 تاريخ 26/11/1988 إن للإعلام دورًا بارزًا في هذه
القضايا من خلال الأفلام الهابطة المصرية والأجنبية التي تقوم بها الممثلة بارتداء
أزياء خليعة وأداء رقصات، أو حركات من شأنها إثارة الغرائز الجنسية لدى المشاهد
الأمر الذي يدفع الشباب إلى تقليد أحداث الفيلم وأبطاله، وبالتالي التصور بأن كل
فتاة سيئة السلوك ويُصوّر له عقله المريض أن ارتكاب مثل هذه الجرائم ممكن ومباح
وسهل وهكذا يُقدم على ارتكابها، كما أن أفلام الجنس الفاضحة والتي تروجها بعض
الأيادي المشبوهة يشاهدها الشباب في غيبة من الرقابة لها دور في تشكيل شخصية
ونفسية الشباب، ولهذا أطالب بتشديد الرقابة على محلات وأندية بيع وتأجير شرائط
الفيديو.
2. أصبح هذا النوع من الأفلام وما يتعلق من
فضائح، يُستغل وبشكل بشع لابتزازات اجتماعية ومادية وحتى سياسية.
3. إن بعض الأفلام أصبحت تسبب مشكلات اجتماعية
في البيوت المستورة، فقد تصل إلى فراق الزوج زوجته، أو الزوجة زوجها بسبب رفض
أحدهما السير في طريق صاحبه الذي يكون قد تورط في السير في طريق الشيطان، فمَلَكَ
عليه قلبه وجوارحه بحيث أصبح أسهل عليه أن يترك زوجته من أن يترك شهوته. وإن الجري
وراء هذا النوع من الأفلام وبخاصة من قبل الطلاب والطالبات في المدارس والجامعات
سيوقعهم في مشكلات لا حدود لها أولها الفشل في الدراسة وآخرها السجن.
ويوازي أفلام
الجنس من حيث الخطورة على الشباب الأفلام البوليسية وأفلام الكاراتيه والمغامرات،
والتي تُعلم هؤلاء الشباب الاعتداء على الناس وطرق الغش والاحتيال والسرقة والقتل
والإرهاب وترويع الآمنين ونظن أن معظم نزلاء السجون من الشباب من هذا النوع، الذي
استقى معلوماته في ممارساته الخطرة من السينما والتلفاز. وقد توصلت إحدى الدراسات
الاجتماعية الميدانية إلى أن 87% من الأطفال يشاهدون التلفزيون، وأن 46% منهم
يفضلون الأفلام على العروض المسرحية في حين أن البرامج الموجهة لم تستطع أن تجذب
الأطفال إليها لأنهم يقولون عنها أنها مملة وغير مفيدة. وأشارت إحدى الدراسات بأنه
ألحق أضرارًا كبيرة بالأطفال، وأنه أدخل الاضطراب على نومهم وجعلهم يميلون إلى
السلوك العدواني كما أدى إلى إهمال نشاطهم المدرسي نتيجة لإرهاقهم وضعف اهتمامهم.
«جريدة الشرق الأوسط العدد 3665 تاريخ 10/12/1988». ونُشر في جريدة الشرق الأوسط
العدد 3651 تاريخ 26/11/1988 أن حادث السطو المسلح على بنك مصر الجديدة كان
تنفيذًا حرفيًا لأحد أفلام سرقة البنوك. هذا ما تجلبه علينا هذه الأفلام ولهذا
أطالب بضرورة تشديد الرقابة على الأفلام والتدقيق في اختيار ما يُرخص بعرضه حتى لا
تجذب الشباب إلى الرذيلة. إن محاولة التقليد بين الأسر في الحصول على جهاز الفيديو
قد يكون لها أثر سيء على مستوى المعيشة، والإنفاق لدى العائلات المتوسطة والفقيرة
إذ يكون ثمن الجهاز وأشرطته على حساب مطالب ضرورية للأسرة. وكثيرًا ما تُطالعنا
الصحف عن زوجات يقتلن أزواجهن لأنهم يضيقون عليهن في مصروف البيت.
الفيديو يؤدي
إلى الصرع:
جاء في جريدة
الرأي الأردنية بتاريخ 13/4/1984 أن ثلاثة من العلماء في الولايات المتحدة قد
توصلوا إلى أن الإدمان على ألعاب الفيديو يمكن أن يؤدي إلى الصرع ويوضح العلماء أن
الإصابة بالصرع تحدث عندما تصطدم ومضات الضوء بخلايا الأعصاب في المخ ويؤدي إلى
التهابها، وهذه الإثارة المفاجئة في المخ تحمله أكثر من طاقته وتؤدي إلى تشنجات أو
اضطراب عنيف. نقلًا عن كتاب التلفزيون بين المنافع والأضرار للدكتور عوض منصور
أقول إن الفيديو كوسيلة إعلام، وتعليم ليس ضارًا في حد ذاته على العكس تمامًا فإنه
اكتشاف علمي، وفني خطير كان من الممكن أن يُستثمر لصالح المجتمع والإنسان والفكر
المستنير وليس المعيب الفيديو، ولكن العيب يكمن في «فريق العمل». ويمكن الاستفادة
من جهاز الفيديو في أشياء عدة منها على سبيل المثال: استغلال الفيديو لعمليات
التوثيق: وتعتبر هذه العملية من أهم الفوائد التي يمكن أن نجنيها من الفيديو
والتلفاز، وهي توثيق الحوادث والمعلومات على اختلاف أنواعها في مكتبة خاصة لأشرطة
الفيديو، يمكن استعمالها كما تستعمل مكتبة الكتب، كما يمكن أن تخضع هذه المكتبة
لنظام الاستعارة أو البيع والشراء. وأخيرًا إذا كانت الصحافة أقدم وسائل الإعلام
والأفلام السينمائية والتلفزيونية تخضع لرقابة معينة تحددها القوانين، فإن أفلام
الفيديو أحدث وسائل الإعلام والتي تُباع على شكل «كاسيت» لا تخضع لمثل هذه
الرقابة، وسهولة الحصول عليها فإنها أصبحت مجالًا خصبًا للتنافس التجاري الذي لا
يراعي أي معايير أخلاقية وإنسانية. إن أفلام الفيديو التي تحتوي على كمية كبيرة
جدًا من المشاهد العنيفة الخيالية أخذت تغزو مجتمعاتنا، وتنتقل من أسرة لأخرى ومن
جماعة لأخرى بكيفية في السر والعلن، بل ظهرت جمعيات لتبادل واستئجار أفلام الفيديو
التي تغزو مجتمعاتنا الآن لا تنسجم مع القيم الأخلاقية والاجتماعية والدينية
والإسلامية، بل إن الظروف التي تتداول فيها هذه الأفلام تجعل عملية التداول نفسها
أقرب ما يمكن إلى السلوك المخزي. وتقول الدكتورة «جيهان رشتي» عميدة كلية الإعلام
– جامعة القاهرة: إن العنف في الحقيقة لا يأتي من وسائل الإعلام العامة وإنما يأتي
من الفيديو لأن الفيديو يُعتبر قناة خاصة فرعية، لذلك تحتاج لتدخل تشريعي وتدخل من
جانب الأسرة فهناك أفلام تُعرض في الفيديو دون رقابة سواء كانت أفلامًا أجنبية، أو
عربية تحتوي على مشاهد عنف أو جنس لا تسيطر عليها الدولة تمامًا. وتقترح الدكتورة
جيهان عدة نقاط لعلاج هذه المشكلة:
1. تنظيم استيراد الأفلام الغربية.
2. إعطاء حق الضبطية القضائية لعدد كبير من
المسؤولين عن الرقابة والسلطات التنفيذية حيث يتيح هذا مصادرة الأفلام التي تُعرض
في نوادي الفيديو، ولم تمر على الرقابة مطلقًا.
3. فرض رقابة صارمة على أفلام الفيديو. وفي
الأخير لعل المثل العام الذي يقول «إن التعلم في الصغر كالنقش على الحجر» يؤكد على
أهمية السنين الأولى في حياة أطفالنا لاكتساب المهارات والتعرف على قيم وأهداف
وأخلاق المجتمع الذي يحيط به. فما الذي نتوقعه لأطفالنا وشبابنا، وهو يُطارد بهذا
الكم الهائل في برامج المنوعات والرقص والغناء في جهاز التلفزيون ليأتي جهاز
الفيديو ليهدر البقية الباقية للقضاء على أي محاولة جادة لربط أجيالنا بقضايا
وواقع المجتمع. وإذا كانت الدراسات والأبحاث التي تُعدها وتُنشرها العديد من
الجهات المسؤولة عن مخاطر أجهزة الفيديو لا تجد الأثر الكافي لدى الكثير للإقلاع
عن هذه الظاهرة، إلا أن صورة الصغيرة وهي ترتعد خوفًا أمام مشاهد الرعب والدم كفيل
بأن يخلق لدي القناعة بعدم شراء جهاز فيديو إذا كان لأجل هذا. مسلم الصحاف
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل