; حان وقت المصالحة مع الشعوب | مجلة المجتمع

العنوان حان وقت المصالحة مع الشعوب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 28-سبتمبر-1999

مشاهدات 61

نشر في العدد 1369

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 28-سبتمبر-1999

ويتواصل حديثنا عن التغيير ومتطلباته بمناسبة ما شهدته وتشهده الساحة العربية من تغيرات في كراسي الحكم في عدد من البلدان، أو دخول بعض الأنظمة القائمة مراحل جديدة من الحكم بالتجديد لها عبر الانتخابات أو الاستفتاءات.
وإذا كان التغيير -بوجه عام- سنة من سُنن التطور السياسي والاجتماعي، فإنه يصير أكثر لزومية في اللحظات التي يلجأ عندها بعض الحكام إلى الأمة لتجديد مبررات شرعيته القانونية وشرعية استمراره مثلما نرى هذه الأيام.
والواقع أن الحاجة إلى التغيير ليست وليدة اليوم، فهي مطلب دائم منذ ظهر بعض تلك الأنظمة العربية إلى الوجود، ولكن دواعي التغيير أصبحت أكثر إلحاحًا في هذه الأيام بسبب ما يشهده العالم من حولنا من تغيرات سريعة ومتواصلة تستدعي أن تقابلها حركة تغييرات على المستوى نفسه.
فمن غير المقبول أن تستمر حالة الطوارئ في بعض تلك البلدان لسنوات طويلة، وأن يصبح القمع والاضطهاد والكبت والتضييق والمطاردة، وأحيانًا القتل دون محاكمة، وخطف الرهائن سياسة منهجية لبعض الأنظمة.
وأن تتعرض حرية الرأي والتعبير للمصادرة على الرغم من انضباطها بضوابط الشرع، والتزامها الحكمة والموعظة الحسنة.
وأن تظل الحركة الإسلامية محظور نشاطها، مهمش وجودها، مُسلّط عليها سيف الخروج على النظام والقانون زورًا وبهتانًا.
وأن تعاني مؤسسات المجتمع المدني من القيود القانونية التي تصيبها بالشلل.
وأن يظل نشاط النقابات المهنية والعمالية والاتحادات الطلابية خاضعًا لتدخلات السلطة التنفيذية.
وأن تؤدي سياسات الخضوع لمطالب صندوق النقد والبنك الدوليين، إلى انتشار ظاهرة الفقر والبطالة وتفاوت الدخول، مما أحدث شرخًا اجتماعيًا خطيرًا، وأنشأ ظواهر تسهم في تمزق تلك المجتمعات وانحلالها. 
وتواكب ذلك كله مع تخلي بعض تلك البلدان عن مسؤولياته الاجتماعية في توفير السكن، وفرص العمل، ومجانية التعليم، وتقديم الرعاية الصحية، وذلك نتيجة مباشرة لإتباع سياسات صندوق النقد والبنك الدوليين التي لا تريد للشعوب خيرًا.
وعلى المستوى الخارجي تزداد الهجمة الصهيونية الشرسة تدعمها قوى الهيمنة والاستكبار الغربية، دون أن تجد السياسات الجادة الكفيلة بالتصدي. 
ويحدث ذلك كله في مجتمعات تهب عليها سياسات العولمة والتغريب، دون أن تتوافر لها المقومات الذاتية التي تحميها في مواجهة ذلك الطرفان.
لقد عانت شعوب تلك البلدان الكثير من استمرار الأوضاع السابقة، وكانت الخسائر جسيمة على مستوى الشعوب، بل وعلى مستوى الأنظمة ذاتها، أما على مستوى الحركة الإسلامية، فقد أريد استنفاد طاقتها في السجون والمعتقلات، وتعطيل تطورها بسياسات التضييق والخنق، ففتح ذلك الباب لظهور أفكار بعيدة عن السماحة والاعتدال، وإن أول حسنات التغيير المطلوب -إن تحقق- أن يدعم تيار الاعتدال ويحجم أجواء العنف، ويرشد أداء الأمة، ويرفع درجات المشاركة
الشعبية، بعد أن ينزع الخوف من الصدور.
ومن هنا، فإن تحقيق المصالحة في هذا الجانب بالذات، هو أول مراحل التغيير المطلوب وخاصة إننا نرى أن الحركة الإسلامية تمد يدها للتواصل والعمل المشترك، بينما يعرض بعض الانظمة بجانبه ويرفض المصالحة.
ولا نبالغ إذا قلنا إن الحركة الإسلامية إن أتيح لها أن تقتحم مجالًا، فإنها تحقق فيه ما يعجز عنه الآخرون، لا لأنها تملك عصا سحرية، ولكن لتوافر الإخلاص في العمل، والسلامة في القصد، والرغبة في البذل، والتفاني في عمل الخير، ومن هنا، فإن المصالحة بينها وبين الحكومات لن تأتي -إن شاء الله- إلا بالخير. 
وهذه المصالحة هي التي تخلق مجتمعًا متماسكًا مستقرًا، يستطيع أن يقف موقفًا صلبًا أمام التحديات الداخلية والخارجية، مجتمعًا يستعصي على محاولات الاختراق، ويقضي على عناصر الفتنة. 
إن مصلحة تلك الأوطان أن يعم الأمن، وتسود الحرية، وأن تجمع الثقة بين الجميع، ليكون التعاون الصحيح من أجل البناء السليم. 
وهذه أهداف لا تختلف عليها الحركة الإسلامية، بل إنها تسعى لتحقيقها، فهل تبادر تلك الأنظمة إلى اللقاء مع الحركة الإسلامية على الطريق نفسه؟ نأمل ذلك.
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (النور: 51 – 52).

الرابط المختصر :