العنوان الافتتاحية- حتى لا تتوقف الانتفاضة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1988
مشاهدات 62
نشر في العدد 858
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 15-مارس-1988
في الوقت الذي
دخلت فيه انتفاضة الشعب الفلسطيني شهرها الرابع، بدأت في الآونة الأخيرة ترتفع
أصوات مختلفة تطالب بوقف الانتفاضة.
هذه الأصوات
التي تُغلف مطالبها بشعارات الحرص على القضية والإخلاص لها، تحتاج إلى مناقشة
عقلانية بعيدة عن التشنج والانفعالات، واتهامات التخوين والعمالة.
صحيح أن
المطالبة بوقف الانتفاضة تصب - من وجهة نظرنا - في خانة خدمة اليهود ومخططاتهم،
إلا أن ذلك لا يعني الاستخفاف بهذه الدعاوى، التي تأتي من بعض أبناء جلدتنا وممن
يتكلمون بألسنتنا. بل لا بد من خضوعها للمناقشة العلمية الموضوعية.
مبررات وقف
الانتفاضة
يرى المطالبون
بوقف الانتفاضة أن استمراريتها يحتاج إلى دعم مالي متواصل ومستمر. واليهود الآن
يحاولون - من ضمن محاولاتهم المتعددة - اللجوء إلى حرب التجويع لوقف الانتفاضة،
والحصول على مصدر مالي متواصل - في نظر هؤلاء - يكاد يكون مستحيلًا، خاصة في ظل
الموقف السلبي لعدد من الحكومات العربية، والتي يحرص بعضها على وقف الانتفاضة أكثر
من حرص اليهود على ذلك!
ويرى هؤلاء كذلك
أن استمرارية الانتفاضة ستجعل اليهود يضاعفون من إجراءات القمع والتنكيل والتعذيب،
مما يعني سقوط المزيد من الشهداء والجرحى وزيادة أعداد اليتامى والأرامل! وبالتالي
التأثير على نفسيات الشعب. ويسرف بعض هؤلاء في التفاؤل، فيُبهرهم التحرك الأمريكي
المكثف في المنطقة هذه الأيام، ويتأملون في الوصول إلى حل يُعد - من وجهة نظرهم -
مرحليًّا مكسبًا لا ينبغي تفويته، وتغيُّرًا نسبيًّا في الموقف الأمريكي لا بد من
استغلاله!
حتى نضع النقاط
على الحروف!
إن الحقيقة التي
يجب أن يعرفها القاصي والداني، أن ما يحدث الآن على أرض فلسطين، هو البداية
الحقيقية لتحرير فلسطين، وجميع الشعوب التي نالت حريتها واستقلالها، لم يتحقق لها
ذلك إلا بتقديم التضحيات والصبر عليها. ولا يظنن ظان أن الطريق إلى فلسطين مفروش
بالورود، بل هو طريق تحيطه الأشواك وتحفه المخاطر والصعاب. والآن ونحن نعيش في عصر
"الغاب" ينبغي أن ندرك جيدًا، أن "القوة" هي اللغة التي
يفهمها الناس، وأما الضعف والاستكانة والتذلل، فإنها لغة لا يفهمها أحد، ولن نجني
من ورائها غير المزيد من الهزائم والخسائر!
والذي يراجع
التاريخ ويتأمل في مسيرته جيدًا، يدرك أن الدماء وحدها هي التي تعبد الطريق إلى
النصر. وسقوط الدماء على أرض فلسطين، يعني أن تعبيد الطريق قد بدأ. وأما البيانات
والخطب والقصائد وغيرها، فإنها تُلهب المشاعر وتُذكيها فقط ولكنها لا تُحرر الأرض
ولا تُعيد الحق إلى أهله!
الصبر من
مستلزمات الطريق
وحتى نكون
واقعيين نقول: إن الصبر من مستلزمات الطريق. والشعوب التي تريد أن تنتصر لا بد أن
تتسلح بسلاح الصبر، الذي يُعينها على مواجهة الأزمات والنوائب. وهذه الانتفاضة
تحتاج إلى صبر ونفس طويل. قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾
(آل عمران:142). على أن طول الوقت هو في صالح القضية حتمًا، إذ إن الانتفاضة تُثير
تواصلها الانقسام في صفوف العدو، وتزيد من سوء الحالات النفسية لدى جنود العدو،
الذين أخذت تُصيبهم الأزمات والعقد النفسية. قال تعالى:
﴿وَلَا تَهِنُوا
فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ
كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ
اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء:104)
كما أن
استمراريتها تُكسب الشعب خبرات وتجارب جيدة في أساليب ووسائل المواجهة مع العدو.
دعمنا نحن
ولا يعني ذلك أن
نقف نحن من نعيش وراء الحدود، وبعيدًا عن أرض الرباط في فلسطين موقفًا سلبيًّا من
هذه الانتفاضة، بل واجبنا الشرعي والإنساني يقتضي منا دعم صمود هذا الشعب بشتى
الوسائل والإمكانات، ونحن على ثقة بأن الدعم الإعلامي والمالي - بشكل خاص - سيزيد
من توهج الانتفاضة وانطلاقتها. وسيجعل أهلنا في الداخل يزيدون من إصرارهم على
المضي في طريقهم، الذي لم يعد بإمكان أي جهة وقفه إذ أصبح خيار الانتفاضة خيارًا
شعبيًّا. أما بث الروح الانهزامية فإنها تعني وضع العقبات في طريق هذا الشعب، وهي
في صالح العدو أولًا وأخيرًا. فإلى مسلمي فلسطين المرابطين الصامدين، وإلى من
يتابعون ثورتهم وانتفاضتهم، إن النصر من عند الله الكبير المتعال، ينزله على من
يشاء من عباده، فأبشروا بنصر الله القريب، وصابروا. فإن النصر مع الصبر وإن مع
العسر يسرًا، ولن يغلب عسر يسرين. فأبشروا وأملوا يا من لا يضرهم من خذلهم وخالفهم
إلى يوم القيامة، وغدًا بإذن الله تفرحون بنصر الله، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب
ينقلبون.