العنوان حاكميّة الله بين علمانية الدكتور خلف الله وبابوية الدكتور عمارة
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر الأربعاء 04-مايو-1983
مشاهدات 75
نشر في العدد 620
نشر في الصفحة 32
الأربعاء 04-مايو-1983
نشر
الدكتور محمد عمارة كتابه «الإسلام والسلطة الدينية»، وهو ما نقلت عنه جريدة الوطن
مقالين تضمنا رأيه في الحكم الإسلامي ويخلص في الآتي:
1-
إذا قلنا إن السلطة لله كانت دينا ووحيًا، ومن ثم كانت سلطة دينية وكان متوليها حاكمًا
بالحق الإلهي المقدس ونائبًا عن الله.
2-
إن السلطة التي يزعم أربابها أن الحاكم في السياسة والاقتصاد هو الله، تحدد بأنها باسم
الله ونيابة عنه لا عن الناس.
3-
إن آيات الحكم في القرآن والسنة النبوية تعني القضاء والفضل بين الخصومات، وليس نظام
الحكم أو السياسة.
بين الصهيونية والمغالطات الدينية:
لم
يكن الدكتور عمارة أول من يغالط الناس في أمر الحكم الإسلامي، فمن قبله أصدر الشيخ
خالد محمد خالد كتابه «من هنا نبدأ» عام ١٩٥٠، وردد أقوال اليهود الذين أسقطوا الخلافة
الإسلامية بعد كمال أتاتورك وحزبه الماسوني، وهي الأقوال التي تبناها الشيخ علي عبدالرازق
في كتابه: «الإسلام وأصول الحكم».
غير
أن خالد محمد خالد قد عدل عن هذا التيار بعد أن أيقن هذا الخطأ وهذا الارتباط بالأعداء
وعلى رأسهم اليهود ونشر ذلك في كتاب صدر عام ۱۹۸۲ باسم «الدولة في الإسلام» فكان مما قاله: «لعل
أول خطأ تغشى منهجي كان تأثري الشديد بما قرأته عن الحكومات الدينية التي قامت في أوروبا
وابتكروا وسائل التعذيب التي لا تخطر للشيطان نفسه ببال، والإسلام حتى في فترات استغلاله
من بعض الخلفاء لم يمنح إياهم سلطة بابوية كهنوتية» (ص ۹ و۱۲).
ولكن
محمد عمارة ومن قبله محمد خلف الله يصران على حمل هذه الرسالة التي قال عنها صاحبهما
إنها رسالة الشيطان؛ حيث يزعمان أن الحكم الإسلامي هو حكومة دينية مثل حكومة الكهنوت
في أوروبا، وإذا جاز للرجلين أن يحملا ما يريدان من الفكر اليهودي أو العلماني أو غير
ذلك، ولكن ليس لهما أن يزعما أن الحكم الإسلامي هو حكم الكهنوت، وليس لهما أن يظهرا
نفسيهما في هذه المقالات بمظهر المدافع عن الإسلام وأن يظهرا من خالف هذا الخلط والتخبط
في مظهر المتطرف الذي يسيء إلى الإسلام ويضر بالمسلمين. (كما جاء في «الوطن» بتاريخ
۱۹/۱۱/ ۱۹۸۲ و۱۸/۳/۱۹۸۳).
الوقائع بين الحقيقة والخيال
إذا
كان الدكتور محمد خلف الله قد ارتدى مسوح الرهبان في مقالته بالوطن وبمجلة العربي،
وتظاهر بالدفاع عن الإسلام، فإن أقواله ومذكراته في الندوة الفكرية التي نظمها مركز
دراسات الوحدة العربية تظهر حقيقته، الأمر الذي لا يقبل منه أن يتحدث عن الإسلام أو
باسمة كعالم ومفسر.
لقد
نشر هذا المركز كتابًا باسم «القومية العربية والإسلامية» صدر عام ١٩٨١، يظهر هذه الحقيقة،
فقد جاءت فيه أقوال للدكتور محمد خلف الله تعقيبا على من يربط القومية العربية بالإسلام
ومنها قوله:
1-
إن هذا يؤدي إلى أن يتنازل أصحاب القومية العربية عن استقلالهم عن الإسلام، وهذا الأمر
لا يمكن التنازل عنه وإلا أضاع القوميون الجزء الأكبر والهام من مقومات القومية وهما
اللغة والتاريخ، وهذا القول يقيد حتمية استقلال القومية العربية عن الإسلام فلا يلتزم
أصحابها بأخلاقه وتشريعه وأحكامه.
2-
وقال: كما يطلب منهم للربط بين الإسلام والقومية العربية أن يتنازلوا عن العلمانية،
وهو الآخر لا يمكن أن تتخلى عنه القومية العربية.
ثم
يقول الدكتور خلف الله: »إن ممارسة الحياة على أساس من العلمانية (أي اللادينية) تمنح
المجتمع حرية وانطلاقًا في تحقيق الصالح العام على أساس من الحضارة العلمية أكثر مما
يمنحه الإسلام». ص ٥٥ من الكتاب المذكور.
عمارة والتقرب لليهود
أما
الدكتور محمد عمارة في كتابه «الإسلام والوحدة الوطنية» الصادر عن دار الهلال ۱۹۷۹ فيقول: إن اليهود والنصارى في الجنة بموجب أحكام
القرآن -في زعمه وفهمه المريض- ويرى أن الفارق بين المسلمين واليهود كالفارق بين العاملين
بالكتاب والسنة والمبتدعين. (ص 113-114).
وقد
تجرأ ونسب إلى الطبري والقرطبي وغيرهما ما يظن أنه يؤيد رأيه، بعد أن نقل شطرًا من
كلام المفسرين وحذف الباقي، وقد فصلت الرد على هذا الضلال في كتابي «السنة المفتري
عليها» بالفصل السابع والتاسع لهذا فليس غريبًا عليه أن يزعم أن آيات الحكم في القرآن
التي نحن بصدد الحديث عنها قد أجمع أئمة المسلمين وعلماء تفسير القرآن الكريم على أنها
نزلت في أهل الكتاب وفي اليهود على وجه التحديد.
لا
جدال في أن قول الله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ
عَنْهُمْ﴾ (المائدة:42).. إلى قوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ
التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ (المائدة:43) قد نزلت في يهود ارتكبوا جريمة الزنا
ثم تآمروا على سؤال النبي صلى الله عليه وسلم على عقوبة ذلك لأنهم كانوا قد بدلوا حكم
التوراة، ووضعوا حكمًا آخر للزنا غير الرحم فنزلت هذه الآيات، ولكن ليس صحيحًا أن باقي
هذه الآيات خاص باليهود، فقول الله تعالى ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ
فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:44) وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ
يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ
اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (المائدة:48)،
وقوله عز وجل: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ
أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة:50) كل هذه الآيات الحكم
فيها عام وليس خاصًا بفئة من الناس.
إن
كل صبي من صبيان العلماء يدرك أن الآيات تعنى أن القرآن مهيمن على الكتب السابقة، وأنه
قد نزل للحكم به سواء فيما بين المسلمين أو على اليهود وغيرهم أن تحاكموا إلى محاكم
المسلمين أو كانوا من رعايا الدولة الإسلامية والقاعدة أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص
السبب.
انحرافات عمارة
إن
أهم انحرافات الدكتور عمارة في بحثه المنشور بالوطن هي:
1-
غالط فخلط بين التشريع الإسلامي الذي هو من عند الله والسلطة السياسية التي يتولاها
الحكام، فزعم أن من ينادي بحاكمية الله يريد حكومة دينية الحاكم فيها معين من الله
ويحلل ويحرم كما يشاء ولا يملك الناس أن يعزلوه أو يحاسبوه كما كان الحال في ظل حكومة
الكهنوت في أوروبا.
2-
غالط فرغم أن مفهوم الحاكمية لله يعني الحكومة الدينية سالفة الذكر، وهو يعلم أن الحاكمية
في المفهوم الإسلامي في التشريع والقضاء، وأنه لا كهنوت في الإسلام.
3-
غالط فزعم أن من ينادي باحتكام الناس للإسلام في السياسة والاقتصاد إنما ينادي بالحكومة
الدينية في أوروبا، وهو يعلم أن هذه الحكومة لا وجود لها في التشريع الإسلامي ولا بين
المسلمين، ويعلم أن العلماء المعاصرين الذين نقل عنهم مثل المودودي وسيد قطب قد صرحوا
في كتبهم أن الحاكم يعين من الناس بالاختيار، وهم يملكون حق عزله ومحاسبته خلافا لحكومة
الكهنوت في أوروبا.
4-
غالط فادعي أن آيات الحكم في القرآن والسنة تفيد القضاء والفصل بين الناس في الخصومات
ولا تتضمن السلطة السياسية وهو لا يجهل أمورا منها:
أ-
أن آيات الحكم منها ما يتعلق بالفضاء ومنها ما يتعلق بالتشريع، ففي التشريع قال الله
تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ (المائدة:50) ويقول: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
(المائدة:44).
ب
- أن الأحكام الواردة في القرآن والمخاطب بها الأنبياء لم تنزل إليهم بصفتهم قضاة في
غير سلطة سياسية أو قضاة في سلطة جاهلية بل نزلت إليهم بصفتهم حكاما بين الناس في الدولة
التي أقاموها، قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ﴾ (ص:26).
جـ-
أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم بين الناس بصفته رئيسا للدولة وصاحب السلطة السياسية
وليس بصفته حكما مختارًا من نفر أو قبيلة قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ
الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (النساء:105)
وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (التوبة:103)
وقال لنبيه: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ
عَلَيْهِمْ﴾ (التحريم:9).
د-
إن السنة النبوية تفصح عن هذه السلطة فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما بعث معاذ بن
جبل إلى اليمن قال له: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول
الله. قال: إن لم تجد؟ قال: أجتهد برأیی.
فكان
معاد مبعوثًا قاضيًا من قبل النبي بصفته رئيسا للدولة التي تضم من بين أوطانها إقليم
اليمن، والحديث النبوي يحدد مصادر التشريع والأحكام، ولكن من قال إن اليهود بمثابة
فرقة من المسلمين.. لا يصعب عليه أن يكمل هذه الرسالة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل