; حتى يضحك الله لنا (٤) وحدة الصف | مجلة المجتمع

العنوان حتى يضحك الله لنا (٤) وحدة الصف

الكاتب توفيق علي

تاريخ النشر الجمعة 21-مايو-2004

مشاهدات 77

نشر في العدد 1601

نشر في الصفحة 56

الجمعة 21-مايو-2004

عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ثلاثة يضحك الله إليهم؛ الرجل يقوم من الليل، والقوم إذا صفوا للقتال»

 ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4).

ويتضح من الحديث أن: 

الرجل يقوم من الليل: جهاد فردي.

القوم إذا صفوا للقتال: جهاد جماعي داخل الصف المسلم. 

وفي نص القرآن والرواية النبوية وجدنا القتال المقبول المحبوب إلى الله ورسوله مشروط بشرط: صفًا واحدًا، كالبنيان المرصوص.

يقول الشيخ السعدي في تفسيره: «هذا حث من الله لعباده على الجهاد في سبيله صفًا متراصًا متساويًا، من غير خلل يحصل في الصفوف، وتكون صفوفهم على نظام وترتيب، به تحصل المساواة بين المجاهدين، والتعاضد، وإرهاب العدو، وتنشيط بعضهم بعضًا، ولهذا كان النبي ﷺإذاحضرالقتال،صفأصحابه, ورتبهمفيمواقفهم،بحيثلايحصلاتكالبعضهمعلىبعض،بلتكونكلطائفةمنهممهتمةبمركزها, وقائمةبوظيفتها، وبهذه الطريقة تتم الأعمال، ويحصل الكمال. 

وحدة الصف المسلم مطلب شرعي ويأتي في ذروة سنام الدين، ولذلك لا تجد الخطاب الإسلامي في القرآن الكريم موجهًا إلى الفرد وحده، بل موجهًا إلى الجماعة المؤمنة، الخطاب في كتاب الله تعالى بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾. 

والعبادات في الإسلام تؤدى بشكل جماعي، فالصلاة تؤدى في جماعة، بل المؤمن وهو يقف بين يدي ربه ولو كان منفردًا في صلاته، فإنه يشعر وهو يقرأ بأم الكتاب أنه في جماعة، حيث إن صيغة الدعاء فيها والمناجاة جماعية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ, اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة: ٥-٦)، وفي الصوم يقول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)، فيبدأ المؤمنون صيامهم في رمضان في لحظة واحدة، وينتهون في لحظة واحدة، لا فرق بين الناس مهما تفاوتت مراتبهم الاجتماعية، وموسم الحج يضم أكبر عدد من أبناء الأمة، يأتون من مختلف بقاع العالم، قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (الحج: 27)، والالتقاء الجماعي للمسلمين في هذه العبادات له فوائد عظيمة، إلا أن أعلاها هو الأخوة والوحدة الشعورية واللقاء.

وعندما نتدبر سورة العصر، نجد أن الله -تبارك وتعالى- عندما اشترط في نجاة الإنسان من الخسران الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، جعل كل ذلك في الإطار الجماعي، ليتبين لنا أن المجتمع السوي لا يمكن أن يكون له وجود حقيقي إلا في ظلال جماعة الواحدة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْعَصْرِ, إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْر, إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر: ١-٣).

ولم يقصر الله -عز وجل- الوحدة على تبادل المصالح والمنافع -رغم أهميتها- بل جعلها وحدة إيمانية تسمو فوق كل ذلك، مبتغاها الإيمان بالله تعالى ووجهتها رضوانه، ومنهجها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 71)

ونجد في كتاب الله تعالى التوجيهات العظيمة بالاعتصام بحبل الله تعالى وعدم التفرق، فإن في الفرقة هدمًا للأمة، وذهابًا لريحها، ولننظر إلى هذا النداء الإلهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ, وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ, وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: ١٠٢-١٠٥)

ويأمر الله تبارك وتعالى الأمة الإسلامية بأن تسعى لإزالة أي شقاق بينها، بالإصلاح بين الطوائف المختلفة بتسديد الرأي والتوجيه الحسن وإزالة دواعي الاختلاف، قال الله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ,  إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ, يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الحجرات: ٩-١٢)

وترى بوضوح في كتاب الله تعالى بث عوامل الألفة، سواء بالإرشاد إلى خلق رسول الله ﷺ، وهو الخلق العظيم ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4)، أو باتباع منهجه في تأليف القلوب وتآلف الناس، قال سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: ١٥٩) 

وقد ظهر هذا المنهج واضحًا في دعوته، فاستطاع أن يؤلف بين المهاجرين والأنصار، وبين الأوس والخزرج، وأن تنضم إليهم بعد ذلك قبائل العرب، لتكون الأمة الإسلامية، وهكذا انتشر دين الله تعالى بين العالمين.

هذا هو المنهج الإلهي الواضح السمح، الذي رسمه لنا الله تعالى في كتابه العزيز، وسار عليه رسولنا الكريم ﷺ.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4)، والجهاد قمة العمل الصالح، حيث يعرض المؤمن نفسه لألوان الأخطار في سبيل ربه، ثم إن أحباء الله لا يقاتلون ليبلغوا مصالحهم وشهواتهم المادية، إنما يجاهدون مخلصين في إطار الحق ولتحقيق أهدافهم النبيلة، فلا ترى بينهم أذى وحقدًا ضد بعضهم، ولا ثغرة في جبهتهم الواحدة، إنما يقفون كما يصفهم الله عز وجل: ﴿كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4).

فوحدتهم ظاهرة كالبنيان المتصل ببعضه، وهي حقيقية لأنها متينة في الواقع، ولأنها ليست كأي بناء، إنما هي كالبنيان المتماسك تماسكًا متينًا.

ولا تعني هذه الآية أنه لا يوجد أي اختلاف بين المؤمنين، لأن الاختلاف طبعي، ولكنه لا يتحول إلى صراع بينهم، ثم إنه يتلاشى عند ظروف التحدي، فتراهم جميعًا ينصهرون في بوتقة الوحدة، لتصبح الجهود والطوائف والجماعات كلها أمة واحدة، لا يجد الأعداء فيها ثغره ينفذون منها، وما أروع أن نكون -نحن أيضًا- من أحباء الله. 

الرابط المختصر :