; حادث الاختطاف رسالة موجهة إلى النظام الحاكم | مجلة المجتمع

العنوان حادث الاختطاف رسالة موجهة إلى النظام الحاكم

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1993

مشاهدات 129

نشر في العدد 1075

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 16-نوفمبر-1993

على المؤسسة العسكرية أن تنسحب من الساحة السياسية وتفسح المجال لنظام وطني عبر مصالحة بين القوى السياسية

الجالية الفرنسية سوف تدفع ثمن مساندتها لنظام غير شرعي. عادت الجزائر مرة أخرى إلى صدارة الأحداث في وسائل الإعلام العربية والدولية بعد التطورات الأخيرة التي أدخلت الصراع الحالي القائم بين النظام والمعارضة الإسلامية المسلحة في دوامة جديدة ذات أبعاد استراتيجية تلامس المستقبل السياسي لهذا البلد المغاربي وعلاقته مع محيطه الخارجي.

عملية غامضة

وكانت مجلة «المجتمع» قد تساءلت في عددها 1071 «هل يتوقف قريبًا نزيف الدم في الجزائر؟» وجاء في خاتمة المقال «أن الباب مفتوح على كل الاحتمالات والأيام حُبلَى بكل المفاجآت».. وبالفعل كانت عملية اختطاف ثلاثة موظفين في القنصلية الفرنسية بالجزائر واحتجازهم كرهائن الحدث الرئيسي الذي شد انتباه الرأي العام في الداخل والخارج.

وغطى على مسار المصالحة والحوار الوطني الذي انطلق في الفترة الأخيرة بَيْدَ أن الطريقة التي تمت بها عملية إطلاق سراح الرهائن والغموض الذي يكتنفها زادا الوضع تعقيدًا. وهناك العديد من التساؤلات التي لم تجد جوابًا بعد. مثل ما هي الدوافع الحقيقية وراء اختطاف الفرنسيين ثم إطلاق سراحهم وعدم قتلهم؟ وما هوية المختطفين؟ ما هي الرسالة التي يريدون إبلاغها للسلطات الجزائرية من ناحية وللسلطات الفرنسية من ناحية أخرى؟ هل وقعت مساومات في الكواليس من أجل إطلاق سراح الرهائن؟

ويبدي العديد من المراقبين شكوكًا كبيرة حول الرواية الجزائرية الرسمية واتِّهام الحركة الإسلامية المسلحة بالاختطاف ومقتل المختطفين بعد مطاردة رجال الأمن لهم، في حين يرى البعض بأنه قد تكون هذه الحركة قد غيرت سياستها في التعامل مع الأجانب المقيمين على التراب الجزائري واستعمالهم من هنا فصاعدًا كورقة ضغط على النظام لكي يتراجع عن الحل «الأمني» الذي اعتمده في معالجة مسألة المعارضة الإسلامية التي حصلت على أغلبية الأصوات في الانتخابات التشريعية في عهد الشاذلي بن جديد قبل الانقلاب على المسار الديمقراطي وفرض نظام عسكري في حقيقته.

والشيء الذي أثار الانتباه أيضًا في الأحداث الأخيرة هو توقيتها. إذ تم إطلاق سراح الرهائن قبيل عيد القديسين في فرنسا وفي الغرب المسيحي وقبيل الذكرى الـ 39 لانفجار الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي يوم 1/11/1954 وهو تاريخ هام يرمز لدى الجزائريين إلى الشرارة الأولى للانعتاق من كابوس القهر والظلم ولانبثاق فجر الحرية الكرامة في حين يرمز بالنسبة للفرنسيين إلى يوم أسود في تاريخهم لأنه يذكرهم في الجحيم الذي لقوه في هذا البلد منذ انطلاق الثورة وفي خيبة أملهم في أن تتحول الجزائر يومًا ما إلى قطعة من فرنسا. وللتذكير فإن «مانداس فرانس» اليهودي الذي كان يشغل رئيس المجلس صرح يوم 12/11/1954 بأن «الجزائر هي فرنسا». وأضاف: لا تصالح عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن وحدة كيان الجمهورية.

مراجعة المسار الخاطئ

ويمكن تفسير ما حدث بأن المختطفين أرادوا تبليغ رسالة واضحة إلى السلطات الفرنسية وهي أن الجالية الفرنسية المقيمة في الجزائر قد تدفع مستقبلًا ضريبة مساندتها لنظام غير شرعي وأن هذه هي الفرصة الأخيرة لتَدَارُك الأمر ومراجعة سياستها قبل أن يصبح الفرنسيون مستهدفين كما كانوا في عهد الاستعمار.

أما الرسالة الموجَّهة للسلطات الجزائرية.. فهي على وجه الخصوص قادرة على إحداث ارتباك في العلاقة بين النظام الجزائري وحليفه الرئيسي الطرف الفرنسي وأنه لا خيار أمام المؤسسة العسكرية التي تحمي المجلس الأعلى للدولة إلا أن تلتزم حدودها وتنسحب من الساحة السياسية لتفسح المجال أمام قيام نظام وطني عبر مصالحة بين القوى السياسية الفاعلة وإلا فإن ثورة مثل ثورة نوفمبر «تشرين الثاني» 1954 ستنفجر بقوة وتأتي على الأخضر واليابس.

والمهم أن ما حدث أخيرًا في الجزائر يعد محطة رئيسية في المسار السياسي الجزائري الحالي إذ إن مثل هذه المستجدات ستدفع كل الأطراف إلى مراجعة سياساتها والتحلِّي بمزيد من الواقعية في معالجة القضايا المطروحة وقد ارتفعت بعض الأصوات في فرنسا وحتى خارجها تنادي بإعادة النظر في بعض التصورات لواقع الحياة السياسية الجزائرية.

أخطاء الحكومة الفرنسية بحق الجزائر

فقد كتبت «آني كريفال» في صحيفة «لوفيغارو» 3/11 تقول: «نحن لسنا في حالة حرب مع جبهة الإنقاذ» وترى أن «الأولوية في منع الصراعات بين الأجنحة الجزائرية على الأرض الفرنسية» واعتبرت أن الحكومات الاشتراكية الفرنسية ارتكبت في تعاملها مع الشأن الجزائري أخطاء أربعة. الأول: اعتبار الحكومات الجزائرية ديمقراطية. الثاني: تبرير ممارسات هذه الحكومات بالقول إن جبهة الإنقاذ هي مجموعة من الفاشيست. الثالث: ثقة الحكومات الفرنسية المتعاقبة في جبهة التحرير الجزائرية التي قاومت فرنسا في الأساس. الرابع: اعتبار أن القمع سينهي المشكلة السياسية التي طرحها انتصار الإسلاميين.

وتساءلت: والآن ما العمل؟ واجب الحكومة الفرنسية ضمان سلامة رعاياها ثم عدم الدخول في الدوامة الجزائرية مع مساعدة التوجهات الإيجابية ومساعدة الجزائريين المقيمين في فرنسا على عدم السقوط في فخ التطرف.

وفي مقال في صحيفة الحياة 11/3 يسأل عضو مجلس العموم البريطاني ساريل تاوسن ما إذا كان لهذه الدولة التي يصفها بـ «المهمة للغاية من دول المغرب العربي وذات شأن ونفوذ في العالم النامي».. أن تعود إلى النظام الديمقراطي المستقر أو تصبح دولة إسلامية على غرار إيران، ويشير تاوسن إلى احتمال ثالث وهو انزلاق الجزائر تدريجيًّا إلى حالة الفوضى والقمع الدموي ويعرب عن اعتقاده أن الوضع في الجزائر سيبقى على ما هو عليه إلى سنوات عدة مقبلة.

ويختم بقوله: «إنه من السهل على أي أجنبي أن يلقي اللوم على الجبهة الإسلامية للإنقاذ في إقحام الجزائر في المعضلة الراهنة وعلى النظام الحالي بعجزه عن إخراجها منه.. والأصعب أن يتصور المرء السبيل الذي يمكن للجزائر أن تسير فيه إلى مستقبل يحفل بالسلام والديمقراطية والازدھار».

ولا شك أن الحوار الذي انطلق بين السلطة في الجزائر وبقية القوى السياسية في المعارضة سيأخذ مساره الطبيعي مع مرور الوقت خاصة وأن حركة التجمع الإسلامي «حماس» التي يرأسها الشيخ محفوظ النحناح وحركة النهضة برئاسة الشيخ جاب الله وحزب التحرير الجزائري من القوى الضاغطة لدفع الحوار إلى أقصاه نحو مصالحة وطنية لكن إلى متى يمكن أن يبقى الرقم الصعب في المعارضة متمثلاً في الجبهة الإسلامية للإنقاذ مهمشاً عن الحوار.

 

الرابط المختصر :