; حتى يعلم الناس (٢) | مجلة المجتمع

العنوان حتى يعلم الناس (٢)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1978

مشاهدات 75

نشر في العدد 382

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 17-يناير-1978

كثيرون يسيئون فهم موقفنا من العملية الاقتصادية، كثيرون يتصورون أن الإسلام -بالطبع من خلال ما يُعرض عليهم- يقف مع مدرسة الاقتصاد الحُر الذي تنادي به سائر النظم الرأسمالية القائمة والمتمحورة حول مصالح الفرد. كثيرون -نظرًا للعرض المجتزأ الذي للإسلام- يتصورون أننا نقف مع رأس المال في مواجهة رأس الأُمّة وإن جُل ما يهمنا من الفعاليات الاقتصادية في البلاد أن تؤدي الفروض وتنثر دراهم معدودة على مرافق العمل الإسلامي هنا وهناك. وللعلم فقط نقول بأن هذه التصورات خاطئة من الأساس: 

1- للعلم فقط كان الفاروق عُمر يفرض لكل مولود مائة درهم من بيت المال إذا فطمته أُمّه وانتهى رضاعه، وحدث أن عرف أن امرأة ترغم ابنها على الفطام قبل الأوان، حتى يستحق هذا القدر من بيت المال، فحزن عمر لذلك، ونادى في الناس: لا تعجلوا صبيانكم على الفطام، فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام، فهل هناك تأمين اجتماعي مثل ذلك وفي تلك الفترة؟!([1]).

2- وللعلم فقط نورد هنا موقف الفاروق عُمر من احتكار الأقوات وما يُسمى بحُرية التجارة، فقد رُوي أن عُمر خرج -وهو أمير المؤمنين- إلى المسجد فرأى طعامًا منثورًا، فقال: ما هذا الطعام؟ قالوا: طعام جُلِبَ إلينا، قال: بارك الله فيه وفيمن جلبه، قالوا: يا أمير المؤمنين، فإنه قد احتكر، قال: ومن احتكره؟ قالوا: فروخ مولى عثمان وفلان مولى عمر فأرسل إليهما وقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ قالا: يا أمير المؤمنين، نشتري بأموالنا ونبيع، فقال عُمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالإفلاس. أو بجذام» قال فروخ عند ذلك: يا أمير المؤمنين، أعاهد الله وأعاهدك ألا أعود في طعام أبدًا. أمّا مولى عُمر فقال: إننا نشتري بأموالنا ونبيع. قال أبو يحيى: فلقد رأيت مولى عُمر مجذومًا([2]). 

وقد كان الرسول -ومن بعده عمر- يرى أن احتكار الطعام إثم كبير كبير يصل إلى حد الإلحاد، فقد روى القرطبي في تفسير آية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (الحج:25)، أن أبا داود روى عن يعلى بن أُمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه» وهو قول عُمر بن الخطاب أيضًا ([3]). 

3- وللعلم فقط فلم يكن عُمر -حين يقدم عليه أحد عُماله بأموال كثيرة في الفيء- يشتري يختًا أو قصرًا أو حريمًا، حاشا أن يفعل الفاروق ذلك، بل كان يقول: والله الذي لا إله إلا هو ما أحد إلا وله في هذا المال حق، وليؤتين الراعي نصيبه من هذا المال وهو بجبل صنعاء ودمه في وجهه- ([4]).

هكذا نرى أن التشريع الاقتصادي الإسلامي يتجه أساسًا لمصلحة الجماهير الأوسع ابتداءً من المولود ومرورًا بحماية الأقوات والسلع الضرورية من الاحتكار وانتهاء بحقوق ذلك الراعي النائي في أموال الدولة. أين أنتَ يا عُمر؟ بربك أين أنت؟ تعال انتشلنا من وجر الذئاب لنتقرع بجماجمها أبواب الجنة؟.. 

  1. الطبقات الكبير، ج٣، ص٢١٧
  2. المسند لابن حنبل، ج١، ص٢١٤، ٢١٥
  3. تفسير القرطبي، ج١٢، ص٣٥
  4. الخراج لأبي يوسف، ص٢٦، ٢٧
الرابط المختصر :