العنوان حدث يا زمان حدث
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 02-يوليو-2011
مشاهدات 65
نشر في العدد 1959
نشر في الصفحة 39
السبت 02-يوليو-2011
يحدثنا التاريخ عن أحوال من عاشوا على ظهره ودرجوا في ساحته فيذكر رجالًا بالخير، وآخرين بغير ذلك، ويعدد مكاسب البشرية من الخيرين وخسائرها من البائرين، وربما يجد الإنسان من يجري الله الخير على يديه كثير النفع عظيم الفائدة بحيث يعم فضله الأفاق، ويفيض على المشارق والمغارب وربما يشاهد المرء الإنسان الجالب للشر تعم لعنته ما بين الخافقين كذلك، فيكون لهيبا على أمته ولعنة على جيله، وقد تشاهد هذه الأمم المنحوسة الكثير من هذا الصنف البائس، والعديد من ذلك النوع المجرم الخاسر الذي تسبب في هلاك الناس وقطع أرزاقهم وسفك دمائهم. وتشريد أسرهم وما ذلك لذنب اقترفوه أو جرم ارتكبوه وإنما لوقوفهم أمام رغباته الخانية وأهوائه الجامحة، وساعدهم على ذلك سلطات تسللت إلى حكمها بدون رقيب وتمكنوا من رياستها بغير حسيب واستطاعوا أن يلووا أعناق الحقائق ويزوروا صفحات التاريخ ويمتلكوا التوجيه وأساليب القوة لتكميم أفواه الناس وقطع السن الناصحين والمخالفين.
ودعوى القوي كدعوى السباع *** من الناب والظفر برهانها
لقد استطاعوا جمع المحتاجين مستغلين حاجتهم، وتجييش الفقراء ضاغطين على عوزهم، وتسخير أهل الأهواء بإشباعهم الشهواتهم وسكوتهم عن جموحهم وضلالهم وموجهين أهل الإعلام الخدمة أغراضهم وتوجيه جموحهم وإغرائهم بالمال الحرام وإباحتهم الذهب المعز الذي غاب سيفه فزوروا التاريخ وسودوا الحقائق وأضاعوا الطريق وسادت العماية وغابت أو غيبت شموس المعرفة وانتشرت الشياطين في كل مكان لتفعل بالأمة الأفاعيل في هذا الجو البائس الحقير، فينس أهل الخير وانزوى أصحاب الرأي والفكر والإخلاص وانساحت الجهالة والعماية وطمت وعمت وانعدم الضمير وحل النفاق محل الإيمان، وتمحورت الرذيلة بدل الفضيلة وحورب الإسلام وعلماؤه واستبيحت تعاليمه وشرائعه وأهله، واستسلم الناس بعد ذلك كله لأي شيء، ومارسوا النفاق والضلال وصاروا يلقنونه الناس:
إن قيل هذا شهدكم مر فقولوا علقم
أو قيل إن نهاركم ليل فقولوا مظلم
أو قيل إن جفافكم سيل فقولوا منعم
أو قيل إن بلادكم يا قوم سوف تقسم
فتحمدوا وتشكروا وترنحوا وترنموا
وبعد كل هذا البلاء المبين وقف المجاهدون في وجه هذا التيار الأسود وتلك الرياح الهوج وجلين صامدين يتعاملون معه بمسؤولية ومتحملين طوفان الأذى الذي لا تتحمله الرواسي لأن ذلك يوجبه عليهم دينهم ورجولتهم وحبهم لرسالتهم وأوطانهم وخوفهم من خالقهم سبحانه.
في كل بلوى تصيب العبد عافية *** إلا البلاء الذي يودي إلى النار
ذاك البلاء الذي ما فيه عافية *** من البلاء ولا ستر من العار
واستمر معهم هذا البلاء وامتد وتواصل أكثر من ستين عامًا، بين اعتقال وسجن وأحكام قاسية وإعدامات باغية بغير ذنب ولا جريرة، واستمر هذا التجني وهذا القهر بل واشتد جيلًا بعد جيل واستغل أعداء الإسلام هذا لضرب الوحدة الوطنية وخلق صراع بين العاملين للإسلام والسلطات أدى هذا إلى حرمان الأمة من نخبها المخلصة وجمهورها الأمين على مقدراتها واستغلت ذلك السلطات الخربة لتستعين بالأجنبي ضد شعوبها المقهورة، فجعلت من الإسلاميين فزاعة ترهب بها الغرب باسم الإرهاب وأفلحت في ذلك، وساعد على ذلك أمران
الأول: جنوح الغرب إلى جعل الإسلام عدوًا.
والثاني: التحريض الصهيوني المستمر على الإسلاميين وتأثير ذلك على الغرب المتبني للسياسة الصهيونية، هذا عدا جنوح كثير من المنتفعين والمنافقين في الشعوب إلى مساعدة الأنظمة فيما تهوى وتشتهي فتكون من كل ذلك زخم صك الأسماع وأرهب النفوس، ولكنه - وللحقيقة - لم يفزع الرجال لأنهم يعرفون أن هؤلاء كما يقول المثل الشعبي زي الطبل صوت عالي وجوف خالي.. واللي ملوش خير في أهله ملوش خير في الناس، وكل هذا وذاك كون لونا من العذاب النفسي والألم الجسدي الذي كان يقوم به أنصار الباطل الفارغ لتوهين العاملين في الحقل الإسلامي المكافح للفساد والظلم والبغي والعدوان كما كانوا يحرضون الظلمة ويحلون لهم ما يفعلون على صفحات الصحف ويهللون أثناء سلخ الضحايا، ويرسلون صيحات الفرح والأسود تنهش لحوم الشهداء بغير حياء ولا ضمير.
وبعد ومضى ذاك الزمان وجاء آخر فيماذا يحدث؟ هل ينبننا ويخبرنا كما يقول المثل الشعبي عادت ريمة لعادتها القديمة، أم يكون متفائلًا حامدًا لربه قائلًا اللي حبه ربه واختاره جاب له حاجته لعند داره.
وأخيرا ينبغي أن نقول:
إن سيادة القانون لا تصنعها القرارات بقدر ما يصنعها وعي الشعوب وشجاعته.
والعزة لا تنال بالنوم والكسل والتيه وإنما تنال بالعمل والعزم وتحقيق الأماني والطموحات.
والمجد لا يتحقق باقتراف الشهوات وإنما بالعلم والكفاح والصبر:
لا تحسين المجد تمرًا أنت آكله *** لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: ٢٣).
ودائمًا أبدًا يظل الرجال جبالًا لا يتنيها عن عزمها الأهوال والمحن ولا جور الظالمين وعبث المجرمين، وإنما يسيرون على وجه الزمان المظلم فينيروه ويظهروا له قمرًا وعلى صفحات الأيام السود فيطلعوا لها فجرًا، ويضيئوا لها شمسًا، وتسطع أشعة الحرية فيفرح المؤمنون بالعدالة وينعمون بالأمن والاستقرار والسعادة كما يفرح المؤمنون بنصر الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل