; حدود العداء التركي لـ«إسرائيل»..والتقارب مع مصر | مجلة المجتمع

العنوان حدود العداء التركي لـ«إسرائيل»..والتقارب مع مصر

الكاتب د. عبد الله الأشعل

تاريخ النشر السبت 24-سبتمبر-2011

مشاهدات 57

نشر في العدد 1970

نشر في الصفحة 24

السبت 24-سبتمبر-2011

  • الصداقة بين مصر وتركيا يمكن أن تصل إلى أقصى الحدود السياسية والاقتصادية.. ولكنها لن تصل إلى حد التحالف ضد إسرائيل

فرضت الحالة التركية نفسها على كل الملفات المصرية بعد الثورة، ويبدو أن شعيرات العلاقات بين مصر وتركيا كانت مقطوعة بحكم توجهات نظام «مبارك» تجاه مصر وشعبها وتجاه «إسرائيل»، وكان ذلك واضحًا من موقف هذا النظام من تقدم «أردوغان» صوب غزة، ومطاردته لـ «إسرائيل» دبلوماسيًا وسياسيًا، خاصة بعد الصدام المروع بين الوحشية «الإسرائيلية» العسكرية والمقصودة منها ردع تركيا وتلقينها درسًا دمويًا في أصول الصراع، في منطقة تصف «إسرائيل» نفسها فيها «السيد الآمر المطاع».. وبين التحضر والإنسانية التركية في سفينة «مرمرة» التي اتهمتها، «إسرائيل» بأنها من تدبير منظمة «خيرية إرهابية إسلامية» تهدف إلى إنقاذ «الإرهابيين» في غزة بمشاعر معاداة السامية.

هكذا اصطدم المشروع التركي ذو الوجه الإنساني الداعم للحق الفلسطيني مع المشروع الاستعماري الصهيوني المستهدف لهذا الحق، فالحق الفلسطيني هو الهدف من الاستيعاب الصهيوني أو الحماية التركية، أو هو عنوان المشروعين المتصادمين في غيبة مصر التي تتراجع كل يوم في الشؤون الداخلية مع اعتزالها في المجال الخارجي.

حلم «أردوغان»

فرضت الحالة التركية نفسها على الصعيد الداخلي المصري كنموذج للإسلام في بيئة سياسية علمانية، والكفاءة السياسية الديمقراطية والرفاهة الاقتصادية والامتداد السياسي، وتقدم المشروع التركي بجسارة ضد المشروع الصهيوني، وقد تصادف أن اقتحمت «إسرائيل» بجيشها أرض مصر المتعاهدة معها على أن يسلم كل منهما بوائق الآخر، مصحوبة بحملة ضارية ضد عجز مصر عن حماية سيناء، فصارت سيناء تعاني من فراغ سيادي وأمني يهدد أمن «إسرائيل»: مما يعطي «إسرائيل» الحق في أن تفعل ما تشاء وتراه مناسبًا في سيناء لحماية هذا الأمن.

كان رد الفعل المصري مقارنًا برد الفعل التركي هو نفس يوم صدور تقرير «بالمر» الذي انحاز تمامًا ل«إسرائيل» لافتًا لنظر المواطن المصري، فجاءت زيارة «أردوغان» وسط إذلال «إسرائيل» لمصر، وإذلال تركيا ل «إسرائيل».. ويبدو أنه كلما ارتفعت وتيرة التحدي التركي ل«إسرائيل»، ارتفعت أصوات الشعب المصري المطالبة بأن تحذو حكومته حذو تركيا مع «إسرائيل».

فالديمقراطية التركية والازدهار الاقتصادي في الداخل، والشموخ التركي مقابل التذلل المصري تجاه «إسرائيل»، سبقا زيارة «أردوغان» الذي يعرف –مثل سابقه «محمد علي» باشا الألباني قائد الحامية العثمانية في مصر –قدر مصر وقدرها.

ولا شك أن «أردوغان» يعول على مستقبل مصر الحديثة في ظل ديمقراطية مستقرة؛ مما يفتح الباب أمام علاقات تركية مصرية الصالح البلدين، ولكنها عنصر ضاغط على «إسرائيل» في سلوكها في المنطقة، وإزاء كل من مصر وتركيا.. وقد يحلم «أردوغان» بتحالف مصري تركي، وعربي تركي عمومًا من خلال مصر، يحجم كلًا من إيران و «إسرائيل»، ويملأ الفراغ بقوة مصرية تركية ترسم خريطة المنطقة الجديدة دون صدام مع الولايات المتحدة، بل إن هذه الخريطة ستدفع «إسرائيل» إلى التأقلم مع الوضع الجديد، ويرفع من قدرة «واشنطن» على تطويع «تل أبيب».

هذا هو تصور «أردوغان»، كما أتصور، ما دام هو لم يتحدث تفصيلًا عن حدود العلاقة مع مصر من زاوية تحجيم «إسرائيل» ولكنه تحدث عن شرق المتوسط وسيد هذه المنطقة، وتحدث عن اضطرار «واشنطن» إلى الاعتراف بتركيا كلاعب معتبر في المنطقة له مشروعه السلمي البناء.

حسابات متباينة

على الجانب الآخر، فإن التقارب المصري التركي سوف يصطدم بقضية مقابلة، وهي حدود التوتر المصري «الإسرائيلي»، والتركي «الإسرائيلي».. صحيح أن حسابات كل ملف عند كل طرف مختلفة وربما متباينة، فالقضية تتعلق برسم خريطة القوى في هذه المنطقة من العالم، حيث كانت الخريطة قبل الثورة مبسطة للغاية: لاعب إقليمي واحد متسيد هو «إسرائيل»، ومنطقة عربية شاسعة أسلمت الروح بقيادة «مصر مبارك» إمام الساجدين لأمريكا و«إسرائيل» فيما عرف ب«معسكر الاعتدال»ومحاولات إيرانية للبروز يقابلها صد «إسرائيلي» وإقليمي تحركه «واشنطن» وتسانده، ومحاولات تركية يعثر بها الخجل والتردد في ارتياد الملف الأكثر حساسية وهو الملف الفلسطيني.

الصداقة بين تركيا ومصر يمكن أن تصل إلى أقصى الحدود السياسية والاقتصادية، وإلى حدود أقل من الناحية العسكرية، ولكننا لا نظن أن تصل الصداقة إلى حد التحالف ضد «إسرائيل» تحالفًا سياسيًا أو عسكريًا أو حتى دبلوماسيًا.

 أما الصدام بين «إسرائيل» وتركيا فقد يظل دون سقف الصدام المسلح، فذلك أمر لن تسمح به «واشنطن» حليفة الطرفين، ولكن تركيا عازمة على أن تسبب صراعًا مستمرًا ل «إسرائيل»، وربما تجعلها عند حافة الهاوية، ولا أظن أن اعتذار «إسرائيل» لتركيا متوقع؛ لأن الاعتذار يعني التسليم لتركيا بزعامة المنطقة برًا وبحرًا وانكسار «إسرائيل».. وفي الغالب، فإن «واشنطن» سوف توفق بين المشروعين التركي والإسرائيلي»، وإذا حدث ذلك، فإن مصر يفترض أن تكون لاتزال ساكنة جامدة، في هذه الحالة سوف تتحول تركيا و «إسرائيل» إلى معاداة إيران، وسوف يشتد الصراع في المنطقة وتخف نغمة العداء التركي ل «إسرائيل» في الملف الفلسطيني، خاصة وأن الطابع البراجماتي هو الذي يغلب على التفكير التركي، وإذا قدر ل «التيار الإسلامي» أن ينجح في مصر، فقد يظهر في سماء العلاقات المصرية التركية الكثير من الأحاجي والألغاز.

المنطقة بعاد رسم خرائطها، وما لم تدرك مصر هذه الفرصة، فقد يفوتها قطار توزيع الأنصبة، وتصبح تركيا و«إسرائيل» وإيران –كما يحدث الآن –هم فرسان الملحمة الجديدة وعلى الجملة، كانت الزيارة بشيرًا لمصر ونذيرًا ل إسرائيل»، نجح بها «أردوغان» في إثارة القلق الأمريكي، ولذلك تسارع «واشنطن» إلى رأب الصدع بين الحليفين، وإقناع «أردوغان» بألا يرتب حسابات إستراتيجية مع مصر.

الرابط المختصر :