; حديث الصفقات.. حديث خرافة | مجلة المجتمع

العنوان حديث الصفقات.. حديث خرافة

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 08-أغسطس-2009

مشاهدات 67

نشر في العدد 1864

نشر في الصفحة 31

السبت 08-أغسطس-2009

أثار ما نشرته جريدة »الشروق« في الأيام الماضية جدلًا شديدًا حول حديث الصفقات التي يعقدها النظام المصرى مع قوى المعارضة خاصة »الإخوان المسلمون « النظام المصري يتحرك بأجنحة متعددة، أهمها وأقواها الآن الجناح الأمني، وأضعفها وأقلها أهمية الآن الجناح الحزبي باستثناء »الجنة السياسات« التي توظف الأمن حاليا لمصالحها الخاصة.

ومن حيث المبدأ، فإن النظام المصري منذ ثورة يوليو يعتبر أن مجرد الحوار مع المعارضة - إن وجدت - ضعف شديد لا يجوز له أن ينزل إلى مستواه، لذلك شطب فكرة المعارضة من الوجود الفيزيائي »الطبيعي« لمدة 25 سنة عصيبة، عاشتها البلاد دون الإحساس بوجود معارضة أو مجرد رأي معارض ولو من داخل النظام نفسه وهو ما أدى بالرئيس عبد الناصر إلى إلغاء وجود جميع أعضاء مجلس قيادة «الثورة» الذين رافقوه في مرحلة الانقلاب ثم البناء الأولى، وكذلك دفع الرئيس السادات إلى شطب معظم القيادات التي أعدت البلاد خلال حرب الاستنزاف، ثم الإعداد لحرب أكتوبر بسبب الخلاف على قضايا سياسية إستراتيجية، ومحاكمتهم وإلقائهم في السجون لفترات طويلة. 

هذا هو سلوك ساسة الجمهورية الثانية ثم الجمهورية الثالثة مع رفاق النضال وشركاء الحكم، فما بالك بمعارضيهم؟!

وقد سار الرئيس مبارك في الجمهورية الرابعة على نفس المنوال، صحيح أنه استقبل قادة المعارضة الذين ألقاهم سلفه الراحل في غياهب السجون وراء الأسوار في قصر الرئاسة، وصحيح أنه سمح للمعارضة لأول مرة في تاريخ مصر بأن تحتل مقاعد عديدة وصلت إلى ما يقرب من %25 في مجلس الشعب، وأنه في أخريات عهده سمح للصحف المستقلة بحرية كبيرة في النقد حتى لشخصه أحيانًا، إلا أن فلسفة الحكم ظلت كما هي، فمجلس الشعب نفسه انحسر دوره بصورة كبيرة جدًا، والأحزاب ضمرت عضويًا وسياسيًا لدرجة غير مسبوقة في التاريخ المصري، وحرية الكلام تحولت إلى حرية الصراخ دون أي تأثير في ظل قسوة الأداة الأمنية التي تمنع تحول التذمر والصراخ إلى فعل وتأثير.

وتجارب النظام المصري في الحوار قبل الصفقات جميعها فاشلة، ففي الثمانينيات عقد حوار وطني موسع في جلسات استماع في مجلس الشعب، حضر فيها قيادات كبيرة منها المرشد الثالث عمر التلمساني يرحمه الله، وفي التسعينيات أجري حوار وطني آخر استبعد الإخوان المسلمون منه، رغم أنهم أصبحوا قوة سياسية كبيرة، وفي السنوات الأخيرة تم عقد حوار بين قيادات الحزب الوطني »الشاذلي والشريف» مع قيادات أحزاب المعارضة، ولم تثمر تلك الحوارات شيئًا ملموسًا، بل صرح قادة المعارضة الرسمية عدة مرات أن الحوار كان أشبه بحوار الطرشان، وأنه كان لمجرد الاستماع إلى وجهات نظر المعارضة، وأن القرارات ليست في يد الحزب الوطني، وفى عهد لجنة السياسات لم نعد نسمع عن حوارات أو لقاءات بين المعارضة وبين قيادات الحزب الجديدة. 

أما الصفقات فهي أصعب وتتميز بالسرية الشديدة، وغالبًا ما تخضع لاعتبارات أمنية قبل الاعتبارات السياسية، وكان آخرها صفقة هزيلة رضيت بها أحزاب المعارضة حول مقاعد المجالس المحلية الأخيرة.

 ولقد سمعت من فؤاد باشا سراج الدين يرحمه الله أثناء مفاوضاتنا في الثمانينيات بين الإخوان وبين الوفد بغرض التنسيق لخوض الانتخابات البرلمانية لعام 1984م، أنه تم عرض عدد كبير من المقاعد البرلمانية على حزب الوفد، شريطة أن يقوم الأمن والحزب الوطني باختيار الدوائر والأشخاص الذين يسمح لهم الآمن إلى مجلس الشعب، ورفض ذلك في بالمرور حينه؛ لأن ولاء هؤلاء لن يكون للوفد ولا لسراج الدين، ولكن لمن سمح لهم بالمرور، وقد صدقت الأيام ظنه في غالبية أعضاء المعارضة الرسمية الذين لا يتمتعون بشعبية في دوائرهم، وليست لهم عصبية عائلية تحمي عملية الانتخابات من التزوير الفاضح، ولا إمكانات سياسية تعطيهم فرص النجاح، أو حشد مندوبين لهم المراقبة الانتخابات، ورأينا كثيرًا من أعضاء المعارضة أو المستقلين منذ الثمانينيات وحتى الآن يلعبون أدوارًا واضحة لصالح الحزب الحاكم، رغبة في البقاء في مقاعدهم في مجلس الشعب، أو رغبة في حماية مصالحهم الشخصية. 

ولقد أعلن الإخوان المسلمون مرارًا وتكرارًا أنهم يرحبون بالحوار مع الجميع على قاعدة حماية أمن واستقرار هذا الوطن الحبيب، ورغبة في تحقيق المصالح العليا للوطن، وحماية هويته الحضارية والثقافية، ولمنع أية تدخلات أجنبية تهدد الوحدة الوطنية، أو سلامة الوطن وتماسكه الاجتماعي، وقالوا مرارًا وتكرارًا لمن ولاهم الله أمر هذه البلاد: «اسمعوا منا ولا تسمعوا عنا»، وحذروا من الركون إلى تقارير أمنية غير صادقة، أو وشايات استخباراتية أجنبية، أو دسائس سياسية صغيرة يقوم بها سياسيون حزبيون يخلطون مصالحهم الشخصية بمصالح أحزابهم ومازال هذا هو موقف الإخوان المسلمين.

 أما الصفقات التي يتحدث عنها الجميع، فإنه من العار أن يساوم أي نظام على حريات الأفراد وحقوقهم الدستورية والقانونية. 

وإنه من العار أن يتم احتجاز المواطنين واعتقالهم ومحاكمتهم استثنائيًا أمام محاكم عسكرية بغرض المساومة على حرياتهم وأرزاقهم ومصالحهم الأسرية والاقتصادية. وليس الإخوان هم الذين يتخلون طواعية أو كرها عن حقوقهم كمواطنين، وإلا فلماذا قاموا من البداية يتصدرون لمهمة الإصلاح الشامل وهي عسيرة وكبيرة؟ ولماذا جعلوا التضحية ركنًا أصليًا من أركان عهدهم مع الله عز وجل؟ ولماذا صبروا تلك السنوات الطويلة أمام الطغيان وضد الاستبداد ولم ينكسوا رؤوسهم أو يخضعوا أو يفروا من الميدان أو ينكصوا على أعقابهم كما فعل آخرون؟!

 إن مصالح البلاد العليا وحماية أمن واستقرار الوطن يقتضي من كل العقلاء في هذا البلد الحبيب أن يتصدوا لمهمتين أساسيتين:

 الأولى: إعلاء قيمة الحوار الوطني للاتفاق على القواسم المشتركة بين جميع المواطنين، وأن يكون ذلك الحوار مثمرًا وإيجابيًا وبناء، وليس مجرد إزجاء للكلام أو الوعود.

 الثانية: الابتعاد عن حديث الصفقات والمساومات، والرضا بالاحتكام إلى الشعب بصفة دورية لاختيار ممثليه بحرية تامة، والنزول على قرار الشعب في كل انتخابات دورية. 

إن الوطن في خطر والبلاد تمر بمرحلة انتقال السلطة، وهي من الأوقات العصيبة والقلقة، والمنطقة كلها تتعرض لأخطار شديدة في فلسطين والعراق والصومال والسودان، بل امتدت النار إلى الأطراف في باكستان والصين وأفغانستان، والآن في نيجيريا، والأزمة المالية الاقتصادية العالمية تعصف بالجميع. فتعالوا إلى كلمة سواء لحماية مصالح البلاد والعباد وتحقيق الأمن والاستقرار.. والله يهدى إلى سواء السبيل.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية