; مقام العقل في الإسلام «2 من 2».. حال العقل والعقلانية عند ظهور الإسلام.. | مجلة المجتمع

العنوان مقام العقل في الإسلام «2 من 2».. حال العقل والعقلانية عند ظهور الإسلام..

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 16-فبراير-2008

مشاهدات 57

نشر في العدد 1789

نشر في الصفحة 42

السبت 16-فبراير-2008


  • العقلانية الإسلامية هي التي حولت الشرق من قلب العالم المسيحي إلى قلب العالم الإسلامي في زمن قياسي لا نظير له في التاريخ
  • جون تايلور: لقد كان الإسلام ثورة على المجادلة الجوفاء في العقيدة وحجة قوية ضد تمجيد الرهبانية باعتبارها رأس التقوى
  • إدوارد مونتيه: إن الإيمان بالله والآخرة يستقران في نفس المتدين على أساس ثابت من العقل والمنطق ويلخصان كل تعاليم العقيدة التي جاء بها القرآن

عندما بزغ فجر الإسلام في العقد الثاني من القرن السابع الميلادي. كان اللاهوت الكنسي للنصرانية الغربية قد أدخل العقلانية اليونانية في دائرة المحاق!... ودخل بالدولة الرومانية والحضارة الأوروبية في عصورها الوسطى والمظلمة!

لقد تمكنت «الغنوصية الباطنية» من إفساد هذا اللاهوت بعقائد التشبيه والتجسيد والحلول والاتحاد التي أخرجته عن التوحيد الذي جاء به المسيح عليه السلام.

وكانت الثقافة الهلينية التي أحلها الاستعمار الروماني في الشرق بطبيعتها الغنوصية- وشوائبها اليهودية- عاملًا آخر من عوامل التشويه والتشويش التي ملأت المسيحية بالأسرار والألغاز التي غدت مستعصية على الفهم بالنسبة لرجال اللاهوت، فضلًا عن العامة والجمهور!

ولقد دفعت الخلافات الحادة والعميقة بين كنائس النصرانية حول «طبيعة الرب» إلى صراعات وألوان من الاتهامات بالهرطقة وضروب من الاضطهادات ما زالت الكنائس الشرقية تؤرخ بها، وتضرب بها الأمثال حتى هذه الأيام!

فكانت الانقسامات والاضطهادات أبوابًا للفساد الذي دب في القيادات الكنسية والجهل الذي خيم على كثير من رجالات اللاهوت الأمر الذي أدخل اللاهوت النصراني في أزمة حادة جعلته عدوًا للعقلانية والعقل. وداعيًا إلى حصر العلم في الإنجيل الذي لا يعدو كونه مجموعة من الوصايا الصوفية ذات الأسلوب المجازي والوعظي، ومن ثم انفتحت في الحضارة المسيحية الغربية معركة شهيرة وطويلة، ومريرة بين العلم والعقلانية من جهة، وبين الدين من جهة أخرى.

لقد غدت شائعة في ذلك اللاهوت شعارات ومسلمات تقول:

«اعتقد وأنت أعمى».

«واغمض عينيك ثم اتبعني....».

وقال القديس «أغسطين» «٣٥٤ - ٤٣٠م»: «أؤمن بهذا لأنه محال أو غير معقول».

وقال القديس الفيلسوف- نعم الفيلسوف!: «أنسيلم» «۱۰۳۳- ۱۱۰۹هـ»:

«يجب أن تعتقد أولًا بما يعرض على قلبك بدون نظر ثم اجتهد بعد ذلك في فهم ما اعتقدت فليس الإيمان في حاجة إلى نظر عقل»! «1»

وعبر عن هذا الخصام الذي ساد العلاقة بين اللاهوت الكنسي وبين العقل والعقلانية أحد القساوسة- القس وهيب عطا الله فقال:

«إن التجسيد قضية فيها تناقض مع العقل والمنطق والحس والمادة والمصطلحات الفلسفية، ولكننا نصدق ونؤمن أن هذا ممكن حتى ولو لم يكن معقولًا»! «2».

ولقد كان هذا الواقع البائس للعقل والعقلانية في اللاهوت الكنسي الغربي، والذي فرضه الاستعمار الروماني على الكنائس الشرقية، أحد أهم العوامل التي دخلت بالحضارة الأوروبية عصورها الوسطى والمظلمة، في الوقت الذي ظهرت فيه أنوار الإسلام، وأشرقت عقلانيته المؤمنة من شبه الجزيرة العربية.

لقد حاصرت الخرافات المسيحية تراث العقلانية اليونانية القديم وسجنت مخطوطات هذه العقلانية في الصناديق الحديدية التي سلسلت بالسلاسل والأقفال، ووضعت في سراديب الكنائس والكاتدرائيات، وما بقي من هذا التراث العقلاني اليوناني في مكتبات الإسكندرية- معقله الأخير. تعرض للسلب والنهب والإبادة التي مارستها معه وشنتها الحملة النصرانية المصرية بدعوى وثنية هذا التراث.. حتى لقد قاد بطريرك الكنيسة المصرية «تيوفيلوس» «٣٨٥- ٤١٢م» حملة إحراق لكتب هذا التراث وسحل وقتل لفلاسفته.

«واتجه للقضاء على مدرسة الإسكندرية، وتدمير مكتبتها، وإشعال النار فيها، وطالت هذه الإبادة مكتبات المعابد، وتم السحل والتمزيق والحرق لفيلسوفة الأفلاطونية الحديثة وعالمة الفلك والرياضيات «إناتيه» «۳۷۰- ٤١٥ م».. وذلك فضلًا عن تحطيم التماثيل والعبث بالآثار» «2».

ولقد كان من آثار غروب شمس العقل عن الحضارة الأوروبية، وبسبب من سيادة اللاهوت اللاعقلاني، والاضطهادات التي أوقعتها الكنيسة بالعلم والعلماء، وتحريمها وتجريمها البحث والتجريب في الطبيعة والعلوم الكونية. بدعوى أن العالم والطبيعة «دنس» لأن مملكة المسيح خارج هذا «العالم- الدنس» كان من آثار ذلك كله أن أوروبا المسيحية لم تعرف أول فلكي «كوبرنيكوس» «١٤٧٣ - ١٥٤٣م»، إلا في القرن السادس عشر. أي بعد أكثر من ثلاثة عشر قرنًا من تدين أوروبا بهذا اللاهوت اللاعقلاني وحتى الكتاب الذي كتبه «كوبر نيكوس» «دوران الأفلاك» صادرته الكنيسة. فلم يفرج عنه، ليرى النور إلا في القرن الثامن عشر، ناهيكم عن العلماء الذين سيقوا إلى القتل مثل «جالليلو ١٥٦٤- ١٦٤٢م».

 كان هذا هو حال العقل والعقلانية في العالم المسيحي يوم سطعت العقلانية الإسلامية حتى لقد قارن «اللاهوتي الإيطالي» «الأب مرتشي» Marracci «1612- 1700م» بين تعقيدات اللاهوت الكنسي وألغازه وأسراره يومئذ، وبين بساطة العقلانية الإسلامية ووضوحها وجاذبيتها فقال:

«لو قارن إنسان بين أسرار الحالة الطبيعية البسيطة التي فاقت طاقة الذكاء البشري أو التي هي على الأقل من الصعوبات بمكان، إن لم تكن مستحيلة «العقيدة المسيحية». وبين عقيدة القرآن لا نصرف عن الأولى في الحال، وأسرع إلى الثانية في ترحيب وقبول..».

ولقد أدرك المنصفون من علماء الغرب الذين قارنوا بين عقلانية الإسلام وبين لا عقلانية اللاهوت الكنسي- عند ظهور الإسلام أن هذه العقلانية الإسلامية هي التي حولت الشرق- تحويلًا سلميًا- من قلب العالم المسيحي إلى قلب العالم الإسلامي في زمن قياسي في سرعته، لا نظير له في  تاريخ التحولات الدينية الكبرى.

وكتب البروفيسور «إدوارد مونتيه» «١٨٥٦-1927م»، وهو مستشرق فرنسي ترجم القرآن إلى الفرنسية، يقول:

«إن الإسلام في جوهره دين عقلي بأوسع معاني هذه الكلمة من الوجهتين الاشتقاقية والتاريخية، فإن تعريف الأسلوب العقلي Rationalism بأنه طريقة تقييم العقائد الدينية على أسس من المبادئ المستمدة من العقل والمنطق ينطبق على الإسلام تمام الانطباق إن لدين محمد كل العلامات التي تدل على أنه مجموعة من العقائد قامت على أساس المنطق والعقل.. إن الإيمان بالله والآخرة، في الإسلام يستقران في نفس المتدين على أساس ثابت من العقل والمنطق، ويلخصان كل تعاليم العقيدة التي جاء بها القرآن، وإن بساطة هذه التعاليم ووضوحها لهي على وجه التحقيق من أظهر القوى الفعالة في الدين وإنشاط الدعوة إلى الإسلام.

لقد حفظ القرآن منزلته من غير أن يطرأ عليه تغيير أو تبديل باعتباره النقطة الأساسية التي بدأت منها تعاليم هذه العقيدة، وقد جهر القرآن دائمًا بمبدأ الوحدانية في عظمة وجلال وصفاء لا يعتريه التحول، ومن العسير أن نجد في غير الإسلام ما يفوق تلك المزايا».

وفي هذا تكمن الأسباب الكثيرة التي تفسر لنا نجاح جهود الدعاة المسلمين.

وكتب الفيلسوف الأمريكي جون تايلور  Cwon Tuylar«١٧٥٣- ١٨٢٤م» يقول عن عقلانية الإسلام التي كانت السر في هذا الانتشار السريع للإسلام:

إنه من اليسير أن ندرك لماذا انتشر هذا الدين الجديد بهذه السرعة في إفريقيا وآسيا، كان أئمة اللاهوت في إفريقية والشام قد استبدلوا بديانة المسيح عقائد ميتافيزيقية عويصة، ذلك أنهم حاولوا أن يحاربوا ما ساد هذا العصر من فساد بتوضيح فضل العزوبية في السماء، وسمو البكورية إلى مرتبة الملائكة، فكان اعتزال العالم هو الطريق إلى القداسة والقذارة صفة لطهارة الرهبنة، وكان الناس في الواقع مشركين يعبدون زمرة من الشهداء والقديسين والملائكة. كما كانت الطبقات العليا مخنثة، يشيع فيها الفساد والطبقات الوسطى مرهقة بالضرائب، ولم يكن للعبيد أمل في حاضرهم ولا مستقبلهم فأزال الإسلام- بعون الله- هذه المجموعة من الفساد والخرافات.

 لقد كان «الإسلام»- ثورة على المجادلة الجوفاء في العقيدة وحجة قوية ضد تمجيد الرهبانية باعتبارها رأس التقوى ولقد بين أصول الدين التي تقول بوحدانية الله وعظمته، كما بين أن الله رحيم عادل يدعو الناس إلى الامتثال لأمره والإيمان به، وتفويض الأمر إليه. وأعلن أن المرء مسؤول، وأن هناك حياة آخرة ويومًا للحساب، وأعد للأشرار عقابًا أليمًا، وفرض الصلاة والزكاة والصوم، وفعل الخير، ونبذ الفضائل الكاذبة، والدجل الديني والترهات والنزعات الأخلاقية الضالة وسفسطة المنازعين في الدين وأحل الشجاعة محل الرهبنة، ومنح العبيد رجاء، والإنسانية إخاء، ووهب الناس إدراكا للحقائق الأساسية التي تقوم عليها الطبيعة البشرية «4».

هكذا كان «المشهد العالمي» فيما يتعلق بالعقل والعقلاينة- عند ظهور الإسلام في القرن السابع للميلاد.

لاهوت كنسي وعقلاني حاصر العقلانية اليونانية بسجن كتبها في الصناديق الحديدية المغلقة بالأقفال.. وبالإبادة والإحراق لمكتباتها وفلاسفتها.

وخرافات وألغاز وأسرار حولت العقائد الدينية إلى ميتافيزيقا مستعصية على الفهم حتى عند أهل الاختصاص.

وهنا تألقت العقلانية المؤمنة التي جاء بها الإسلام، فبددت بضربة من ضرباتها هذا الركام اللاعقلاني، وكانت السبيل الأول والأفعل لدخول الناس أفواجًا في دين الإسلام، كما شهد بذلك المنصفون من العلماء الغربيين.

الهوامش

«1» الإمام محمد عبده «الأعمال الكاملة» ج ٣. ص ۲۷۹، دراسة وتحقيق د. محمد عمارة، طبعة القاهرة سنة ١٩٩٣م.

«2» د. أحمد شلبي «مقارنة الأديان» ج ۲، ص ١٢٤

«3» الأسقف يوحنا  النقيوسي «تاريخ مصر ليوحنا النقيوسي» ص 122،125 ترجمة ودراسة: د. عمر صابر عبد الجليل، طبعة القاهرة، سنة ٢٠٠٠م، ود. صبري أبو الخير سليم  «تاريخ مصر في العصر البيزنطي» ص 168،167،126،49،41،40 طبعة القاهرة سنة ٢٠٠٠م.

«4» انظر هذه الشهادات على عقلانية الإسلامي في توماس أرتولد «الدعوة إلى الإسلام» ص ۰۹۱۸۹ترجمة د. حسن إبراهيم حسن د. عبد المجيد عابدين وإسماعيل النحراوي، طبعة القاهرة سنة ١٩٧٠م، وانظر كذلك كتابنا الإسلام في عيون غربية ص88،87،100،99 طبعة القاهرة سنة ١٤٢٥هـ سنة ٢٠٠٥م.

 

 

الرابط المختصر :