العنوان حائط البراق.. لا حائط المبكي
الكاتب عبدالرحمن القاضي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-2000
مشاهدات 64
نشر في العدد 1417
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 12-سبتمبر-2000
القدس المحتلة
هل يجهل عرفات أن هذا الحائط هو جدار المسجد الأقصى الغربي، وأنه نُسب إلى البراق الشريف؟ وهل تناسى تاريخ الجهاد المشرف بدءًا من انتفاضة 1942م حتى ثورة 1929م؟!
لجنة شو البريطانية: الحائط ملك للمسلمين لكونه جزءًا لا يتجزأ من ساحة الأقصى.
قال ياسر عرفات في تصريحات أدلى بها مؤخرًا: «بالنسبة للإسرائيليين فعندهم حائط المبكى ونحن نحترم هذا الحائط ونسمح لهم أن يصلوا فيه.. أما غير هذا فلا يمكن العبث بالمقدسات الإسلامية والمسيحية».
كما صرح الرئيس المصري حسني مبارك في باريس بان القدس الشرقية يجب أن تخضع للسيادة الفلسطينية باستثناء «حائط المبكى» وحارة اليهود.
فهل تناسى رئيس السلطة الفلسطينية تناسي مقدسات المسلمين فأسمى حائط البراق حائط المبكي حسب ما يسميه به اليهود؟ وهل يجهل عرفات أن هذا الحائط هو جدار المسجد الأقصى وجزء لا يتجزأ منه وأنه سمي بحائط البراق نسبة إلى البراق الشريف الذي أسري برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى عليه؟ وهل نسي السيد الرئيس ثورة البراق في سنة ۱۹۲۹ م والشهداء الذين رووا بدمائهم أرض فلسطين الطاهرة والشهداء الذين أعدموا بعد سجنهم في سجون سلطات الانتداب؟
نقتطف المعلومات التالية حول ثورة البراق وحائط البراق من كتاب التيار الإسلامي في فلسطين وأثره في حركة الجهاد (۱۹۱۷م-١٩٤٨م) لمؤلفه محسن محمد صالح، والتي جاءت مستندة إلى مراجع متنوعة لمؤلفيها أحمد الشقيري، محمد عزة دروزة، أكرم زعيتر، عبد الوهاب الكيالي بيان نويهض، أميل الفوري، ناجي علوش، إحسان النمر وغيرهم.
وتذكر السيد الرئيس بأن لجنة دولية شكلت من بريطانيا ووافقت عليها عصبة الأمم آنذاك للتحقيق في أحداث ثورة البراق وقد اعتمدت بريطانيا وعصبة الأمم نتائج التحقيق سنة ١٩٣٠م والتي تضمنت أن للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي ولهم وحدهم يعود الحق الديني فيه لكونه جزءًا لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف التي هي من أملاك الوقف وللمسلمين أيضًا تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام حارة المغاربة لأنها وقف أيضًا.
صيحات يهودية:
تزايدت في الفترة (١٩٢٤ - ١٩٢٨م) صيحات اليهود المطالبة بالحائط الغربي للمسجد الأقصى «حائط البراق» والذي يسميه اليهود «حائط المبكى» ونشرت التصريحات اليهودية التي تعلن عن هدفها في إقامة هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى وزاد من مخاوف المسلمين أن اليهود نشروا صورًا زنكوغرافية تمثل هيكل سليمان قائمًا مقام المسجد الأقصى يرفرف عليا العلم اليهودي وفي عيد الغفران الذي وافق 2٣ سبتمبر ۱۹۲۸م جاء اليهود إلى الحائط بأعداد كبيرة ونفخوا في الصور وأحضروا المقاعد والكراسي والموائد والخزائن والمصابيح وأقاموا ستارًا يفصل بين الرجال والنساء، وهكذا حولوا المكان بحيث يحسبه الناظر كنيسًا يهوديًا وخشم المسلمون أن يظل اليهود على تلك الحال فيكون ما فعلوه حقًا مكتسبًا لهم مع مرور الزمن ربما يوسعونه إلى ما هو أبعد منه بعد ذلك، فغضب المسلمون وسارع المجلس الإسلامي الأعلى إلى الاحتجاج لدى حكومة الانتداب البريطاني وتحذيرها من العواقب الوخيمة وقد قامت الحكومة برفع المقاعد والموائد التي وضعها اليهود، وفي 8 أكتوبر ۱۹۲۸م أكد المجلس الإسلامي موقفه تجاه الحائط الذي نشرته جريدة الجامعة العربية في القدس- في ذلك اليوم- من أن هذا الجدار هو مكان البراق الشريف نسبة إلى براق النبي محمد ﷺ وأنه جدار المسجد الأقصى وأنه في عقيدة المسلمين جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى الذي له مكانة مقدسة عظيمة عند عامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
لجنة الدفاع:
عقد المسلمون عدة اجتماعات خصوصًا في المسجد الأقصى لمواجهة المؤامرة اليهودية على حائط البراق وكان لهم اجتماع بعد صلاة عصر يوم ۳۰ سبتمبر ۱۹۲۸م تحدث فيه ثلاثة من القيادات الإسلامية هم الشيخ عبد الغني كاملة والشيخ حسن أبو السعود ثم محمد عزة دروزة.
وقد اتفق المجتمعون تحت قبة الصخرة على تشكيل لجنة ممثلة لهم سموها «لجنة الدفاع عن البراق الشريف»، وكلوا إليها تنفيذ المقررات التي قرروها، كما عاهدوا الله على الدفاع عن هذا المكان حتى النهاية، وقد قامت اللجنة بتأسيس فروع لها في مختلف مدن فلسطين، كما قامت بمراجعة حكومة الانتداب والاحتجاج لديها وإيصال الأخبار إلى العالم الإسلامي وأخذت وفود المسلمين تأتي من أنحاء فلسطين باسم الجمعيات والهيئات والأفراد معلنة استعدادها للدفاع عن البراق، وأمطرت حكومة فلسطين بالبرقيات تطالبها بأن تحول دون ما ينجم عن اعتداء اليهود من إثارة فتنة في البلاد...
وطلبت لجنة الدفاع عن البراق الشريف بواسطة أربع رسائل رسمية بإمضاء عبد الرحمن العلمي من كيت روش حاكم القدس حق التظاهر وكان الجواب بالرفض في كل مرة فأخذت مدن فلسطين بالهياج، واشتد نشاط جمعيات الشبان المسلمين في هذا الأمر.
وأكدت اللجنة في بيان لها صدر في القدس في ٢٥ أكتوبر ۱۹۲۸م ورود مئات البرقيات من جمعيات المسلمين وأفرادهم داخل فلسطين وخارجها يستفسرون عما تم بشأن حائط البراق وقد أكد البيان أن الحالة تزداد تحرجًا وأن اليهود مستمرون في اعتداءاتهم، وأنهم أصبحوا يزدحمون بشكل غير معتاد ويملؤون المكان بالأدوات المحظورة، وطالب البيان المسلمين بأن يكونوا صوتًا واحدًا وأن يسارعوا إلى علاج الحالة بحزم واهتمام.
المؤتمر الإسلامي (نوفمبر ۱۹۲۸م):
كان للحاج أمين الحسيني المفتي الأكبر ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى دور بارز في إثارة الجو الإسلامي في البلاد إثر وقوع هذه الأحداث وقد دعا المجلس الإسلامي الأعلى ولجنة الدفاع عن البراق الشريف إلى مؤتمر إسلامي عام لمسلمي فلسطين في القدس كما دعي إليه جمع كبير من رجال المسلمين في فلسطين وشرق الأردن والعراق وسورية ولبنان والهند بحيث اكتسبت قضية البراق بعدًا إسلاميًا أوسع وخصوصًا في المناطق العربية القريبة من فلسطين وقد انعقد هذا المؤتمر في اليوم الأول من شهر نوفمبر ۱۹۷۸م وانتخب الحاج أمين الحسيني رئيسًا للمؤتمر وبلغ عدد الحاضرين حوالي ۷۰۰ شخص من مسلمي فلسطين وغيرها.
وقد اتخذ المؤتمر الإسلامي عدة قرارات لخصت في:
- الاحتجاج بكل قوة على أي عمل أو محاولة ترمي إلى إحداث أي حق لليهود في مكان البراق الشريف، واستنكار ذلك أشد الاستنكار والاحتجاج على أي تساهل أو تغاض أو تأجيل ممكن أن يبدو من الحكومة في هذا العمل.
وطالبوا بمنع اليهود من رفع الصوت في صلواتهم بحيث يكون المنع باتًا مستمرًا من وضع أي أداة من أدوات الجلوس أو الإنارة أو العبادة والقراءة وضعًا مؤقتًا أو دائمًا في البراق الشريف في أي حال من الأحوال وأي ظرف من الظروف، وإلا فإن المسلمين سيجدون أنفسهم مضطرين لأن يقوموا بالدفاع عن هذا المكان الإسلامي المقدس وعن حقوقهم الثابتة فيه.
- ألقى المؤتمرون على الحكومة تبعة ما ينتج من دفاعهم من البراق الشريف إن توانت في منع أي اعتداء من اليهود.
- المطالبة بإقصاء بنتويش اليهودي الإنجليزي من منصبه كمدع عام وقد عرف بتهجمه على الإسلام والمسلمين بوقاحة.
- تأسيس جمعية «حراسة المسجد الأقصى والأماكن الإسلامية المقدسة»، على أن يكون مركزها القدس، وأن تتعاون في مهامها مع لجنة الدفاع عن البراق الشريف.
وقد تلخصت مهمات الجمعيات بتنفيذ قرارات المؤتمر وإنشاء فروع لها في جميع أنحاء العالم الإسلامي والاتصال بالجاليات الإسلامية في الهجر لتشرح لهم الوضع في فلسطين.
وعلى الصعيد الداخلي أصدر المؤتمر نداء مواطنين بعدم بيع أراضيهم اليهود ووجوب مؤازرة الشركات الوطنية التي شكلها المسلمون لشراء الأراضي.
ومن جهة أخرى وجهت أسئلة عدة في مجلس العموم البريطاني حول قضية البراق وقد اضطر «أمري» وزير المستعمرات أن يعلن في ١٢ نوفمبر ۱۹۲۸م أن هدف الحكومة البريطانية وحكومة الانتداب في فلسطين بالنسبة لهذه الحوادث هو المحافظة على الوضع الراهن بين العرب واليهود وأكد أن الأزمة القائمة سوف يمكن تفاديها وديًا باتفاق يتم بين الطرفين وأن حكومة صاحب الجلالة سوف تبذل جهودها للوصول إليه.
وزارة المستعمرات:
وعندما أثيرت مسألة أحداث البراق العام ۱۹۲۸م مرة أخرى في ۱۹ نوفمبر صرح وكيل وزارة المستعمرات أورمسبي غور بأن الحكومة البريطانية وحكومة فلسطين عازمتان على عدم تغليب طائفة على أخرى كما أعرب «إمري» في ٢٦ نوفمبر ۱۹۲۸م عن ثقته بأعمال المندوب السامي وأنه سيبذل جهده للمحافظة على الوضع الراهن ووعد بأن ينشر قريبًا كتابًا أبيض عن القضية. وبالفعل فقد رضخت الحكومة البريطانية لمطالب المسلمين وأصدرت كتابًا أبيض بشأن حائط البراق كفل الحالة الحاضرة للمسجد وضمن الملكية الإسلامية للحائط، كما ضمن لليهود حقهم المكتسب في الزيارة فقط إلا أن الحكومة ماطلت في تنفيذ هذا الكتاب واستمر ذلك الحال حتى أيام أحداث البراق ۱۹۲۹م.
وفي إطار حرص رجال المؤتمر الإسلامي على إعطاء قضية البراق بعدًا إسلاميًا انتخب المؤتمر ۱۲ عضوًا لمقابلة المندوب السامي بالوكالة مستر لوك لطلب تصريح رسمي من الحكومة عن موقفها وتعهداتها بحفظ حقوق المسلمين «قبل إصدار الكتاب الأبيض» وقد ضم الوفد ٣ شخصيات من الوفد اللبناني لإظهار التضامن الإسلامي المطلوب وكانت الحكومة تعي جيدًا أهمية هذا التضامن، ولذلك فقد منعت الزعيم الهندي مولانا محمد علي من دخول فلسطين لحضور المؤتمر ولم تسمح له إلا بعد مراجعة المفتي لها، بل وبعد ثلاثة أسابيع من انتهاء المؤتمر.
ولإكساب قضية البراق بعدًا عالميًا أرسل رئيس المؤتمر الحاج أمين الحسيني برقية إلى شكيب أرسلان وإحسان الجابري ورياض الصلح في جنيف يوكلهم نيابة عن المؤتمر بالدفاع عن قضية البراق الشريف أمام عصبة الأمم والرأي العام الأوروبي.
التصعيد اليهودي:
أما اليهود فقد قاموا من جهتهم بحملة واسعة ضد المفتي وضد المجلس الإسلامي الأعلى، واتسعت الحملة لتشمل معظم الدول الأوروبية، وفي أواخر مارس ۱۹۲۹م أخذ اليهود يعلنون بصراحة عما يسمى بحقوق لهم في الحرم القدسي ومكان البراق، وبوجوب إعادة بناء هيكل سليمان مكان المسجد الأقصى، وتلقى المفتي رسالة من حاخام رومانيا يطلب إليه تسليم الأقصى الشريف لليهود ليقيموا صلواتهم فيه.. ومن ناحية أخرى كان اليهود يعدون العدة بسرية وكتمان شديدين لشن عدوان مسلح على العرب والاستيلاء على حائط البراق بالقوة.
وفي يوليو ۱۹۲۹م زادت حدة الادعاءات اليهودية وانبرى المجلس الإسلامي الأعلى يدحض الادعاءات اليهودية وأصدر عدة نشرات في تأكيد حقيق المسلمين في البراق وإثبات ملكيتهم له وأجرى اتصالات مع زعماء العالم الإسلامي وصحافته وأحزابه ومنظماته التي سارعت إلى تأييد عرب فلسطين في موقفهم كما عقد سلسلة من الاجتماعات الشعبية لتوعية الرأي العام وكشف الستار عن حقيقة أهداف اليهود ومخططاتهم.
وقد شهد الموقف تصعيدًا خطيرًا من جانب اليهود خصوصًا أثناء المؤتمر الصهيوني العالمي في زیورخ بسويسرا «2۸ يوليو - ۱۱ أغسطس ۱۹۲۹م» حيث كانت قضية حائط البراق القضية الرئيسة في المؤتمر. وفي تلك الفترة عاد اليهود إلى الاعتداء المتوالي على البراق الشريف بجلب الأدوات الممنوعة ومنع سكان الحي المسلمين من المرور إلى منازلهم في طريق البراق، وذكرت جمعية حراسة المسجد الأقصى في بيان لها قبل انتهاء المؤتمر الصهيوني أن المؤتمر يقوم بمحاولات واسعة النطاق الاستثارة يهود العالم مبديًا السخط على الكتاب الأبيض الذي أصدرته الحكومة البريطانية بشأن البراق الشريف وأكد بيان الجمعية أنه تقرر اتخاذ التدابير اللازمة المقاومة أعمال اليهود في الداخل والخارج، ودعا إلى تقديم الاحتجاجات وإلى ردع اليهود عن تكرار اعتداءاتهم حيث أنهم قد اعتدوا في الفترة الأخيرة على جماعة من المسلمين المجاورين للبراق، وبحضور ضابط يهودي وكانت الجمعية قد أصدرت هذا البيان إثر اجتماع إسلامي عام حضره عدة آلاف من المسلمين عقب صلاة الجمعة الموافق ٢ أغسطس ١٩٢٩م جدد فيه المسلمون العهد على الدفاع بكل قواهم عن البراق والأقصى الشريف.
ومن جهته أبرق أمين الحسيني إلى وزارة المستعمرات يطالب بسرعة تنفيذ ما جاء في الكتاب الأبيض دفعًا للأخطار ولم تك تمضي أيام حتى حدثت ثورة البراق.
أحداث ثورة البراق «أغسطس ۱۹۲۹م»:
وافق يوم ١٥ أغسطس ۱۹۲۹م يوم احتفال اليهود بعيد الصيام وذكرى خراب الهيكل وقد نظم اليهود في ذلك اليوم مظاهرات في القدس شارك فيها الآلاف من شبانهم وشاباتهم حيث ساروا في شوارع القدس ثم اتجهوا إلى حائط البراق وهناك رفعوا العلم الصهيوني وانشدوا أناشيدهم الدينية ونشيدهم الوطني «الهتافات» وأخذوا يهتفون «الحائط حائطنا.. الويل لمن يدنس أماكننا المقدسة، لتسقط الحكومة، وهناك شتم خطباء اليهود رسول الله «والإسلام والأمة الإسلامية مما استفز مشاعر المسلمين وهيج عواطفهم».
وقد وافق اليوم التالي - يوم الجمعة ١٦ أغسطس ۱۹۲۹م - ذكرى المولد النبوي وخرج المسلمون بعد صلاة الجمعة من المسجد الأقصى في مظاهرة اتجهت نحو حائط البراق حيث ألقي الشيخ حسن أبو السعود - أحد شيوخ المسجد الأقصى ومن أشد المقربين للحاج أمين - خطابًا حماسيًا الهب المشاعر، وسرعان ما حطم المتظاهرون منضدة لليهود وأخرجوا الاسترحامان التي وضعوها في خروق الحائط وأحرقوها.
ويذكر الغوري أنه ثبت للعرب بصورة قاطعة أن الحكومة جعلت توزع على اليهود بصورة سرية الأسلحة والعصي الغليظة وانتقل الكثير من أفراد المنظمات العسكرية السرية بأسلحتهم من تل أبيب وغيرها إلى القدس كما أخذت جماعات مسلحة من اليهود تنزل إلى شوارع القدس وكأنهم دوريات من المحتلين.
حوادث قتل:
وفي يوم ١٩ أغسطس طعن عربي يهوديًا طعنة مات على إثرها يوم ۲۰ أغسطس فعاد اليهود للتحرش بالعرب وحدثت اشتباكات أقرب إلى الفردية حتى كان يوم الجمعة ٢٣ أغسطس حينما سري خبر بأن اليهود قتلوا عربيين فهاجت نفوس العرب وما لبثت جموع المسلمين الهائجة أن غادرت ساحة المسجد الأقصى بعد صلاة الجمعة، وقامت بهجوم على اليهود امتد إلى ضواحي المدينة وسرى هذا الهياج إلى القرى المجاورة وانتشرت أخبار الصدامات في كل فلسطين فعمتها المظاهرات والصدامات وتفجرت الثورة في أرجائها، ففي اليوم التالي قتل المسلمون أكثر من 60 يهوديًا في الخليل وجرحوا أكثر من ٥٠ آخرين وهاجم المتظاهرون ثكنة البوليس في نابلس حيث سقط عد كبير من الجرحى وامتدت الاضطرابات إلى بيسان وحيفا ويافا، وهناك في يافا اقتحم اسمه اليهود وعلى رأسهم شرطي يهودي خانكيز بيت إمام مسجد من عائلة عون فقتلوه ويقروا بطنه وحطموا رؤوس ابن أخيه وزوجته وابنه، وبلغ مجموع شهداء أفراد عائلته سنة، كما هاجم اليهود مقام عكاشة في القدس فأتلفوه ودنسوا قبور الصحابة الكائنة فيه، ودمر العرب من جهتهم ست مستعمرات يهودية تدميرًا تامًا.
وفي صفد وصلت إشاعات للمسلمين أن اليهود قد اعتدوا على الحرم وهدموه وأحرقوه فأسرع الناس إلى الجامع الكبير في السوق ليستمعوا إلى أقوال الخطباء فباغتهم مدير البوليس البريطاني الميجر «فردي»، وصعد درجات المنبر وقال بالعربية: «أيها الإخوان لا تصدقوا كل ما قيل، إن اليهود لم يهدموا الحرم وإنما هاجموه واستولوا على البراق وإن حكومتنا لا يمكن أن تصبر على هذا..» ولم تمكنه الجماهير المسلمة من إكمال كلامه وصاح صائحهم: «إلى متى نصبر على ذبح إخواننا في القدس؟ الانتقام.. الانتقام» وصاح قادم من الخارج أن المجاهد أحمد طافش قد قتل فخرج المسلمون من المسجد وهاجموا الحارة اليهودية في صفد، ووصل عدد القتلى اليهود إلى ٢٠ وجرح حوالي ٢٥ وأحرق أو دمر حوالي مئة بيت.
ولم تستطع الحكومة إعادة النظام والهدوء إلا بعد أن جاءت نجدة عسكرية بريطانية من مصر وبعد أن دام القتال حتى نهاية شهر أغسطس.
وكان محصلة ثورة البراق مقتل ۱۳۳ يهوديًا وجرح ۳۳۹ آخرين واستشهد من العرب ١١٦ وجرح ۲۳۲ آخرون.
وقد تفاعلت أحداث البراق خارج فلسطين فقامت المظاهرات الاحتجاجية والتضامنية في سورية والعراق والأردن وأخذ عدد كبير من أهل الأردن يتهيؤون للزحف نحو فلسطين والاشتراك في واجب الجهاد.
أوقفت السلطات البريطانية المئات من الشباب العربي المسلم واعتقلتهم إثر ثورة البراق وأصدرت بحقهم أحكامًا قاسية مصدر ۲۰ حكمًا بالإعدام نفذ في ثلاثة منهم وهم: «فؤاد حجازي عطا الزير محمد جمجوم» أما الباقون فخفف الحكم عنهم إلى المؤيد كما صدر ۲۳ حكمًا بالمؤبد، وحكم على ۸۷ شخصًا أحكامًا مختلفة تتراوح بين 3- ١٥ سنة وبلغ عدد من حكم عليهم من العرب من مجموعه ۷۹۲ رجلًا، وحكم على قرى عربية كثيرة بدفع الغرامات ووضع أكثر الزعماء العرب تحت الإقامة الجبرية، أما الأحكام على اليهود فقد تميزت باللين وبلغ عدد المحكوم عليهم من اليهود ۹۲ شخصًا حكم على يهودي واحد فقط من بينه بالإعدام هو الشرطي خانكيز، قاتل العائل العربية ثم خفف الحكم إلى المؤيد ثم خفض إلى ١٥ عامًا ثم عفي عنه.
«لجنة شو»:
شكلت الحكومة البريطانية لجنة للتحقيق في أحداث البراق، عرفت باسم رئيسها «شو» وقد وصلت إلى فلسطين في ٢٤ أكتوبر ۱۹۲۹ واستمعت إلى ۱۱۰ شهود في جلسات علنية وكان شاهدًا في جلسات سرية وكان من بين الشهود الحاج أمين الحسيني ولم يثبت للجنة أن للمفتي أو للجنة التنفيذية دورًا في تدبير وتنظيم الاضطرابات واعتبرت أن الفرقاء الثلاثة الحكومة والعرب واليهود مسؤولون عن الأحداث وأوصت بتعيين لجنة تحقيق دولية كما أوصد بإيجاد تعليمات أكثر وضوحًا تسترشد به حكومة فلسطين بشأن المسائل الحيوية كالهجر والأراضي.
بناء على توصية لجنة شو تقدمت بريطانيا إلى عصبة الأمم المتحدة طالبة الموافقة على تأليف لجنة لهذا الغرض وقد وافقت العصبة على ذلك على أن تؤلف اللجنة من ثلاثة أشخاص غير بريطانيين وأن يكون أحدهم متضلعًا في القانون وخبيرًا في القضاء، وتم اختيار لجنة من اليل لوفغرن شارلس، بارد وسفان كمين، ووصلت إلى القدس في ١٩ يونيو ۱۹۳-۰م وأقامت شهرًا وعقدت خلال إقامتها ۲۳ جلسة واستمعت إلى ٥٢ شاهدًا ٢١ منهم من اليهود و۳۰ عن المسلمين وموظف بريطاني واحد، وأبرز المسلمون خلال الجلسات ٢٦ وثيقة وأبرز اليهود ۳۵ وثيقة وقد انتهت اللجنة من تقريرها في ديسمبر ۱۹۲۰م ووافقت بريطانيا وعصبة الأمم على استنتاجاتها فأصبحت بالتالي وثيقة دولية مهمة.
وتلخصت استنتاجاتها في أن للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي ولهم وحدهم يعود الحق العيني فيه لكونه جزءًا لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف التي هي من أملاك الوقف وللمسلمين أيضًا تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة لأن وقف أيضًا وذكرت أن لليهود حرية السلوك للحائط الغربي لإقامة التضرعات في جميه الأوقات مع مراعاة الشروط في عدم جلب أي أدوات عبادة إلى جوار الحائط كما لا يسمح لليهود بنفخ البوق «الشوفار» بالقرب من الحائط ولا أن يسببوا أي إزعاج للمسلمين يمكن تحاشيه.
وبعد هذه الحقائق يأتي من الرؤساء العرب من يسمي حائط البراق بحائط المبكى وليسمع لليهود أن يصلوا فيه!!