العنوان حالة العالم الإسلامي: المجتمع (2145)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأربعاء 01-يوليو-2020
مشاهدات 83
نشر في العدد 2145
نشر في الصفحة 36
الأربعاء 01-يوليو-2020
سيتراجع إلى 30 مليار دولار نهاية العام المالي الحالي
الاحتياطي الأجنبي المصري إلى تراجع كبير.. الأسباب والحلول
المستثمرون الأجانب باعوا ما يزيد على نصف حيازتهم من أذون الخزانة في مارس
متوسط الواردات السلعية 5.5 مليار دولار شهرياً ونقترب من حالة الخطر بشدة إذا لم تتخذ الحكومة إجراءات عاجلة
التخفيضات في الدعم ستمس بصورة رئيسة الشريحة الفقيرة و60% من المصريين سيكونون تحت خط الفقر
كل الدول قدمت حِزَم مساعدات لجانبي العرض والطلب بالاقتصاد لكن الحِزم التي قدمت للعمالة المصرية واهية للغاية
«المجتمع»- طارق الشال:
شهد الاحتياطي الأجنبي المصري مزيداً من التراجع خلال شهرين متعاقبين بقيمة 8.5 مليار دولار، بعد أن سجل تراجعاً بلغ نحو 5.4 مليار دولار خلال مارس الماضي ليزيد من حصيلة خسائره نحو 3.1 مليار دولار في أبريل الذي أعقبه؛ ليصبح إجمالي ما تملكه مصر من احتياطي أجنبي هو 37.037 مليار دولار، هبوطاً من 45.5 مليار دولار في نهاية فبراير 2020م.
أرجع البنك المركزي المصري، في بيان نشره على موقعه الإلكتروني، انخفاض رصيد الاحتياطي من النقد الأجنبي بنسبة 18.6%، خلال شهري مارس وأبريل الماضيين، إلى تداعيات انتشار فيروس «كورونا» على الأسواق العالمية، التي على أثرها تواصلت عمليات التخارج لاستثمارات الصناديق المالية الأجنبية من الأسواق الناشئة.
وبحسب أرقام البنك المركزي، تراجع صافي الأصول الأجنبية ببنوك البلاد 162.12 مليار جنيه (10.33 مليار دولار) في مارس.
كما أظهرت بيانات موقع البنك المركزي أن المستثمرين الأجانب باعوا في مارس ما يعادل 149.3 مليار جنيه مصري (9.5 مليار دولار) من أذون الخزانة، بما يزيد على نصف حيازتهم.
وبحسب تقرير لوكالة «موديز» للتصنيف الائتماني، فإن احتياطي مصر من النقد الأجنبي سيتراجع إلى نحو 30 مليار دولار بنهاية العام المالي الحالي، نظراً للاحتياج المتزايد للتمويل الخارجي، وضعف تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية.
وتوقعت الوكالة اتساع عجز الحساب الجاري بنحو 4.5% كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية العام المالي الحالي؛ نظراً لانخفاض إيرادات السياحة والسفر والتحويلات الأجنبية.
وأنفقت البنوك المركزية في الأسواق الناشئة الكبيرة 240 مليار دولار من احتياطيها الأجنبي خلال الشهرين الماضيين، في محاولة لدعم أسعار عملاتها واقتصاداتها في مواجهة «كورونا».
أسباب تراجع الاحتياطي
إلا أن واقع الاقتصاد المصري يصطدم بمجموعة من المتطلبات التي يعد أبرزها سداد التزاماتها الخارجية من مديونيات خارجية، في وقت بلغ فيه الدين الخارجي نحو 112.6 مليار دولار في نهاية عام 2019م، بالإضافة إلى احتياجاتها من النقد الأجنبي لتلبية متطلبات الواردات.
ويرى الخبير الاقتصادي، أحمد ذكر الله، أن مصر تعتمد على مجموعة من مصادر الدخل الأجنبي التي يمكن أن نسميها المصادر شبه الريعية؛ مثل إيرادات السياحة، وتحويلات العاملين بالخارج، وإيرادات قناة السويس، مؤكداً أن هذه الثلاثية تضررت بشدة بعد جائحة «كورونا»؛ وبالتالي الدولة المصرية كان من الطبيعي أن تلجأ إلى الاحتياطي النقدي الأجنبي لسداد ما عليها من التزامات، سواء تجاه المستثمرين الأجانب أو احتياجاتها من الواردات، خاصة أن مصر مستورد صافٍ للسلع الأساسية مثل القمح.
وأضاف ذكر الله، في حديثه لـ «المجتمع»، أنه وفقاً لتلك المعطيات، فمن المنطقي أن نجد تراجعاً مستمراً في الاحتياطي الأجنبي لمرتين على التوالي، مضيفاً أن البنك المركزي اعتمد على البنوك المحلية -لا سيما الحكومية منها- في سداد فاتورة المستثمرين الأجانب في أدوات الدين المحلية التي نزح ما يقارب نصفها أو أكثر من نصفها خلال الفترة الماضية إلى الخارج.
كما يتم استخدام الاحتياطي في سداد ما على مصر من أقساط وفوائد القروض الخارجية التي تبلغ نحو 18.5 مليار دولار خلال عام 2020م، بالإضافة إلى أن مصر ملتزمة بسداد دفعة أولى لـ «إسرائيل» تقارب ملياري دولار؛ نتيجة صفقة الغاز الممتدة لمدة 10 سنوات، التي تبلغ إجمالاً نحو 19.5 مليار دولار؛ وبالتالي يصبح ما على مصر إجمالاً خلال عام 2020م بخلاف الاستثمار في أدوات الديون يبلغ نحو 20.5 مليار دولار.
وأكد الخبير الاقتصادي أن النصيب الشهري للواردات المصرية يقارب 70 مليار جنيه؛ أي نحو 5 مليارات دولار شهرياً، التي نقص منها إلى حد ما مخصصات استيراد البترول نتيجة انخفاض أسعاره عالمياً، ولكن تبقى فاتورة الواردات إلى حد كبير كما هي.
من جانبه، أكد الباحث الاقتصادي، محمد عباس، في حديثه لـ «المجتمع»، أن الاحتياطي لأي دولة يتم تقييمه من خلال نسبته للواردات السلعية، فعلى سبيل المثال؛ خلال عام 2018م كان المتوسط العالمي للاحتياطي النقدي الأجنبي لكل دول العالم يكفي لنحو 10 أشهر، إلا أن مصر كان متوسط الاحتياطي الأجنبي بها يكفي لنحو 8 أشهر فقط.
وأشار عباس إلى أن متوسط الواردات السلعية 5.5 مليار دولار شهرياً؛ أي أن بلوغ الاحتياطي الأجنبي 37 مليار دولار يعني أنه يكفي لأقل من 7 أشهر؛ وبالتالي نحن نقترب من حالة الخطر بشدة إذا لم تتخذ الحكومة إجراءات عاجلة، مضيفاً أن حديث الحكومة عن توافر احتياطي لسد نحو 3 أشهر يكفي للبلاد ليس بالأمر الصحيح في ظل ما نشهده من تطور للأحداث بصورة كبيرة.
تمويل النقد الأجنبي
دفع تراجع الاحتياطي النقدي الأجنبي مصر إلى اللجوء إلى الاقتراض، وبالفعل وافق صندوق النقد الدولي من خلال آلية التمويل السريع على قرض بحوالي 2.7 مليار دولار، الذي يمثل نسبة 100% من حصة مصر في المشاركة بالصندوق، كما أن مصر تتفاوض مع الصندوق على قرض آخر من التمويل الميسر بنحو 5.6 مليار دولار، وتتيح تلك الآلية تمويلاً بمقدار 200% من حصة مشاركة مصر في الصندوق ليبلغ ما يتوقع أن تحصل عليه مصر من قروض من صندوق النقد فقط حوالي 8.5 مليار دولار، هذا بالإضافة إلى بعض الاعتمادات السريعة من البنك الدولي وبعض المؤسسات الدولية الأخرى والمؤسسات الإقليمية.
وتوقع الخبير أحمد ذكر الله أن يفقد الاحتياطي النقدي الأجنبي في مصر ثلثي حجمه ليصل إلى 20 مليار دولار أو أقل، مضيفاً أن الاقتراض من الخارج قد يتجاوز 15 مليار دولار خلال العام الحالي، وأن مصر ستعتمد على اللجوء لسوق السندات إن توافرت أموال يمكن الحصول عليها؛ وذلك نتيجة ندرة السيولة العالمية، وارتفاع أسعار الفوائد على القروض في ظل ما تعانيه الدول المختلفة، واللجوء إلى عمل خطط تقشفية.
وكان وزير المالية المصري قد أعلن، مؤخراً، أن هناك خطة تقشفية تعتمد على خفض مخصصات السلع التمويلية ودعم الخبز في الموازنة العامة للدولة من 89 مليار جنيه إلى 79 مليار جنيه فقط؛ أي خفض بقيمة 10 مليارات جنيه، هذا بالإضافة إلى أن الخفض الذي كان مقرراً من قبل لدعم الكهرباء بدلاً من 4 مليارات جنيه أصبح صفراً؛ أي أنه تم تحرير سعر الكهرباء بالكامل، كما تم تخفيض دعم البترول بمقدار 47%.
واعتبر ذكر الله كل هذه التخفيضات في الدعم المقدم للمواطنين سيمس بصورة رئيسة الشريحة الفقيرة في المجتمع؛ فالأرقام الرسمية لدى جهاز التعبئة والإحصاء تتحدث عن أن عدد الفقراء في مصر بلغ نحو 32.5%، ويقول البنك الدولي: إن هناك 27% آخرين دون خط الفقر وقريبين منه للغاية، مؤكداً أن الـ 60% من المصريين سيكونون هم بالكامل وقعوا تحت خط الفقر وربما نسبة أكبر من ذلك خلال العام الجاري.
هروب الاستثمار الأجنبي
وأشار ذكر الله إلى أن هروب الاستثمار الأجنبي من مصر ليس بحالة مصرية، وإنما حالة تشهدها الأسواق الناشئة، فهناك خسائر كبرى في كل الشركات حول العالم؛ وبالتالي كل المستثمرين ينزحون أموالهم تجاه الموطن الأصلي لشركاتهم أو وطنهم الأم في محاولة لتعويض خسائرهم أو من أجل سداد أجور العاملين.
وتابع أن نزوح الأموال في حد ذاته ليس المشكلة الكبرى، فعلى سبيل المثال؛ نزوح 10 مليارات دولار من أدوات الدين المحلية في مقابل 150 مليار دولار احتياطي لبعض الدول لن يشكل مشكلة كبرى، وإنما في حالة مثل مصر يمثل فيها أدوات الدين المحلية أو الاستثمار في أذون الخزانة نسبة كبرى من هذا الاحتياطي الأجنبي، فهنا تكمن المشكلة.
وأوضح ذكر الله أن كل دول العالم توجهت بحِزَم مساعدات لجانبي العرض والطلب في الاقتصاد، كما أنه كان هناك مساندة كبيرة لجوانب قطاع العمالة، فعلى سبيل المثال؛ الاقتصاد الأمريكي الآن يقدم إعانات لنحو 30 مليون عاطل، ويوجد دول أخرى في العالم قدمت إعانات بطالة للعاطلين.
واعتبر ذكر الله أن الحِزم التي قدمت للعمالة المصرية كانت واهية للغاية، مضيفاً أن معظم تلك العمالة هي عمالة يومية غير منتظمة، يقدرها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بأكثر من 5 ملايين عامل، فهذه الحزمة المقدمة إليهم بقيمة 500 جنيه شهرياً للعامل لمدة 3 أشهر حزمة ضئيلة للغاية، ولا تكفي أسبوعاً لأسرة متوسطة؛ وبالتالي لا بد من العمل على رفع هذه الحزمة.
وطالب محمد عباس الحكومة بالعمل على طمأنة المستثمرين ومساعدة الطبقات الفقيرة والمتوسطة على تخطي أعباء «كورونا»، واتخاذ إجراءات جدية بشأن مكافحة المرض والتصدي له، والتخفيف من الآثار السلبية التي ستنعكس على كل قطاعات الأعمال بالبلاد.
محللون سياسيون مغاربة:
ضرورة الحفاظ على التوازن بين مؤسسات الدولة وباقي الفاعلين بعد «كورونا»
الرباط- عبدالغني بلوط:
بكاري: التدبير السياسي ترجمة لكيفية تصور الدولة للأحزاب السياسية والمؤسسات المنتَخَبة المُبعَدة
بلكبير: ما بعد «كورونا» سيطول لتعوّد الدولة على ممارساتها السلطوية
اليونسي: صعود دور «الداخلية» أدى لتراجع المؤسسات المنتخبة
بنهج مقصود
أعاد تدبير أزمة جائحة فيروس «كورونا» في المغرب إلى الواجهة السؤال حول من له أحقية القيادة والمبادرة، هل هم المنتمون إلى الأحزاب السياسية القادمون من صناديق الاقتراع، الحائزون ولو نسبياً على شرعية انتخابية وشعبية، أم رجال السلطة والتكنوقراط الموالون قلباً وقالباً للإدارة؟
هذا السؤال يفرض نفسه بقوة في كل محطة من المحطات السياسية المفصلية التي يعرفها المغرب؛ لأنه تعبير، من جهة، عن مخاوف تكريس هيمنة الدولة في كل مجالات الحياة، وهي القوة الرئيسة في كل معادلة سياسية، وتطلع، من جهة أخرى، إلى مزيد من التمكين لديمقراطية نامية.
في هذا التقرير، يوضح محللون سياسيون بالمغرب، في تصريحات لـ «المجتمع»، العلاقة بين الفعل السياسي والتحولات العالمية في واقع زمن «كورونا»، ولجوء الدول القوية إلى التكنوقراط خلال الأزمات، ويسلطون الضوء على المؤثرات الداخلية والسياق التاريخي في صياغة المشهد السياسي المغربي، وعلاقة ذلك بالتضييق على حزب معين بذاته.
كما يقدم هؤلاء توقعاتهم حول المآلات المرتقبة، ويقترحون تصوراتهم للإبقاء على ذلك التوازن الضروري بين مؤسسات الدولة وباقي الفاعلين، والسماح لكل الأصوات بالظهور رفعاً لكل سوء فهم بين جميع الأطراف، وربحاً لرهان التحديات التي تفرضها الجائحة في واقع متقلب.
مع تفشي الوباء في العالم، وتعثر عجلة الاقتصاد، وتأثر قطاعات حيوية واسعة، وتغير السلوك العام للدول ومجتمعاتها، دخل الوضع الدولي مرحلة جديدة لا يمكن إنكارها، تظهر معالمها في الصراع الظاهر بين الولايات المتحدة المهيمنة على المشهد الدولي منذ عقود حفاظاً على مصالحها، وقوى عالمية جديدة.
لكنَّ تشكُّل هذا الوضع واتجاهه إلى عالم ذي قطبين أو متعدد الأقطاب أرخى بظلاله على باقي الدول بدرجات متفاوتة، وكان تأثيره أقوى على دول نامية مثل المغرب، مع ما رافق ذلك من ملاحظة لعودة ما سمي بالدولة الراعية، وعلاقة كل ذلك بتقدم أو تراجع الالتزام بالديمقراطية، والتغير الحاصل في المشهد السياسي.
إن لجوء الدول المتواتر للتكنوقراط يظهر مع كل أزمة على الرغم من اختلاف منظوماتها الأيديولوجية والحضارية، تجلى ذلك في مراحل مفصلية مر منها العالم، منها ما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية قديماً، وحديثاً مع الأزمة المالية لعام 2008م، وحالياً مع أزمة «كورونا».
في هذا السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية خالد الشيات، أن استعادة التفكير في مفاهيم التمثيلية ليست قائمة في المغرب فقط، بل إن التحول المفاهيمي العام يمس كل القوى الديمقراطية الغربية، خاصة مع ترهل البنيات المنتَخَبة في ظل الأزمة التي يعرفها العالم اليوم، وصعود القوى الفعَّالة ذات الأنظمة شبه الشمولية كالصين، أو أنظمة ديمقراطيات الواجهة كروسيا.
مع ذلك، يبقى الأكاديمي المغربي عبدالصمد بلكبير متفائلاً بالديمقراطية، وتحدث عن هزيمة ما أسماه «الليبرالية المتوحشة»، مبرزاً أن المؤشرات قد تكون في صالح تحرر الشعوب وسلامها، ونجاح الديمقراطية الجديدة، ومزيد من الحريات والرخاء، قد تستفيد منها الدول الناشئة مثل المغرب كما وقع بعد الحرب العالمية الثانية.
واقع محلي
للمؤثرات الداخلية أيضاً دور في طبيعة وحجم دينامية المشهد السياسي المغربي، إذ إن بين قوة الدولة بطبيعتها، وضعف تأثير الأحزاب السياسية بحكم إمكاناتها ومدى تأثيرها في الواقع، يبرز الفارق أكثر في زمن تدبير الأزمات.
ويؤكد بلكبير أن الشروط كلها في زمن «كورونا» فرضت أن تقوم الدولة بدورها الضبطي بدرجة عالية، لا يمكن أن يقوم به إلا قوة قاهرة لديها وسائلها، لكن ذلك منح لها الفرصة لأن تكرس هيمنتها.
ويرى الكاتب والحقوقي خالد بكاري أن التدبير السياسي هو ترجمة واضحة لكيفية تصور الدولة المغربية للأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة؛ ولذلك تم استبعاد الأحزاب في هذا الظرف حتى على مستوى التشاور الشكلي، كما تم استبعاد المؤسسات المنتخبة.
فيما يعتقد خالد الشيات أن المشهد السياسي العام والحزبي منه ليس رهيناً بمآلات أزمة «كورونا»، بل هو تعبير عن وضع قائم ومستمر يتضمن مجموعة من المقدمات أو الآليات التي ينهلها من بيئة سلطوية قائمة.
ويشير الشيات إلى أنه ليس فقط الأحزاب والحكومة وتوابعها من وجد نفسه قليل التدخل في التدبير، بل أيضاً جُل ما نتج عن المنظومة المؤسساتية المنتخبة بما فيها الجماعات الترابية، وهذا يعني إزاحة سياسية للقوى الحقيقية بالبلاد، ولكن أيضاً ضعف المكونات التي أصبحت إما ثانوية أو آليات للتنزيل في أحسن الأحوال.
بدوره، يرى المحلل السياسي عبدالحفيظ اليونسي أن تدبير حالة الطوارئ الصحية في زمن كورونا يعرف، بحكم طبيعة الحالة التي تمر منها الدول، بحضور قوي للسلطة التنفيذية، فالدولة الحديثة ارتبطت بمفهوم حالة الاستثناء، حيث قدرة الفاعل العمومي على الفعل، وبالتالي فإن الحضور اللافت في تدبير هذه المرحلة هو المُعَيّن وليس المنتخب، وهذا المُعَيّن ليس بالضرورة أن يكون تكنوقراطياً.
مستقبل سياسي
إن تحليل ما يقع على مستوى تدبير هذه المرحلة لا يمنع من طرح سؤال آخر ما بعد «كورونا»، وتصور المحللين والفاعلين السياسيين لمستقبل المشهد السياسي المغربي.
ويتوقع خالد بكاري أن يعود الوضع لسابق عهده؛ أي رجوع الأحزاب والمؤسسات المنتخبة لأدوارها الشكلية، مؤكداً أن تمدد مجال السلطوية في المغرب وهيمنته المتزايدة على فضاءات مختلفة هو اختيار كان قبل «كورونا» التي لم تكن إلا لحظة من لحظات تسريع الهيمنة وتطبيع المجتمع والنخب مع هذا الوضع.
بيد أن عبدالصمد بلكبير يشير إلى أن ما بعد «كورونا» سيطول؛ لأن الدولة ستتعود أكثر على ممارساتها السلطوية، وتوسع الفارق بين سلطتها وسلطات باقي الفاعلين مع تقلص الحريات، وذلك بحكم ما ستفرضه الجائحة نفسها من سلوك في المجتمع من خلال التباعد الاجتماعي إلى حين.
في المقابل، يرى عبدالحفيظ اليونسي أن استمرارية الدولة مرتبطة أساساً بقوة السلطة العمومية وخصوصاً وزارة الداخلية، لكن الواقع لا يرتفع آجلاً أم عاجلاً، والدولة محتاجة إلى كل المؤسسات والفاعلين للخروج من خطورة القادم من الأيام، خصوصاً اقتصادياً واجتماعياً، الذي ستكون له انعكاسات أمنية على الاستقرار، حيث السياسة تؤدي دوراً مهماً في الحفاظ عليه وليس الأمن وحده.
ويؤكد أن صعود دور ممثلي وزارة الداخلية أدى تلقائياً إلى تراجع حضور طبيعي للسياسيين في المؤسسات المنتخبة وطنياً أو محلياً، يمكن أن يكون مقصوداً.
هل لكل ما سبق علاقة بالانتخابات القادمة، لا سيما أن عدداً من القوى الفاعلة أبدى تذمره من استمرار حزب العدالة والتنمية على رأس الحكومة لولايتين متتابعتين؟
يلاحظ الإعلامي والكاتب الصحفي حسن بويخف أنه خلال تطبيق الإجراءات الاحترازية، لوحظ تعامل تمييزي للسلطات بين الأحزاب، وهذا وإن لم يكن شاملاً، فهو يعبر عن اختلالات مقلقة في تدبير العلاقة بين الطرفين في الأزمات، فمثلاً؛ مقابل منع بعض أنشطة حزب المصباح في مناطق معينة دون أن يطال المنع غيره من الأحزاب، نجد أيضاً أن السلطات غضت الطرف عن أنشطة حزب الأحرار تتعلق بالقيام بتوزيع مساعدات اجتماعية مباشرة في عدة مناطق من المغرب، ورغم أنه عمل غير قانوني، فإنه لم يفتح أي تحقيق حول ما جاء حوله في وسائل الإعلام.
إن هذا التمييز، بحسب بويخف، يؤكد السعي الفاشل إلى استثمار أي مناسبة لضرب التنافس الحر والنزيه بين الأحزاب، ويعكس تصوراً تقليدياً كان يطبق بشكل ممنهج حتى في محطات الانتخابات.
ويضيف بويخف أن السلطوية تعلم جيداً أن فتح أي مجال، كيفما كان، أمام الأحزاب لا يعني سوى مزيد من تقوية حزب المصباح؛ لذلك تفضل مقاربة التضييق، ورغم ذلك فوضع المشهد الحزبي اليوم يؤكد أن حزب المصباح يتمتع بوضع جد مريح، وأن المعارضة ضعيفة جداً، وأن عمليات حشد جهات إعلامية لملء الفراغ الذي تركته المعارضة لن تنجح.
بدوره، يؤكد عبدالحفيظ اليونسي أن تجربة المغرب السياسية تؤكد خطورة جمع السلطة في جهة واحدة، وأنه لا بد من الحفاظ على شرعية ومشروعية الفعل العمومي، وأن مؤسسات الوساطة لها دور مهم في أي نظام سياسي، مضيفاً أنه سبق للدولة في خلاصاتها بخصوص حراك الريف وجرادة أن أشارت إلى أن من أسباب هذا الحراك ضعف مؤسسات الوساطة.
ويشير إلى أن هذه الأزمة سيكون لها تأثير على نسب المشاركة، محذراً من أن الطلب على الدولة وإن كان يريح البعض ممن يتوجس من الديمقراطية والأحزاب السياسية، فإن وفاء الدولة بقدرتها التوزيعية والاتفاقية ستكون جد محدودة في المرحلة المقبلة، وبالتالي المطلوب هو وجود رهانات حقيقية للرفع من جاذبية المشهد السياسي وحيوية حقله الحزبي.>
حالة العالم الإسلامي
جدل كبير حول تصريحات سعيّد بفرنسا
هيمنة فرنسا على تونس.. هل كانت احتلالاً أم حماية؟
المعركة الدائرة استدعيت فيها الوثائق التاريخية لإثبات الاحتلال وليس معاهدة بين طرفين كاملي الإرادة
برلماني لسعيّد: هل تُجرِّم التطبيع مع الكيان الصهيوني وتعتبره خيانة بينما تُسمّي احتلال بلدك حماية؟
مؤلف «تونس الشهيدة» عن الاستعمار الفرنسي: إنه صراع حتى الموت وحرب صليبية ضد مجتمعنا واغتصاب منظَّم لثرواتنا
تونس- عبدالباقي خليفة:
لا يزال الجدل متواصلاً في تونس حول مضامين الزيارة التي قام بها الرئيس التونسي قيس سعيّد إلى باريس، مؤخراً، ولا سيما التصريحات المثيرة التي أدلى بها لوسائل الإعلام الفرنسي، خاصة عندما أطلق لفظ «الحماية» على الاحتلال الفرنسي لتونس؛ أي بنفس التسمية التي فرضها الفرنسيون على تلك «المعاهدة» التي وقّعت تحت تهديد السلاح عام 1881م.
عندما رد قيس سعيّد على سؤال في المناظرة التي تمت بينه وبين المرشح الثاني للرئاسية نبيل القروي، في أكتوبر 2019م، حول التطبيع بأنه «خيانة عظمى»، نزل لمكاتب الاقتراع كثير ممن كانوا لا ينوون التصويت وصوّتوا له، لكن الأمر اختلف عند الكثيرين عندما لاحظوا، أخيراً، أن رئيسهم يعتبر الاحتلال الفرنسي لبلادهم «حماية» وليس احتلالاً، ومختلف عمّا حدث في الجزائر، كما لو كان الاحتلال الفرنسي لتونس كان يقدم للشعب السمن والعسل!
ففي حوارين أجراهما سعيّد، أحدهما لـ «فرانس 24» العربية، والآخر بالفرنسية، وقد اختلفت الأسئلة حسب الجمهور الموجَّه له الحوار، وقد علّق سعيّد على لائحة طلب الاعتذار من فرنسا بترديد مثل فرنسي يقول: «من يعتذر يتهم نفسه»، وعندما رد المذيع سريعاً: «ولِمَ لا؟»، أجاب سعيّد: «نحن ننظر نحو المستقبل، التاريخ وصفه ماكرون نفسه بكونه شهد فترات مضطربة»، هنا استوقفه من جديد المذيع: «ماكرون نفسه اعترف بجرائم ضد الإنسانية في الجزائر»، فرد سعيّد: «هذا في الجزائر نعم»، استوقفه المذيع: «أكان الأمر مختلفاً في تونس؟»، قال سعيّد: «كانت هناك جرائم في تونس وفظائع، لكن الأمر مختلف، في تونس كنا تحت حكم الحماية وليس الاستعمار المباشر كما هي الحال في الجزائر».
لم يصدق المذيع ما سمعه فجدّد السؤال: «إذن ليس لديكم الحق في اعتذار؟!»، يجيب سعيّد: «لديهم الحق، لكن صياغة الاعتذار ليس كافياً، ربما اعتذار مع مشاريع وشراكات، ربما هذا أهم من اعتذار، يمكن طلب تعويض»، المذيع لا يتوقف عن السؤال: «هل طالبت به؟»، ينفي سعيّد: «لا لم أطلب ذلك أبداً».
لم يكتف بذلك، بل ذكر بأن اللائحة التي تقدمت بها كتلة «الحرية والكرامة» لم تمر، بل واتهمها بأنها غير بريئة: «أولاً اللائحة لم تمر، ثم هي ليست بريئة»، وتساءل مثيراً استغراب ودهشة التونسيين: «لِمَ نطالب بعد 60 سنة بالاعتذار؟ أعتقد أن هناك أحداثاً تاريخية واضحة وجلية، الفرنسيون أنفسهم يعترفون بها، وأعتقد أن طلب الاعتذار يكون بطرق أخرى وليس بلائحة»!
احتلال أم حماية؟
أثارت إجابات وتصورات سعيّد التي تم اكتشافها في فرنسا ولم يكن التونسيون على علم بها السؤال مجدداً: هل هيمنة فرنسا على تونس منذ عام 1881م كان احتلالاً أم حماية؟ وقد شارك في هذا السجال أكاديميون وصحفيون ونواب في البرلمان التونسي.
واكتشف التونسيون مجدداً أن موضوع الاحتلال الفرنسي ليس عليه إجماع بين التونسيين، الذين نصت وثيقة «استقلالهم» أن اللغة الفرنسية ليست لغة أجنبية، وظل بعضهم وفياً إلى هذا النص حتى اليوم؛ فيقولون مثلاً: «اللغة العربية والفرنسية واللغات الأجنبية» (هكذا).
ومن الغرائب والطرائف أن تكون إحدى النائبات على رأي سعيّد؛ حيث انتقدت في كلمتها بالبرلمان من اعتبرتهم لا يميّزون بين الحماية والاحتلال، وأنّهم يستهدفون رئيس الجمهوريّة، وميّزت بين تدخّل فرنسا في الجزائر الذي كان عسكرياً وتدخّلها في تونس الذي كان باتّفاق! لكنَّ الأستاذة، كما يقول الأكاديمي البارز سامي براهم، نسيت أن تقول لنا: هل هذا التدخّل الذي تمّ باتّفاق كان عسكرياً أم سلمياً؟ وهل هذه الاتفاقية حالت دون احتلال البلاد واستيطانها وافتكاك الأراضي ونهب الخيرات وارتكاب أفظع الجرائم بحقّ أهلها مثلما وقع في الجزائر ولا يقلّ عنه في شيء؟!
المعركة الدائرة في تونس استدعيت فيها الوثائق التاريخية، ومنها كتاب «المسألة التونسية والسياسة العثمانية» للدكتور عبدالرحمن تشايجي، ترجمة المؤرّخ عبدالجليل التميمي؛ وذلك لإثبات أن ما جرى في مايو 1881م كان احتلالاً وليس معاهدة بين طرفين كاملي الإرادة، ومن ذلك مراسلة باي تونس للباب العالي (تركيا) يوضح فيها ظروف إمضائه معاهدة «باردو»، وجاء فيها: «أعلم سيادتكم أنّ الجنرال قائد الجيش الفرنسي الذي يوجد كما أعلمت سيادتكم في منطقة الجديدة قد اقترب مساء اليوم الخميس من مقر إقامتي، وقد قدم على قصري تصحبه كتيبة من جنود الخيّالة، وطلب منّي إمضاء معاهدة حماية، معلناً أنّه لن يغادر القصر إلا بعد حصوله على جوابي، ولم يمهلني إلا أربع ساعات، وعندما لاحظت أنّني وقعت تحت ضغط القوّة نتيجة وجوده بالقصر؛ اضطررت لإنقاذ الشرف وإراقة الدماء إمضاء المعاهدة دون دراستها أو مناقشة أي بند منها، معلناً أني أمضيتها رغماً عني وتحت التهديد»، وهذه الرسالة بتاريخ 15 مايو 1881م.
ففي 6 أبريل 1881م، طلبت الحكومة الفرنسية من الباي الترخيص لجنودها بالدخول إلى التراب التونسي لـ «إخضاع القبائل المتمردة»، ورفض الباي الاستجابة لهذا الطلب، وفي 28 أبريل 1881م، تم دخول 28 ألف جندي من الحدود الجزائرية إلى الأراضي التونسية.
وفي 1 مايو، فرض الجنرال «جول إيمي بريار» حصاراً على مدينة بنزرت بقوة قوامها 8 آلاف جندي، وفي 3 مايو دخل الجنرال «بريار» حاضرة تونس، وفي 11 مايو حوصر قصر الباي، وفي 12 مايو أرغم الباي على إمضاء اتفاقية الحماية لتسويغ الاحتلال.
أما الأكاديمي د. محمد ضيف الله، أستاذ التاريخ المعاصر، فعنون تدوينة له على «فيسبوك» تحت عنوان «تكلم لأراك»، قائلاً: ما قاله قيس سعيّد في الندوة الصحفية مع الرئيس الفرنسي كان كافياً لمعرفة ما استمر عليه من غموض، طيلة أشهر بعد انتخابه، وها قد زادت المقابلة مع «فرانس 24» لتبين ما بقي مما خفي، وتابع: السياسة لا نتعلمها في العمر الثالث، والتاريخ كذلك، وهو على فكرة المعرفة الوحيدة التي كان يهتم بها الحكام القدامى.
وأردف: دعنا من الأحداث والانتفاضات التي تتالت والفظاعات التي ارتكبت في حق أجيال من التونسيين الذين رفضوا أن «تحميهم» فرنسا، حتى لو تمسكنا بالنصية القانونية، اتفاقية الحماية المفروضة، في 12 مايو 1881م، لم تكن إلا خطوة أولى، أعقبتها اتفاقية المرسى المفروضة أيضاً، في 8 يونيو 1883م، التي أصبحت فرنسا بموجبها تتحكم بكل شيء في تونس؛ بشراً وثروات.
وختم تدوينته قائلاً: واضح، قيس سعيد لم يقرأ تاريخ تونس، وواضح أيضاً أن التكوين في القانون والاشتغال بالسياسة كلاهما يتطلب حداً أدنى من معرفة العلوم الإنسانية والاجتماعية ومن بينها التاريخ.
تجريم التطبيع والحماية
وفي رسالة طويلة بعث بها النائب في البرلمان (صحافي سابق) الصجبي سمارة إلى الرئيس سعيّد، قال فيها: هل تريد أن تقنعنا أنك فعلاً تُجرّم التطبيع مع الكيان الصهيوني وتعتبره خيانة بينما تُسمّي احتلال بلدك لأكثر من ثمانين عاماً حماية؟! هل تريد أن تقنعنا أنه بإمكانك من الآن فصاعداً أن تحدثنا عن معاني السيادة وأنت أمين سرّ مجلس أمننا القومي؟ هل أنت أدرى بدماء شهداء معركة التحرر الوطني على مدى ثلاثة أجيال أكثر من مؤرخي العالم؟ هل أنت أعمق من نعوم تشومسكي، وهاربرت ماركيز، وقبلهما كلود ليفي ستروس، الذين وصفوا الاحتلال بالاحتلال؟ هل أنت أكثر معرفة من سمير أمين؟ هل أنت أدرى من الهادئ التيمومي، وعبدالجليل التميمي (مؤرخ مشهور بتونس)؟!
وختم قائلاً: إذا كانت هذه زيارتك الأولى التي تستجدي فيها قطار الخطوط البعيدة وبعض البنايات وصفتَ فيها الاحتلال الدموي الغاشم بـ «الحماية»؛ فماذا ستقول في الزيارة الثانية؟ هل ستصف شهداءنا بالمتمرّدين؟ هل ستعتبرهم مجرّد فوضويين رفضوا مشروع التحضّر الذي جاء به المقيم العام روستان على رؤوس الدبابات عام 1881م؟
يقول الزعيم التونسي عبدالعزيز الثعالبي الذي نفته فرنسا ومات بالمنفى في كتابه «تونس الشهيدة»: «مِنْ واجبِنا أن نوضح الصفات الحقيقية للاستعمار الفرنسي بالبلاد التونسية، إنه صراع حتى الموت، وحرب صليبيّة موجهة ضد مجتمعنا، إنه الاغتصاب المنظّم لثرواتنا».
ويضيف: «إنه يهدف إلى تفقيرنا بانتزاع أراضينا الخصبة، وتجميد مؤسساتنا الزراعية وإصدار قوانين تقضي على تجارتنا وصناعتنا، وهو يرمي إلى الحطّ من مستوانا الثقافي والأخلاقي بإبقائنا في حال جهل وهوان وبانعدام المدارس، وانتهاج الحكومة لسياسة التمييز المسلّطة على تدريس اللغة الوحيدة القادرة على إحيائنا، وهو يرمي أيضاً إلى استبعادنا بإقصائنا عن إدارة شؤوننا العامة وعن السلطات الاجتماعية، وأخيراً فإن ما تهدف إليه الحكومة بتونس هو انحلال تنظيم اجتماعي عزيز علينا والنزول بنا إلى مستوى الجنس الأسفل».
حالة العالم الإسلامي
“المخلب – النمر”.. عملية تركية جديدة في العراق
تركيا رسمت إستراتيجية متدرجة لمكافحة الحزب الكردستاني ودفع شبح التقسيم وتفجير الملف الكردي الداخلي
.. وترى أن عملياتها تحظى بالمسوغات السياسية والقانونية الكافية وبالتالي لا تعبأ كثيراً بالنقد الموجَّه لها
العقبة الكبرى التي تواجهها تركيا بهذه العمليات رد الفعل الرسمي العراقي الذي يعدها انتهاكاً لسيادته
أنقرة تضع ردود الفعل الرسمية العراقية ضمن المتوقَّع والمنتظر رسمياً وبروتوكولياً وكذلك للاستهلاك المحلي
د. سعيد الحاج
أعلنت القوات المسلحة التركية، في 17 يونيو الماضي، عن إطلاق عملية «المخلب - النمر» ضد مسلحي حزب العمال الكردستاني في شمال العراق.
العملية البرية المدعومة من الجو بمروحيات «أتاك» والمسيّرات محلية الصنع تستهدف قوات الحزب في منطقة «حفتانين» الإستراتيجية، وتبنى على عمليات تركية سابقة كان آخرها عملية «المخلب - النسر» التي سبقتها في مارس الماضي.
يخوض حزب العمال الكردستاني، وهو منظمة إرهابية وفق التصنيف التركي والعراقي والأوروبي والأمريكي والأممي، حرباً انفصالية ضد تركيا منذ عام 1984م، تسببت في مقتل عشرات آلاف المواطنين الأتراك، إضافة لخسائر اقتصادية قدرت بمئات مليارات الدولارات.
وقد استفاد «الكردستاني» من التطورات في شمال العراق في حرب الخليج الأولى عام 1991م، ثم غزو العراق في عام 2003م؛ ليؤسس لنفسه معقلاً لإدارة المواجهة مع تركيا تدريباً وتخطيطاً وإطلاقاً للعمليات، ثم على هامش ضعف سيطرة الحكومة السورية على المناطق الشمالية بعد الثورة، أعلن فرعه السوري (حزب الاتحاد الديمقراطي) إدارات ذاتية على ثلاثة «كانتونات» في الشمال السوري مطلع العام 2014م.
وفي يونيو 2015م، وعلى إثر تراجع حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية وتأخر تشكيل حكومة جديدة، تراجع «الكردستاني» عن الهدنة التي كان أعلنها بناء على مسار التسوية الذي كان قد انخرط فيه منذ سنوات مع الحكومة التركية، واستأنف في يوليو 2015م عملياته العسكرية في الداخل التركي.
بالتزامن مع ذلك، أعلن عن إدارات ذاتية في مناطق الأغلبية الكردية في الشرق والجنوب الشرقي التركيين، ما عني أن مواجهة تركيا للعمال الكردستاني باتت داخلية وخارجية، في تركيا والعراق وسورية، لا سيما مع الدعم الأمريكي الكبير والعلني والمتزايد لوحدات الحماية الشعبية (الذراع المسلحة للكردستاني في سورية) رغم تحفظات الحليف التركي.
وعليه، رسمت تركيا إستراتيجية متكاملة ومتدرجة لمكافحة الكردستاني ودفع شبح التقسيم وتفجير الملف الكردي الداخلي عن نفسها، بحيث تتكامل جهود الحكومة في الداخل وفي سورية والعراق، بتكاتف عمل المؤسسات المختلفة وفي مقدمتها وزارتا الداخلية والدفاع مع جهاز الاستخبارات.
أفشلت تركيا الإدارات الذاتية في الداخل بعد أن أنهت حالة حرب المدن في مناطق الأغلبية الكردية لصالحها بشكل حاسم ونهائي، وأطلقت منذ عام 2016م -بعد الانقلاب الفاشل- أربع عمليات عسكرية في سورية، هي على التوالي: «درع الفرات»، «غصن الزيتون»، «نبع السلام»، وأخيراً «درع الربيع».
العراق
تواجه تركيا وجود العمال الكردستاني في جبال قنديل شمالي العراق منذ عشرات السنين، وكانت مكافحتها تقوم بالأساس على القصف من الجو، دون أن يمكنها ذلك من كسر شوكته بشكل ملموس، وقد أبرمت مع الحكومة العراقية اتفاقيات وتفاهمات لمكافحة النشاط الإرهابي انطلاقاً من أراضيها، بما في ذلك حق تركيا فيما عرف بـ «الملاحقة الساخنة»؛ أي الدخول في قلب الأراضي العراقية لبضعة كيلومترات لملاحقة مسلحي المنظمة، في حال عجزت الحكومة العراقية عن فعل ذلك.
كما أبرمت أنقرة كذلك عدة تفاهمات مع حكومة إقليم كردستان العراق لاحقاً، لا سيما وأن الأخيرة ليست على وفاق فكري وأيديولوجي وسياسي مع «الكردستاني»، بل يمكن اعتبارهما متنافسَيْن شرسين على قيادة الكرد.
بَيْدَ أن أنقرة أدركت لاحقاً أن التوقف عند حد ما يتيح المجال للمنظمة الإرهابية لإعادة ترتيب صفوفها وشن عملياتها، خصوصاً أنها تحظى بدعم خارجي؛ ما يحتم الاستمرار في العمليات المتدرجة وفق الرؤية الشاملة، تشمل هذه الرؤية مواجهته في كافة معاقله: جبال قنديل معقله الأساسي، وسنجار أو شنغال معقله البديل، ولاحقاً عمق الأراضي العراقية مثل حفتانين وغيرها حيث شبكة الأنفاق والمغارات والدعم اللوجستي.
الإستراتيجية التركية المتدرجة قضت بالتعمق في العمليات شيئاً فشيئاً داخل الأراضي العراقية لإبعاد خطر «الكردستاني» عن الحدود والداخل، فكانت عمليات «المخلب 1 و2 و3» ابتداءً من مايو 2019م، التي أمَّنت خلالها منطقة هاكورك الإستراتيجية، وأنشأت منطقة آمنة فعلياً لتامين الحدود، فضلاً عن تحييد عدد من قيادات الحزب.
في مارس الماضي، أطلقت تركيا عملية «المخلب – النسر» (عملية جوية) ضد مواقع «الكردستاني» في الشمال العراقي، وتعدُّ عملية «المخلب – النمر» (عملية برية) امتداداً واستمراراً لها بتركيزها على منطقة حفتانين.
محاذير
بعد أيام من إطلاقها، أعلنت القوات المسلحة التركية عن تدمير أكثر من 150 موقعاً للعمال الكردستاني، إضافة لتحييد عدد كبير من قياداته من خلال العمليات المتتالية؛ ذلك أن التنسيق المتزايد بين القوات المسلحة وجهاز الاستخبارات وكذلك وزارة الداخلية يشي بتشكيل وحدة خاصة تلاحق قيادات المنظمة، كما أوردت بعض الكتابات الصحفية في تركيا، وكان من نتيجة ذلك تحييد أسماء مهمة في التراتبية القيادية للمنظمة، منهم المسؤول الإعلامي، وعدد من القيادات الميدانية المسؤولة عن عمليات إرهابية، فضلاً عن مسؤولين داخل تركيا، وعدد كبير من المسلحين والأفراد.
ولعل العقبة الكبرى التي تواجهها تركيا في هذا النوع من العمليات هي رد الفعل الرسمي من العراق، الذي يعدُّ العمليات انتهاكاً للسيادة العراقية، بعد إطلاق تركيا للعملية، استدعت الخارجية العراقية السفير التركي في بغداد وسلمته مذكرة احتجاج على العملية، كما حصل سابقاً، وكان الرد التركي بأن العمليات التركية ستستمر ما دام خطر «الكردستاني» قائماً ضدها.
تقول السردية التركية: إن أنقرة لا تستهدف أمن العراق ولا سيادته، وإنها لا مطامع لها في أراضيه، وإن هدفها الأساسي هو القضاء على خطر العمليات الإرهابية ضدها انطلاقاً منها؛ وبالتالي، فإن أنقرة ستكون أكثر من سعيدة لو كان العراق قادراً على إنجاز هذه المهمة بحيث لا تضطر هي للاضطلاع بها.
تتكئ تركيا في تسويغ عملياتها في العراق على الاتفاقات والتفاهمات سابقة الذكر مع بغداد وأربيل، وكذلك التصنيف الدولي للعمال الكردستاني كمنظمة إرهابية؛ وبالتالي مشروعية مكافحة الإرهاب، فضلاً عن حق الدفاع عن النفس المكفول في المواثيق والنصوص الدولية، ولذا فهي ترى أن عملياتها تحظى بالمسوغات السياسية والقانونية الكافية، وبالتالي تملك شبكة أمان إقليمية ودولية تجعلها لا تعبأ كثيراً بالنقد الموجَّه لها.
أكثر من ذلك، يبدو أن تركيا تعوّل على تفهم «ضمني» من الحكومة العراقية لعملياتها، بالرغم من الاحتجاجات البروتوكولية أو المبنية على حسابات سياسية داخلية، ومن شواهد ذلك موجة الاحتجاج الشديدة على معسكر «بعشيقة» قبل سنوات التي غابت لاحقاً، وإعلان أنقرة عن عملية عسكرية داخل العراق خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي لأنقرة؛ بما يحمل إشارات واضحة على غض النظر العراقي عنها، فضلاً عن زيارة رئيس جهاز الاستخبارات التركية إلى بغداد قبل أيام من العملية الأخيرة؛ بما يعني وضع القيادة العراقية في صورتها.
يعني كل ذلك أن أنقرة تضع ردود الفعل الرسمية العراقية ضمن المتوقَّع والمنتظَر رسمياً وبروتوكولياً وكذلك للاستهلاك المحلي، بينما الموقف الحقيقي هو تفهم دوافع تركيا ومتطلبات أمنها لا سيما في ظل عجز بغداد نفسها عن كفايتها مؤونة تلك العمليات، وبالتالي فالمتوقع هو استمرار العمليات التركية الآن ومستقبلاً في سبيل تحقيق الأهداف النهائية لإستراتيجية مكافحة منظمة العمال الكردستاني في الداخل والإقليم.