; حادث المنشية وعقدة الذنب | مجلة المجتمع

العنوان حادث المنشية وعقدة الذنب

الكاتب د عبد الله رشوان

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يناير-1987

مشاهدات 111

نشر في العدد 800

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 13-يناير-1987

من الوقائع المنشورة في العدد السابق نستخلص جملة حقائق، لا يختلف عليها اثنان من رجال القانون والقضاء والعدالة، وهي: 

أولًا: الأعيرة النارية التي أُطلقت في حفل المنشية لم يثبت إنه قصد بها الاعتداء على جمال عبد الناصر وصاحبها مجهول لليوم. 

ثانيا: بالنسبة إلى محمود عبد اللطيف لم يثبت إنه هو الذي أطلق الأعيرة أو إنه أراد قتل عبد الناصر. ومن قال بغير هذا نطالبه بالدليل، والدليل لا يمكن أن يكون إلا من خلال تحقيق صحيح تولته النيابة العامة ومحاكمة عادلة تولاها قضاة أصحاب اختصاص وطبقًا لأحكام القانون وإجراءاته حتى صدور حكم نهائي بالإدانة. وهذا وحده هو سبيل ثبوت مثل هذا الاتهام. والقاعدة أن «المتهم بريء حتى تثبت إدانته» و «الحكم النهائي» يعد عنوان الحقيقة ودليل ثبوت الإدانة أو البراءة، وبغير هذا الطريق القانوني المحكم فلا إدانة على أحد، لا بالنسبة لمحمود عبد اللطيف ولا غيره. 

والبراءة تبقى ثابتة للمتهم مهما نسب إليه من أفعال أطلقتها أجهزة النشر أو رددتها الأقوال والشائعات والخطب المتناثرة. وليس في حادث المنشية أي تحقيق أو محاكمة من هذا القبيل ولو كانت السلطة الحاكمة أرادت العدل وإظهار الحقيقة لا تبعث الطريق الذي رسمه القانون القائم في الدولة، ولكنها أرادت القتل والبطش والتنكيل بالإخوان متذرعة بحادث المنشية وما سبقه من تحرشات.

ثالثًا: وإذا كانت البراءة هي الأصل في الإنسان ولا تحتاج إلى دليل وأن الإدانة على خلاف الأصل وتحتاج إلى دليل قاطع من حكم نهائي تتوفر فيه جميع شروط الأحكام، فإننا نزيد أمر البراءة وضوحًا فضلًا عن أنها الأصل فنقول إن الشواهد والقرائن تقطع بأن من أطلق الأعيرة في حفل المنشية لو كان يقصد قتل عبد الناصر الصوب سلاحه إليه وكان قريبًا منه وفي مواجهته فيصيبه أو حتى يصيب من حوله، وهو ما لم يحدث، بل أطلقت الأعيرة في الهواء وإلى أعلى وأصابت لمبات كهربائية معلقة فوق رؤوس الحاضرين.

رابعًا: ولو تجاوزنا عن كل الحقائق السابقة وافترضنا جدلًا «وهو فرض غير صحيح» أن محمود عبد اللطيف هو الذي أطلق الأعيرة النارية في حادث المنشية وإنه وجهها إلى جمال عبد الناصر بقصد قتله وإنه جرى معه التحقيق القانوني السليم ثم المحاكمة العادلة بضماناتها حتى الحكم النهائي الذي أدانه فإنه ما كان يقضى عليه في أسوأ الأحوال إلا بسنوات قليلة يقضيها في السجن ويشاركه من حرضه أو ساعده أو اتفق معه على ذلك، لأن حادث المنشية لو إنه ثبت بكل أركانه فإنه طبقًا للقوانين المعمول بها لا يكون إلا جريمة شروع في قتل عن فعل قصد صاحبه به القتل ولكن خاب أثر الجريمة لسبب لا دخل لإرادته فيه. 

خامسًا: بعد محمود عبد اللطيف نجد باقي الشهداء أبرياء من حادث المنشية تمامًا وبغير دليل إدانة واحد، ولا صلة لهم به. ومن يقول بغير هذا نطالبه بتقديم هذا الدليل والدليل وسنده يعرفه أهل الاختصاص والعلم ورجال القانون والقضاء، لا أهل الشائعات والفهم السطحي. 

سادسًا: ننتهي إلى الحقيقة الرهيبة والتهمة الخطيرة التي لا زالت قائمة ولا تسقط بالتقادم وتنتظر الحكم العادل، وهي أن محمود عبد اللطيف وباقي الشهداء الستة الذين أُعدموا فجر الثلاثاء ٧ ديسمبر ٥٤ إنما قتلوا قتلًا مع سبق الإصرار والترصد والترتيب والتدبير، أي جريمة قتل كاملة الأركان وبظروفها المشددة.

ويلحق بهم كشهداء مجني عليهم من قتلوا سرًا وعلنًا، وكذلك عشرات الألوف ممن عانوا القهر والظلم والتعذيب في السجون والمعتقلات على سنوات طويلة وفترات متعاقبة.

سابعًا: وجريمة القتل هذه أدلتها وقرائنها ثابتة من الوقائع والوثائق الرسمية التي بدأ مسارها بعد أزمة مارس ٥٤ بمذكرة الإخوان التي قدموها لعبد الناصر في ٢ أغسطس ٥٤ تعقيبًا على المبادئ الأساسية التي وقعها عبد الناصر مع بريطانيا في ٢٧ يوليو ٥٤ كأساس للاتفاقية التي وقعت بعد ذلك في 19 أكتوبر ٥٤ «وكنت ممن أعدوها وسلموها» ثم رد عليها عبد الناصر في خطاب عام قال فيه أن هؤلاء

الذين يعارضون مبادئ الاتفاقية «وكانوا الإخوان وحدهم» هم المضللون الخونة ولو خيرت أن تكون الثورة حمراء أو عرجاء لفضلت أن تكون حمراء وستكون حمراء وأخذ هذا التهديد مساره الفعلي بالصدام الدموي مع الإخوان كما حدث بمسجد الروضة عقب صلاة الجمعة يوم ١٠ سبتمبر ٥٤ وتحديد إقامة بعض قادة الإخوان ثم اعتقالهم كالشهيد عبد القادر عودة، وتوالت الاعتقالات إلى أن جاءت أعيرة الهواء أو حادث المنشية الذي استغل كذريعة خداعية، وفتح السجن الحربي ليبتلع عشرات الألوف من الضحايا ثم جاء قرار مجلس قيادة الثورة بتشكيل محكمة الشعب وقانونها الهزلي وجلساتها المزرية وأحكامها الظالمة ثم تصديق مجلس الثورة عليها وتنفيذها على الوجه السابق بيانه ثم توالت هذه المظالم. 

ثامنا: أن الذين ارتكبوا جريمة قتل هؤلاء الشهداء هم كل من شارك في هذه المأساة، بالتخطيط والتدبير والقرار والحكم والتنفيذ والمساعدة، من رأس قائمة الجناة إلى ذيلهم ومن يفلت منهم في دنيا الناس فرب الناس حي لا يموت وعقابه أليم، ﴿وَسَیَعۡلَمُ ٱلَّذِینَ ظَلَمُوۤا۟ أَیَّ مُنقَلَبࣲ یَنقَلِبُونَ (الشعراء: 227).

● لا ذنب لهم إلا أن قالوا ربنا الله.

● كل الشواهد والقرائن تقطع بأن من أطلق الأعيرة في حفل المنشية لم يصوبها نحو عبد الناصر وإنما وجهها نحو اللمبات الكهربائية. 

وأخيرًا أقول للأستاذ هيكل أن الخطاب الذي جئت به منسوبًا للأستاذ الهضيبي مع رفيع عبارته وكريم أسلوبه فقد كتبه -رحمه الله- في ذات الظروف التي كتب فيها محمود عبد اللطيف خطابه الذي سميته اعترافًا، وبدل هذه الخطابات فاقدة القيمة كاعترافات كان الأولى أن تسجل ولو بعض خطابات الأستاذ الهضيبي التي كان يطالب فيها الحكام بالحرية الكاملة للشعب وبالحياة النيابية السليمة، منذ بیانه المنشور في أول أغسطس ٥٢ عقب حركة الجيش في ٢٣ يوليو بأسبوع، وحتى خطابه الذي أرسله لعبد الناصر قبل حادث المنشية بشهر واحد «سبتمبر ٥٤» والذي قال له فيه: 

أريد أن أبصرك بأن هذه الأمة قد ضاقت بخنق حريتها وكتم أنفاسها، وإنها في حاجة إلى بصيص من نور يجعلها تؤمن بأنكم تسلكون بها سبل الخير وأن غيركم يسلكون بها سبل الشر والهدم والتدمير إلى آخر ما تنسبون إليهم.

إن الأمة في حاجة الآن إلى القوت الضروري، القوت الذي يزيل عن نفسها الهم والغم والكرب، إنها في حاجة إلى حرية القول، فمهما قلتم إنكم أغدقتم عليها من خير فإنها لن تصدق إلا إذا سمحتم لها بأن تقول أين الخير وسمحتم لها بأن تراه، ومهما قلتم إنكم تحكمونها حكمًا ديمقراطيًا فإنها لن تصدق لأنها محرومة من نعمة الكلام والتعبير عن الرأي وأن تعطوا أنفسكم الحق في الكلام وتحرموا الناس منه وتفرضون آراءكم بالثبوت على الأمة فشيء لا يعقله الناس ولا ترضاه الأمة أيها السيد: إن الأمة قد ضاقت بحرمانها من حريتها فأعيدوا إليها حقها من الحياة، ولعل الذي حملك على إبداء العداوة والبغضاء للإخوان المسلمين هو إنهم عارضوا المعاهدة، فالإخوان المسلمون لن يؤمنوا بها دون أن تناقش في برلمان منتخب انتخابًا حرًا يمثل الأمة أكمل تمثيل. وخير لكم وللأمة ألا تخدعوا أنفسكم عن الحقائق، فإن الأمة قد بلغت من حسن الرأي ومن النضج مبلغًا يسمح لها بأن لا يتصرف أحد في شؤونها دون الرجوع إليها والأخذ برأيها»

هذه هي الوثائق الصحيحة وأسانيد التاريخ، لا ما أخذ في ظل التعذيب والقهر يا

سيد هيكل.

وردي هذا مجرد إطلالة بسيطة على حادث «المنشية»، وقليل من كثير من حقائق التاريخ الثابتة. 

ويوم يرفع الغطاء عن الوقائع والحقائق الحبيسة ستعلم الأجيال حقيقة تاريخها وستعيد تقييم مواقف جميع الرجال وأشباه الرجال ممن عاصروا تلك الأحداث، وستضع كلّا منهم في مكانه الصحيح، وستعرف كيف تحمى نفسها مستقبلًا من أن يعصف بها ظالم أو يبطش بها طاغية تحت ستار الخداع والتضليل وأهازيج البطولة المزيفة، ودفوف المنافقين، والوصوليين، والانتهازيين.

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 97

473

الثلاثاء 25-أبريل-1972

رفقًا بعقولنا!

نشر في العدد 81

139

الثلاثاء 12-أكتوبر-1971

أكثر من موضوع (العدد 81)