; حدث في رمضان.. عين جالوت صفحة بيضاء في تاريخ الأمة | مجلة المجتمع

العنوان حدث في رمضان.. عين جالوت صفحة بيضاء في تاريخ الأمة

الكاتب سامي عطا حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1978

مشاهدات 80

نشر في العدد 410

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 29-أغسطس-1978

واإسلاماه رمز انتصار الحق

على الباطل في كل زمان ومكان

سوف يبقى رمضان هو شهر الانتصارات الإسلامية إن شاء الله، فالروح الرمضانية المسلمة التي تجلت في كبريات الانتصارات الإسلامية بل قل في المعارك الفاصلة الهامة في تاريخ هذه الأمة، لا بد وأن تعود ذات يوم ما، لتحمل هذا الإنسان على استلهام روح الأمجاد السالفة لأمتنا العظيمة، وتكون له عونًا في تحرير نفسه وتحرير أرضه، تحرير نفسه أولًا من رق الأنا وعبودية الهوى والشهوة، وتحريرها من الطواغيت الجائرة المستبدة في بعض ثغور الإسلام، ثم التحرير الشامل لهذه الأمة من كل دنس ولص ومستعمر ومحتل، إن معركة بدر لم تكن هي المعركة الفاصلة الوحيدة التي حدثت في رمضان من تاريخ هذه الأمة، فهناك إلى جانب بدر الفتح الأعظم لعاصمة الشرك أيام الدعوة الأولى، فتح مكة بلد الله الحرام، لقد كان ذلك في رمضان أيضًا، ولم تقتصر انتصارات رمضان على حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد امتدت في أعماق هذه الأمة وعلى مدى تاريخها ولعل القارئ للتاريخ يذكر أن فتح أوروبا بدء من الأندلس في شهر الله الكريم.

 في شهر رمضان الانتصارات والأمجاد، كما أن لقارئ التاريخ ألا ينسى معركة حولت مجريات الأمور بعون الله لصالح هذه الأمة المسلمة، ألا وهي معركة عين جالوت لقد حدثت في رمضان أيضًا، إن رمضان تربية النفوس هو نفسه رمضان الانتصارات العظمى، وكأن الله أراد لهذه الأمة أن تدخل في مدرسة الصيام لتتعلم تأديب النفس وممارسة الجهاد والواقف على ظروف معركة عين جالوت، لا بد وأن يوازن بين واقع المسلمين في ذلك اليوم، وواقعهم الآن، والحق أن هناك شبهًا كبيرًا بين ظروف اليوم، والظروف التي قادت المسلمين إلى عين جالوت، لكن عين الحكيمة المجاهدة، الأمر الذي يجعل نتائج ذلك الظرف يختلف بالضرورة عن نتائج الظروف التي تحياها الأمة في هذا العصر، لكن، كيف حدثت هذه المعركة العظيمة؟

وصلت الأمة في بداية القرن الهجري السابع إلى حال من الفوضى قاتلة، فقد انحل تماسك الولايات. وصار لكل مصر زعماء إقليميون، وأمراء محليون، منهم من يدين بالطاعة الشكلية للخليفة الذي كان يشغل منصبه في بغداد بشكل صوري، ومنهم من خرج على الطاعة واستقل بإمارته أو إقليمه، وقد سهلت هذه الانقسامات انحدار الأمة فدب فيها الضعف بعد القوة، والتخلخل بعد التماسك، فكان أن أطمع هذا الوضع الغزاة الشرقيين والغربيين، فداهم الصليبيون الفرنجة بلاد الشام واحتلوا جزءًا هامًا منها، حيث تمركزوا في عكا، وداهم التتار الشرقيون الأمصار الإسلامية في شرق الدولة إلى أن وصلوا إلى عاصمة الخلافة ومركزها بغداد، وأشبعوها دمارًا وتخريبًا، أليس الحال في هذه الأيام شبيها بالظروف التي أولدت معركة عين جالوت المظفرة؟

وتقدمت جيوش التتار بقيادة الإرهابي التاريخي هولاكو واقتحمت بلدان الخلافة واحدة واحدة إلى أن تمركزت في بلاد الشام وشاء الله سبحانه أن ينفث روح الغيرة على هذه الأمة من خطر التتار في شخصية حاكم مصر آنذاك وأميرها سيف الدين قطز فقد سمع هذا الأمير المسلم بالأهوال والفظائع التي ارتكبها التتار في حواضر العالم الإسلامي، حيث أحرقت جيوشهم الجرارة كل أخضر ويابس، وشاهد المآسي في تقاعس أمراء الولايات الإسلامية عن الوقوف في جبهة واحدة ضد هذا الزحف الحاقد على دين الإسلام.

وفي عام 658هـ أي بعد عامين من سقوط الخلافة العباسية في بغداد، وسقوط الخليفة العباسي الأخير، أعد سيف الدين قطز عدته لمواجهة التتار، وصدهم عن احتلال بلاده، ونادى منادي الجهاد أن حي على الفلاح، وقدر الله لمصر أن تخوض حربًا مظفرة، هي أحوج ما تكون إليها في هذا اليوم مع عدو الأمة الشرس، وأخذ القائد قطز كافة احتياطات الإعداد للمعركة، فاتصل بأمراء الشام، وتدارس معهم عزمه على خوض معركة الجهاد، وأخذ الحيطة من الفرنجة الموجودين على شاطئ المتوسط في عكا، وكان من أبرز المعالم الحركية التي امتاز بها قطز في ذلك العصر المتأخر:

  1. فتح باب التعاون الكامل بينه وبين علماء الأمة وقادة الفكر فيها، فكان أن عهد إلى العز بن عبد السلام بإنشاء ديوان خاص مهمته الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله، وقد جند هذا الديوان الدعاة والوعاظ، وسيرهم إلى قلب المدن والقرى، يبينون للناس معاني فريضة الجهاد، ويستحثونهم على القيام بهذا الواجب العظيم، وكان لهذه التعبئة الشعبية العامة أثر كبير في تجميع المجاهدين مبايعتهم على الخروج في سبيل الله، مع وضوح الهدف من الحرب والقتال، ولعل أمتنا بحاجة ماسة إلى هذه التعبئة الدينية التي كفلت دحر هولاكو وجنوده، وتخليص ديار الإسلام من فسادهم.
  2. عندما سار الجيش المسلم منطلقًا من الديار المصرية نحو أرض سيناء فالشام، كان على رأسه قائد الدولة وأمير النساسيف الدين قطز نفسه. لم يقعد هذا القائد في مقصورته ينتظر أنباء المعركة تأتيه في كتب يحملها الرسل، ولم يتخلف عن أداء فريضة الجهاد منشغلًا بالقضايا الداخلية للأمة. لقد سار على رأس جيشه وفي مقدمته راكبًا فرس الجهاد ومعه زوجته الملثمة التي ضربت مثلًا حيًا للمرأة المسلمة المتفهمة لأركان دينها.

 إن القائد قطز كان يعرف تمامًا أن الجيش لن يكمل مسيرته إلا بوجود القيادة، ويروي التاريخ أنه عندما عزم على خوض المعركة الفاصلة، وبدأ بإعداد الموازنة المالية، باع حلي زوجته ومجوهراتها، ودفع ثمنها من أجل الإعداد العسكري لخوض المعركة، وقد ضرب بذلك مثلًا حيًا لأمراء الدولة آنذاك -كانوا من المماليك- فقدموا أموالهم أسوة به. 

إن المعركة الناجحة المعطرة لا بد لها من أمثال هذا القائد المؤمن الصادق، الذي سار إلى الجهاد بنفسه وبماله وبأهله، وقد استشهدت زوجته في الحرب وهي تقاتل ملثمة، فكان في مسلك هذا القائد أروع مثل للصدق وأفضل أسوة للاتباع، لأنه يسير بخطى الجهاد على سنن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.

  1. وجد القائد المظفر قطز جبهة المسلمين قبل البدء بالمعركة فقد أرسل إلى أمراء الشام يتدارس معهم الأمر، فقد رأى أن إعداد الجيش، وإكمال عدته ومؤونته ولوازمه ليس كافيًا لملاقاة الزحف الرهيب للتتار، إذ لا بد من أن يقيم دولة تقدمهم جبهة قوية متحدة تشمل بالإضافة إلى جيش مصر، ملوك الشام وأمراءها وجيوشها، ذلك أن الوعي العسكري عند هذا القائد أرشده إلى أن سقوط الشام في أيدي التتار سوف يؤدي في النهاية إلى سقوط مصر، وسوف يتعرض شعبه لخطر الإبادة التي قام بها التتار وهم في طريقهم وغزوهم، وقد أكد القائد قطز لزعماء الشام أنه لا يطمع بالسيطرة على بلادهم، وقد كان هدفه ألا يترك أحدًا من أمراء تلك المنطقة يستسلم للتتار كما حصل في مناطق أخرى.

وبعد أن عبر القائد وجيشه سيناء ثم عكا، التقى الجيش المسلم بأعدائه في منطقة عين جالوت في يوم جمعة، وقد اختار القائد الحكيم الحصيف موعد هجومه على أعدائه في وقت صلاة الجمعة، حيث يكون جيش أعدائه في مأمن لأنهم يعرفون مناسك المسلمين وأوقات انشغالهم بأمورهم العبادية، وشاءت حكمة الله سبحانه أن يفر قائد جيش الكفر «هولاكو» قبل التحام الجيشين بزمن، ويعود أدراجه إلى بلاده، ويكل أمر القيادة إلى خليفته «كتبغا» وبعد أن أمر قطز جند المسلمين بالهجوم، اندفعوا إلى الجهاد دون خوف أو رهبة، وهنا حاول التتار أن يقتلوا قائد الجيش المسلم، إلا أن قطز لم يكن بالخائف الجبان على الرغم من إحاطة السيوف والرماح به ومقتل فرسه، فخلع خوذته وراح يصرخ بأعلى صوته بندائه الشهير «واإسلاماه»، مكررًا النداء بكل حماس، مما أشعل في قلوب الجند المسلمين نيران الحمية والاندفاع، فراحوا يرددون معه.. واإسلاماه.. واإسلاماه.. وكروا على أعدائهم كرة رجل واحد، فاختلت صفوف التتار وعادوا متقهقرين خاسئين، وأكمل جنود الإسلام المسيرة في تطويق العدو، وحاولوا منعهم من الفرار من أجل القضاء عليهم، وهكذا فعلوا وحققوا النصر الأكيد المظفر، الذي قعد عنه أمراء المشرق المتفرقين المتخاذلين.

وبتحقيق الانتصار امتلأ قلب الجيش المسلم بالسكينة والاطمئنان إلى نصر الله، وهرع قائد الجيش السلطان قطز يصلي شاكرًا لله على هذه النعمة العظيمة، وكان السلطان هنا يتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم فتح مكة، فهو لم يبطر لهذا النصر، ولم يفعل ما يخل بالوقار الإسلامي، وإنما قاده سلوكه المؤمن إلى الشكران لله على فتحه وعونه وعطائه.

تعريفات لشهر رمضان

قال الفيومي في المصباح المنير:

هو اسم للشهر.. وسمي بذلك: لأن وضعه وافق الرمض.. وهو شدة الحر..

وقيل: إنما سمي رمضان.. لرموض الحر وشدة وقع الشمس فيه، وقال بعضهم: لارتماض الأرض بالحر...

والرمضاء: هي الأرض اليابسة التي لا ماء فيها، وقيل: الحجارة الحامية من حر الشمس.

وفي تاج العروس: رمضان محركةً من الشهور العربية وهو تاسع الشهور.

وقال الخفاجي في حاشية تفسير البيضاوي:

رمضان: مصدر رمض.. أي: احترق.

فأضيف إليه الشهر وجعل علمًا، ومنع من الصرف.. للعلمية والألف والنون.

وعقب.. أبو حيان.. على قول الخفاجي بقوله:

يحتاج في تحقيق أن رمضان مصدر إلى صحة نقل، فإن فعلان ليس مصدر فعل اللازم فإن جاء شيء منه على ذلك كان شاذا.

أما قوله: وجعل علما، فإنه يعني مجموع شهر رمضان علما لا رمضان وحده من دون الأشهر.

ورمضان يجمع علــى: رمضانات. وأرمضاء، وأرمضة.

مثل: شعابين وقال أبو جعفر وعن يونس أنه سمع: رماضين الرواس، أستاذ الكسائي والفراء، ولقب بذلك لكبر رأسه: روي عن العرب أنهم يكرهون أن يجمعوا رمضان دون الشهر.. ويقولون: شهر رمضان، وشهرا رمضان في التثنية. وشهور رمضان في الجمع.

قال بعض العلماء: يكره أن يقال جاء رمضان.. إذا أريد به الشهر.. وليس معه قرينة تدل عليه.. وإنما يقول: جاء شهر رمضان..

واستدل بحديث لا تقولوا رمضان.. فإن رمضان من أسماء الله تعالى ولكن قولوا: شهر رمضان.

وهذا الحديث ضعفه البيهقي.. وضعفه ظاهر، لأنه لم ينقل عن أحد من العلماء أن رمضان من أسماء الله تعالى.

والصحيح: أنه يجوز أن يقال: هذا شهر رمضان...

وهذا رمضان.. بلا ذكر شهر.

قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (سورة البقرة:  185)، وورد في الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة مما يدل على جواز حذف شهر.. من ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنان، وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين «رواه الخمسة إلا أبا داود»، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أتاكم رمضان.. شهر مبارك فرض الله عز وجل عليكم صيامه تفتح فيه أبوا السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتقيل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر.. من حرم خيرها فقد حرم. «رواه النسائي والبيهقي».

وورد ذكر رمضان من غير شهر في الشعر العربي.. من ذلك قول العجاج:

أبيض من أخت بني أباض         

جارية في رمضان الماضي

تقطع الحديث بالايماض

أي: أنها إذا ابتسمت وكان الناس على حديث قطعوا حديثهم ونظروا إلى حسن ثغرها.

وقد مدح الله سبحانه وتعالى هذا الشهر المبارك فقال في كتابه الكريم:

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ (سورة البقرة:  185)، ولم يذكر في القرآن الكريم غيره من الشهور.

كما وردت عدة أحاديث تبين فضل هذا الشهر المبارك.

وهنا قد يقول قائل:

وردت عدة آيات تبين أن القرآن الكريم أنزل في شهر رمضان.

قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (سورة البقرة:  185)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ﴾ ( سورة الدخان:  3)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (سورة القدر:  1).

وقد ثبت في الروايات الصحيحة أن أول ما نزل من القرآن قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ﴾ (سورة العلق:  1)، ولم ينزل معها غيرها والمشهور أن ذلك كان في شهر ربيع الأول.. ثم فتر الوحي بعد ذلك.. كما أن من الثابت الواقع أن القرآن نزل في غير رمضان من أشهر السنة.. فكيف يكون التوفيق بين ما ذكر في الآيات بعضها مع بعض وبينها.. وبين الواقع الثابت.

والجواب على ذلك:

أن الآيات الثلاث أفادت إنزاله جملة واحدة من اللوح إلى سماء الدنيا.. وكان ذلك في شهر رمضان في ليلة القدر.. وهي الليلة المباركة..

يدل على ذلك ما أخرجه الحاكم والبيهقي وغيرهما من طريق منصور عن ابن عباس رضي الله عنهما- أنه قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا.. وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسوله صلى الله عليه وسلم بعضه في أثر بعض..

وقد ذكر السيوطي في الإتقان في علوم القرآن روايات أخرى عن ابن عباس بهذا المعنى.. وقال: أسانيدها كلها صحيحة، وهذا لا يقوله ابن عباس بمحض الرأي والاجتهاد بل له حكم المرفوع، وإذا كانت هذه الآيات الكريمة لا تنافي بينها.. فهي إذن لا تنافي الواقع الثابت من أنه أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم في غير شهر رمضان.. وليلة القدر.. لأن ذلك في نزوله إلى سماء الدنيا.. وهذا في نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم منجمًا ومفرقًا بحسب الوقائع والأحوال.

والحكمة في إنزاله جملة واحدة إلى سماء الدنيا.. تفخيم أمره وأمر من نزل عليه..

أما الحكمة في إنزاله مفرقًا فلعدة أمور منها:

تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم بسبب توالي نزول الوحي عليه.. وذلك من كمال عناية الله تعالى به.. وقد ذكر الله تعالى هذه الحكمة بقوله: ﴿كذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ ( سورة الفرقان:  32)، وقد ثبت الله تعالى فؤاده في أشد المواقف وأحرجها.. انظر إلى قوله لأبي بكر فيما حكاه عنه الله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (سورة التوبة:  40)، وما ذلك إلا من قوة يقينه ووثوقه بنصر الله مع ما يحيط به من الأعداء.. وانظر إلى حالته صلى الله عليه وسلم في غزوتي أحد وحنين وقد انهزم عنه أصحابه وهو صلى الله عليه وسلم لم يزدد إلا قوة وتثبيتًا، وذلك كله بما كان يواليه الله به من تتابع الوحي وذكر قصص الأنبياء وأممهم وكيف كانت عاقبة الصبر.

قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ ( سورة الإسراء:  106) أي لتقرأه على تؤدة وتمهل.. وهذه الحكمة تشتمل على حكمة عظيمة منها: 

انتزاع العقائد الفاسدة والعادات الضارة المتأصلة في نفوسهم شيئًا فشيئًا.. فنزل القرآن على التدريج ليكون ذلك ملائمًا للطبائع البشرية التي يشق عليها ترك ما توعدته دفعة واحدة.

تفهم القرآن وتدبر معانيه والوقوف على أسراره حتى يتمكنوا من العمل به على الوجه الأكمل.

تيسير حفظه على المسلمين.. فقد ابتلوا بالاضطهاد والأذى من كفار قريش قبل الهجرة.. حتى اضطر كثير منهم إلى ترك أهله وماله ووطنه فرارًا بدينه.. وبعد الهجرة ابتلوا كثيرًا بمعاداة اليهود والمنافقين وبالحروب التي قامت بينهم وبين الكافرين.. وكانت سببًا في تمكين الإسلام ونشره.. فلو أن القرآن نزل جملة واحدة لما وسعهم حفظه في مثل هذه الأحوال.

مجاراة الحوادث في تجددها.. فقد شاءت إرادة الله تعالى أنه كلما وقعت حادثة لم يكن حكمها معروفًا عند المسلمين أن تنزل آية مبينة لحكمها عقب وقوعها.. ومن البديهي أن هذه الحوادث لم تقع جملة واحدة حتى تنزل آيات الله بأحكامها دفعة واحدة، فكانت الحكمة والمصلحة في تفريق الآيات الخاصة بأحكام الحوادث التي تقع كحادثة هلال بن أمية مع زوجته التي نزلت فيها آية اللعان وحكمه. وكحادثة الإفك التي نزلت فيها آيات ببراءة السيدة عائشة رضي الله عنها- وحكم الإفك وأهله.. إلى غير ذلك من الجزئيات الكثيرة.

إجابات السائلين الذين كانوا يوجهون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسئلة.. إما بقصد معرفة الحكم.. أو بقصد التثبت من رسالته صلى الله عليه وسلم.

ومن النوع الأول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ (سورة البقرة:  189).

ومن النوع الثاني: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ ( سورة الإسراء:  85).

ومن المعلوم أن هذه الأسئلة لم تقع جملة في وقت واحد، بل وقعت متفرقة في أوقات مختلفة.. لأغراض متنوعة..

وفي ذلك الدليل الواضح على أنه صلى الله عليه وسلم ما كان يشرع الأحكام من تلقاء نفسه، وما كان يخبر عما غاب عنه ولم يكن حاضرًا له بمقتضى علمه.. وإنما ذلك كله من لدن الحكيم الخبير الذي أرسله رحمة للعالمين، إلى غير ذلك من الحكم الكثيرة التي لو تتبعناها لطال بنا المقال أما الكتب السماوية السابقة.. فالمشهور بين العلماء أنها نزلت جملة واحدة حتى كاد ذلك الرأي يكون إجماعًا.

والدليل عليه قوله تعالى حكاية عن اليهود أو المشركين وردًا عليهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ ( سورة الفرقان:  32)

ووجه دلالة هذه الآية على أن الكتب السابقة نزلت جملة واحدة أنها لو كانت قد نزلت مفرقة لكان رد الله عليهم بأن ذلك سنة الله في الكتب التي أنزلها على أنبيائه السابقين.. كما رد عليهم في قولهم: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (سورة الفرقان:  7)

بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ۗ﴾ ( سورة الفرقان:  20)، وكما رد على قولهم:  أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ (سورة الإسراء:  94)، بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ( سورة النحل:  43)، وهنا لم يرد الله عليهم بأن ذلك سنته في إنزال الكتب بل أجابهم ببيان الحكمة في إنزاله مفرقًا.. بقوله تعالى: ﴿كذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ ( سورة الفرقان:  32)، أي: لنقوي به قلبك فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان ذلك أقوى للقلب، وأشد عناية بالمرسل إليه وهذا الشهر المبارك مختص بإنزال الكتب السماوية السابقة.

فقد جاء في مسند الإمام أحمد بن حنبل من حديث وائلة بن الأسقع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنزلت صحف إبراهيم عليه الصلاة والسلام في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله تعالى القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان، أي أنه نزل بعد تمام أربع وعشرين ليلة فيكون إنزاله في ليلة خمس وعشرين.

وفي هذا الشهر المبارك وقعت معارك فاصلة وحاسمة في تاريخ الإسلام.. كان النصر فيها حليف المسلمين.. كمعركة بدر الكبرى حيث وقعت ليلة السابع عشر من رمضان وفي الخامس والعشرين من رمضان سنة 658هـ وقعت معركة عين جالوت التي انتصر فيها المسلمون على جحافل التتار،

وفتح المسلمون بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وطهروها من الرجس والأوثان في رمضان من السنة الثامنة للهجرة.

وهناك الكثير من الأحداث الهامة التي وقعت في هذا الشهر المبارك فصلتها كتب التاريخ.

الرابط المختصر :