; حبل المودة | مجلة المجتمع

العنوان حبل المودة

الكاتب فهد عبدالرحمن الرشدان

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1992

مشاهدات 110

نشر في العدد 1019

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 06-أكتوبر-1992

حبل المودة

تمدح العرب الرجل فتقول عنه: هو ضحوك السن، بسام الثنيات، وتذمه فتقول عنه: هو عبوس الوجه، جهم المحيا (1)، وهكذا تكون البسمة من صفات الإنسان الحميدة التي تمتدح فيه بينما يكون العبوس صفة ذميمة مكروهة ودليلًا واضحًا على سوء خلق.

وفي القرآن الكريم يصف الله عز وجل أهل الجنة فيقول عن حالهم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ (سورة عبس: 38- 39) (2) أي أنها مسرورة فرحة، قد ظهر البشر على وجوههم كما يقول ابن كثير في تفسيره.

وما من شك أن الابتسامة أحد عناصر الشخصية المحببة المقربة من الناس والتي ينجذب إليها الآخرون بقوة، فهذه الحقيقة القديمة كان يستعملها الرسول صلى الله عليه وسلم في الولوج إلى قلوب أصحابه واستمالتها إليه وتثبيتها في الصف الإسلامي وهذا ما دل عليه قول الصحابي الجليل جرير بن عبد الله حين قال «ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت إلا تبسم في وجهي» (3)

هكذا كان الخلق النبوي الكريم وهكذا يجب أن تكون إذا قصدت محبة الناس، فالذي يتعامل مع الآخرين بوجه عبوس سيسير بلا شك في درب العزلة مستزيدًا من نفور الناس منه وذلك؛ لأن الناس إنما تحب أن تتعامل مع من يجدون عنده الراحة والطمأنينة والعلاقة الحسنة التي تتجلى في أبسط صورها في الابتسامة الحانية المستبشرة من وجه مشرق.

والابتسامة التي نعنيها ونحث عليها والتي سطرتها السيرة النبوية عن خلق النبي الكريم إنما هي الابتسامة الصادقة النابعة من القلب والمتدفقة من شخص يكن للآخرين محبة ومودة وصفاء نية، ولسنا نعني على الإطلاق تلك الابتسامة المصطعنة الزائفة الممجوجة التي يرفضها الناس ولا يتقبلونها بأي حال من الأحوال ولا تستقبل إلا بمزيد من الاستهجان والاستياء.

وهل تعلم -عزيزي القارئ- أن للابتسامة الصادقة أثرًا كبيرًا في حل كثير من الأمور المعقدة وتهوين الخطوب العصيبة، وهي التي تمتص غضب الآخرين وتطفئ من نفسياتهم المضطربة الثائرة لتسقي فيها نفسية جديدة مملوءة بالتفاؤل، إن كنت تشك فيما أقول فإليك الدليل على صحة كلامي أقتطعه لك من صحيح البخاري عن المرض الأخير الذي توفى منه الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول الصحابة الكرام: «كشف النبي -صلى الله عليه وسلم- ستر حجرة عائشة، ينظر إلينا وهو قائم، كان وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح، وظننا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا أن أتموا صلاتكم، وأرخى الستر، وتوفى من يومه صلى الله عليه وسلم» (4).

أرأيت كيف تكون الابتسامة البسيطة الصادقة، ولو أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ظهر لهم عابس الوجه لزاد ذلك من حزنهم ومصيبتهم ولكنها الابتسامة الصغيرة تفعل الأفعال الكبيرة.

ويذكر دايل كارنيغي هذه الحادثة فيقول: بينما كنت أصعد إلى محطة لونغايلند، كان أمامي ثلاثون أو أربعون كسيحًا يصعدون الدرج بصعوبة وهم يستعينون بالعكازات والعصي الخشبية، وكان بينهم طفل لم يقدر أن يصعد مثلهم.. ولقد دهشت عندما أحسست بمرحهم وضحكهم، فتحدثت إلى أحد المسؤولين عنهم وقد قال لي: عندما يتبين الفتى أنه سيبقى كسيحًا مدى الحياة يصاب بالصدمة بادئ الأمر لكنه يعود ويتقبل وضعه حين يتغلب على الصدمة ويكون أكثر سعادة من الأطفال الأصحاء.. عندها شعرت بالحاجة إلى خلع قبعتي إكبارًا لهؤلاء الفتيان الذي علموني درسًا أكاد لا أنساه.

كما أن الرجل الباسم البشوش هو أهل للترحيب والتقدير والحفاوة.. ذلك لأنه يدخل الفرح والأنس على قلوب الناس المتعبة من تكاليف الحياة فيسمع منها ثورة الغضب وبؤس الحزن ليسكب فيها من الفرح والأنس ما يجدد هذه القلوب ويبعث فيها النشاط من جديد.. ففي المدينة المنورة كانت سويداء لبعض الأنصار تختلف إلى عائشة فتلعب بين يديها وتضحكها، وربما دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- على عائشة فيجدها عندها فيضحكان جميعًا ثم إن النبي فقدها، فقال يا عائشة، ما فعلت سويداء؟ قالت له: إنها مريضة- فجاءها النبي صلى الله عليه وسلم يعودها فوجدها في الموت فقال لأهلها: «إذا توفيت فأذنوني، فلما توفيت أذنوه، فشهدها وصلى عليها، وقال «اللهم إنها كانت حريصة على أن تضحكني، فأضحكها فرحًا» (5).

إن الصينيين القدامى هم أكثر الناس حكمة وتعقلًا، ولهم حكمة يجب ألا ننساها أبدًا.. الإنسان الذي لا يملك وجهًا باسمًا، يجب ألا يفتح محلًا تجاريًا» (6)، وحكمة العرب تقول «البشاشة حبل المودة»

وهكذا تمضي الشعوب من أقصى شرق الأرض إلى أقصى غربها في التأكيد على أهمية الابتسامة في كسب العلاقات والاحتفاظ بها وكونها علامة واضحة على كرم الأخلاق ونبل الطباع، كما قال الشاعر:

وذو الطبع الكريم تراه سهلًا *** طليق الوجه ليس به التواء

هوامش:

1- العقد الفريد: ج 6، ص 381.

2- سورة عبس: 38- 39.

3- رواه البخاري ومسلم.

4- الندوي: السيرة النبوية- ص 351.

5- العقد الفريد: ج 6، ص 381.

6- كيف تكسب الأصدقاء: ص 73

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1716

112

السبت 26-أغسطس-2006

الابتسامة سلاح الداعية

نشر في العدد 1044

147

الثلاثاء 06-أبريل-1993

خواطر زوجية