العنوان حدادًا على أرواح القطط والكلاب!
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يونيو-1996
مشاهدات 76
نشر في العدد 1203
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 11-يونيو-1996
«هذه الحيوانات الطيبة سكنت معنا منذ القدم وقامت بأدوار هامة في حياة الإنسان، ولم يجر قتلها أو استبعادها في الماضي إلا في فترة واحدة هي فترة الحكم العثماني، عندما استبعد القطط والكلاب إلى بعض الجزر القريبة» ولم يُنهِ الدكتور دروج أوروبا -أستاذ الفلسفة التركي- كلمته أمام الحاضرين في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر «المستوطنات البشرية» إلا بعد أن نزلوا على طلبِهِ بالوقوف دقيقة حدادًا على أرواح قطط وكلاب بلدية إسطنبول التي قتلتها البلدية في إطار التحضير لهذا المؤتمر، كما أنه لم يقبل في الأصل إلقاء كلمته إلا بعد أن وافقت اللجنة التحضيرية لهذا المؤتمر على شرطه بأن يوجه المؤتمر رسالة احتجاج ضد بلدية إسطنبول التي قامت في إطار التحضير للمؤتمر بقتل القطط والكلاب في المدينة.
أي حس مرهف.. وأي قلب رقيق.. وأي سمو في الإنسانية هذا الذي يتدفق من هذا الفيلسوف الكبير!
كنت أنتظر وأنا أقرأ كلماته أن يتبع كلامه عن القطط والكلاب بكلمات أخرى عن الإجرام البشع ضد حق الإنسان في بؤر متفرقة من بقاع الأرض ولكن ذلك لم يحدث.. ويبدو أن ما جرى للكلاب والقطط قد ملك عليه كل مشاعره وأخذ بتلابيب فؤاده الرقيق.. وهذا أمر يدعو للحسرة والألم.. فما حدث لقطط وكلاب الفيلسوف الكبير في إسطنبول حدث أبشع منه لأطفال ونساء وعجائز البوسنة والهرسك، والشيشان، وكذلك كلابها وقططها.. طالما هو متيم بها لهذه الدرجة!
إن بلدية إسطنبول وإن كانت قد طهرت المدينة من القطط والكلاب فإن مجرمي الصرب محو مُدُنًا بأكملها وحولوها إلى مقابر كبيرة لم نسمع في التاريخ عن مثيل لها، حتى صارت البوسنة كلها مقابر، وصل عددها طبقًا للبيانات الدولية إلى أكثر من 300 مقبرة.
وربما لم يسمع الفيلسوف الكبير عن مدينة سربيرينيتسا البوسنية ذات الستين ألف نفس بشرية والتي دفن الصرب أبناءها في أبشع مقبرة عرفها التاريخ، ضمن واحدة منها فقط سبعة آلاف من الضحايا.
ثم إن إثارة الزوبعة حول كل من فترة الحكم العثماني «الخلافة» وبلدية إسطنبول وإظهارها بهذه الطريقة الفجَّة في صورة متوحشة هو ظلم فادح. ففترة الحكم العثماني هي فترة زاهرة بالنسبة لتركيا بالذات، وإن كانت لم تخلُ من أخطاء، كما أن مدينة إسطنبول هي المدينة الفائزة العام الماضي بلقب أفضل مدينة في العالم بعد أن تسلم إدارتها الإسلاميون.
نعم، إن الرحمة بالقطط والكلاب خلق إسلامي، ووصايا الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد مشهورة، وقصة المرأة التي دخلت النار في قطة حبستها.. والرجل الذي دخل الجنة في كلب سقاه مشهورة ومحفوظة.. لكن أن تهمل قضايا إبادة البشر ويتم التغافل عمدًا عن قضايا الإنسان ويتم التعتيم عليها بالحديث عن قضايا القطط والكلاب في أكبر منتدى عالمي فذلك بحق نوع من الاستغفال الممقوت.
إن منتديات الأمم المتحدة الضخمة تحولت في الفترة الأخيرة إلى نوع من المزايدة الرخيصة في أمور الرفق بالحيوان والدعوة الصريحة للإباحية والشذوذ وهدم المجتمعات تحت ستار الحرية ولا عجب!!