العنوان حتى لا نعض أصابع الندم
الكاتب د. عبد الله عزام
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1983
مشاهدات 63
نشر في العدد 618
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 26-أبريل-1983
إن
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،
من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
اللهم
لا سهل إلا ما جعلته سهلًا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلًا.
وبعد:
فهذا
هو العام الثامن قد آذن بالانصرام منذ أن بدأت الصفوة الأولى من الشباب المسلم
معركتهم الأولى ضد حكم داود الشيوعي في أفغانستان.
وخلال
هذه الفترة قدم الشعب الأفغاني من التضحيات في سبيل عقيدته ودينه ما يصلح رصيدًا
ضخمًا للسائرين على طريق هذا الدين لعدة قرون قادمة، ولقد قدم لنا هذا الشعب
البسيط المؤمن من خلال تجربته التي خاضها بدمه وأرواح أبنائه الكثير الكثير:
1-
فلقد أثبت للدنيا بأسرها أن قوة العقيدة لا تقهر وأن عزيمة الإيمان لا تهزم.
2-
لقد هز الأرض من تحت أقدام روسيا وزلزل الأرض بها حتى باتت روسيا تشعر بضآلتها
أمام هذا الشعب الفقير، ولقد وصل الأمر بجنود الروس أن يكتبوا للمسؤولين في روسيا: إن
الأفغانيين لا يموتون، فمن العبث محاولاتنا في أفغانستان.
3-
لقد ارتفعت معنويات هذا الشعب فأصبحوا يظنون أن أسلحة الروس لا تضرهم ولا
تهزمهم.
4-
لقد أدخلوا الإسلام في حلبة الصراع الدولي فأصبح العالم يحسب له ألف حساب.
5-
إن الفرصة الآن ذهبية وسانحة لإقامة دولة إسلامية في أفغانستان بعد انتصار
المجاهدين الذين يتعدون المليون، وهدفهم واحد لا يتلعثمون فيه (لتكون كلمة الله
هلي العليا ولإقامة حكم الله في الأرض).. لقد سألت الكثيرين من الصبيان
الجرحى الذين هم في سن الثانية عشرة والحادية عشرة إلى الشيخ الكبير الذي يستلقي
على سريره في المستشفى والذي قد بلغ المائة وأربع سنوات من عمره فإجابتهم واحدة
واضحة في أذهانهم دون لبس أو غموض لهدف جهادهم.
ولكني
أعود وأقول وأكرر:
إنها
الفرصة الذهبية السانحة الآن في الأرض كلها لإقامة حكم الله في الأرض.
الذين
لهم دراية بأمور الجهاد في العالم يعلمون جيدًا صعوبة تجميع الناس على القتال
ويدركون أكثر من غيرهم كيف يربون الإنسان نظريًّا على حب الجهاد والاستشهاد حتى
إذا اشتد الوطيس واحمر الحدق يتلفتون حولهم فلا يجدون إلا القليل القليل من هؤلاء
الذين تربوا منذ نعومة أظفارهم على هذه المعاني السامية الرفيعة، وقضية العدد
الكبير مسألة صعبة في دنيا القتال حتى إن الله عز وجل يقول عن صفوة الخلق بعد
الرسل- صلوات الله وسلامه عليهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ
كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ
عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ
اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا
الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۗ﴾ (النساء:77).
ويقول
سبحانه: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا
تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ (الأنفال:6).
فعالم
النظريات غير عالم الواقع، ودنيا الكلام غير دنيا التطبيق.
- أين تجد الآن في العالم شعبًا زاهدًا بطبيعته،
محاربًا بفطرته، متقشفًا وعزيزًا بسليقته كالشعب الأفغاني؟
- قل لي بربك أين تجد مليونًا من الشباب الذي
يتوقد حماسًا يستعد للموت.. يأكل الشوق للجهاد قلبه إلا في أفغانستان؟
- أين تجد جيشًا كاملًا من المتطوعين للقتال لا
يأخذون روبية واحدة في الشهر وأحسنهم حظًا من يجد لقمة العيش من قائده إن استطاع
تقديمها؟
- أين تجد حدودًا تمتد 4000 كم (أربعة
آلاف كيلومتر) مفتوحة على مصراعيها لمن أراد أن يدخل أو أن يخرج يحمل القذائف
على كتفه إلا على حدود أفغانستان؟
- أين تجد مناطق في العالم يباع فيها السلاح
والذخيرة والقذائف ومضادات الدبابات وألغامها والرشاشات بأنواعها كما يباع الكوسى
والباذنجان والبندورة في بلادنا إلا على حدود أفغانستان؟
إن
الذين يبحثون عن مخرج عليهم أن يستيقظوا من سباتهم قبل فوات الأوان، إن الفرصة مازالت
سانحة- وإن شاء الله وبقليل من الجهد يمكن كسب الوقت حتى لا يجني
أعداؤنا ثمار هذه الدماء ويأخذون حصاد هذه التضحيات..
- كنت أقرأ عن زهد عمر- رضي الله عنه- فكأني
أسمع ضربًا من الخيال ولكن رأيته واقعًا عندما رأيت بيت الشيخ سياف الذي يسكنه
طينيًّا وأرضه ترابية ومضافته لاستقبال الضيوف خيمة ونفقته ريال ونصف.
- كنت أحتار أن أجد تفسيرًا في الجيوش الإسلامية
التي كانت تجوب الأرض أيام أبي بكر وعمر رضي الله عنهما دون رواتب من الدولة فوجدت
مليون أفغاني مجاهد لا يستلم الواحد منهم روبية واحدة.
- كنت أسمع عن قصص السابقين في البذل والتضحية
فوجدت الأفغاني يبيع عنزه أو شاته ليشتري طلقة واحدة (كان ثمن الطلقة في
بداية الجهاد ثلاثة دولارات) ويبيع ستمائة رأس من الغنم ليشتري سلاحه الفردي
لأن قطعة السلاح كان ثمنها ستمائة دينار كويتي في السوق السوداء.
- لقد شعرت بصغر نفسي وقزامتها أمام سائق سيارة
لأحد القادة وهو يعيش بستمائة روبية منها أجرة بيته وطعام أسرته ودوائهم (15
دينارًا كويتيًّا) بينما يملك هذا السائق ناقلتين كبيرتين قد سخرهما لخدمة
المجاهدين ولأغراض الجهاد وقد دفع له ثمن إحدى السيارتين مليونين وثلاثمائة ألف
روبية أفغانية فأبى أن يبيعها.
يحدثني
شاب أو شباب من الدول البترولية -متعجبين- أن الكلاب في باكستان تأكل الخبز، قالوا
لي: إن الكلاب في بلادنا لا تأكل الخبر ولا الأرز لأنها اعتادت أن تأكل اللحم
فقط وإنك لتذهل إذا رأيت أكوام الأرز واللحم التي تدفن مساء كل خميس في رمال
الصحراء! فقلت لهم: إن البشر لا يجدون الخبز وإن المجاهدين في أفغانستان
أحيانًا لا يجدون إلا ما تنبته الأرض وما يجدونه على الأشجار في الجبال من ثمار
حتى بقيت فرقة عدادها ثمانية آلاف مجاهد شهرين كاملين تعيش على هذه الثمار وعندما
انتهت الثمار في المنطقة اضطروا لتركها.
ولكننا
نضع أمام المسلمين الحقائق التالية: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ
وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ
ۗ ﴾ (الأنفال:42)
1- لا
يوجد في ساحة الجهاد طبيب مسلم واحد إلا مجموعة من الأطباء حوالي عشرة من
الأفغانيين والجبهات حوالي ألف جبهة بينما تعج الساحة بمبعوثي التبشير وبعض
المستشفيات المتنقلة من أميركا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا.
2- لا
يوجد في ساحة القتال صحفي مسلم واحد ولا مراسل صحفي واحد من المسلمين بينما تجد
الكثيرين من الغربيين ومراسلي وكالات الأنباء.
3- لا
يوجد في أرض المعركة مصور مسلم واحد ولم تقم محاولة واحدة جادة لعمل فيلم عن
الجهاد الأفغاني؛ اللهم إلا شاب مسلم من بريطانيا وقد جرح أثناء عملية التصوير،
يقول سياف: «يحدث يوميًّا مائة معركة- أحيانًا- تذكرنا ببدر وبأحد لا
يجد قلمًا صادقًا يكتبها ولا فمًا مخلصًا يبثها».
4- إن
كثيرًا من المجاهدين يتناوبون الأحذية فالذي يذهب إلى المعركة ينتعل حذاء والذي
يبقى في القاعدة يبقى حافيًا.
5-
لقد مضى على أربعة آلاف مجاهد في معسكر ورسك قرابة ثلاثة أشهر من الشتاء لا يجد
الواحد منهم بطانية ولا خيمة حتى رآهم الشيخ ناصر الرشيد- المراقب المالي للهلال
الأحمر السعودي- فاشترى لهم على حسابه الخاص- جزاه الله ألف خير- ألف
خيمة مع البطانيات ومضى معظم فصل الشتاء على قرابة ألفين وخمسمائة من المجاهدين في
معسكر أبي بكر الصديق بدون خيام وبدون غطاء ولو بطانية واحدة حتى بادر الشيخ ناصر
الرشيد واشتراها على حسابه الخاص.
6- إن
كثيرًا من المجاهدين تقطع أصابعهم من الثلج والجليد لأن أحذيتهم سيئة وخفيفة ولا
تقي المجاهد مغبة الثلج، لأن ثمن الحذاء يساوي مائة روبية باكستانية على الأقل وهم
مليون مجاهد فيحتاج المجاهدون لأكثر من مائة مليون روبية لأحذيتهم فقط، وإن الحذاء
لا يكفي سوى لغزوة واحدة.
7- يحدثني
محمد صديق قائد في منطقة كابل قائلًا: لقد رأيت بعيني امرأة تضطر لترك أحد
أبنائها الصغار يموت في الثلج لأنها لا تستطيع حمله وليس معها أجرة دابة تركب
أولادها عليها.
8- لم
يدخل ساح القتال -من غير الأفغانيين- سوى النزر اليسير الذي لا يذكر وأما
الذين استمروا معهم من المسلمين في المعركة فهم دون أصابع اليدين بينما نجد بجانب
الشيوعيين من كوبا وألمانيا الشرقي ومن اليمن الجنوبية الشعبية الكثيرين.
على
المسلمين أن يستيقظوا قبل فوات الأوان، فروسيا الآن تريد أن تنسحب بطريقة
تحفظ لها ماء وجهها أمام دول العالم وخاصة الدول التي تدور في الفلك الاشتراكي
والمبهورة بالوطن الأم- روسيا- فأوكلت إلى أميركا البحث عن البديل المناسب،
لأنها لن ترضى أن يكون البديل هو الإسلام.
لقد
وصل التسابق للاتصال بقادة المجاهدين من قبل الدوائر السياسية الغربية إلى حد
الابتذال، حتى إن السفراء والقناصل الغربيين يصلون إلى أبواب قادة الجهاد في بشاور
فيردهم الصادقون ويتلقاهم الساقطون.
إن
الجهاد يمر الآن في مرحلة دقيقة جدًّا قلما يبق في يد روسيا إلا بعض مراكز
المحافظات التي تعيش فيها كالفئران في المصيدة، حتى إنهم لم يعودوا يجرؤوا أن
يسيروا بقوافل الدبابات على الطرقات، وأصبح تزويدهم بالطعام والدواء والسلاح
بوساطة طائرات الهليكوبتر.
هذه
المراكز تحتاج إلى أسلحة ثقيلة لفتحها وإلى ذخائر كثيرة لتحطيم شوكتها وشراء
الذخائر يحتاج إلى أموال.
هل
يفطن المسلمون إلى مسؤوليتهم فيؤدوا النزر اليسير مما ينفقونه على شهواتهم
وكمالياتهم؟
إن
الصيف القادم ابتداء من هذا الشهر سيشهد معارك ساخنة على كل الجبهات- إن شاء
الله- وقد تكون المعركة الحاسمة بإذن الله قريبة: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ
إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:40).
يقسم
لي محمد صديق شكوى- قائد إحدى الجبهات في كابل وهو خريج الجامعة الإسلامية في
المدينة المنورة- أنه يحكم من أرض كابل نفسها (العاصمة) أكثر من
بابرك كارمل ويطبق عليها الإسلام- يا لله والله أكبر.
وختامًا أقدم اقتراحات محددة:
1- أن
تقيم كل جامعة ومعهد ومؤسسة علمية أسبوعًا باسم أسبوع نصرة الجهاد في أفغانستان
وجمع الأموال وإرسالها مع شخص أو مجموعة إلى بشاور نفسها وتسليمها لرئيس الاتحاد
الشيخ سياف.
2- أن
تهتم الصحف الإسلامية بفتح باب خاص في كل عدد للجهاد الأفغاني.
3- أن
تخصص كل أسرة مسلمة مصروف يوم واحد في الشهر للجهاد الأفغاني.
4- تنظيم
رحلات علمية إلى بشاور لرؤية الجهاد الأفغاني حتى ترتفع الهمم وتحيا النفوس برؤية
الأحياء.
5- على
الأطباء أن يخصصوا في السنة شهرًا واحدًا للحياة بين المجاهدين.
6- على
الصحف الإسلامية أن ترسل مراسلًا واحدًا على الأقل إلى داخل الجبهات.. وعلى
الذين يتقنون فن الإعلام والتصوير السينمائي أن يأتوا ليعدوا أفلامًا عن جهاد لا
نظير له في عالم الواقع.
7- على
الدول الإسلامية أن تسمح بفتح مكاتب للمجاهدين الأفغان ليعرفوا بقضيتهم ويجمعوا
التبرعات لجهادهم.
8- من
أراد أن يحول أي مبلغ فليحوله إلى بيت التمويل الكويتي وليكتب على
الشيك «الجهاد الأفغاني» ورقم الحساب 1/1920.. إن
المسألة يسيرة على من يسرها الله عليه، إنها دراهم معدودة.. فيا دعاة الإسلام
انتبهوا، ويا مسلمي العالم استيقظوا قبل فوات الأوان.. وحتى لا نعض أصابع
الندم ولات ساعة مندم: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ
لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق:37).
ألا
هل بلغت، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.
والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل