; حديث الإفك | مجلة المجتمع

العنوان حديث الإفك

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 22-يونيو-2002

مشاهدات 84

نشر في العدد 1506

نشر في الصفحة 9

السبت 22-يونيو-2002

يتداول بعض الأقلام العميلة هذه الأيام مقولات خطيرة.. أقل ما يقال عنها أنها من أحاديث الإفك المفترى الذي يستهدف تضليل الأفهام وقلب الحقائق.. والغريب أن تلك الأقاويل يتناقلها آخرون ضمن جوقة منظمة حتى تحدث أكبر أثر لها في عقول السذج من الناس.

خلاصة ذلك القول المفترى أن القضية الفلسطينية هي أس المشكلات وأساس كل بلية ابتليت بها الأمة العربية منذ أكثر من نصف قرن.. وأن الدول العربية أضاعت عمرًا تناطح الصخر من أجل تحقيق أمل لن يتحقق لأن العالم كله لن يسمح بتحقيقه وهو تحرير فلسطين، وأنه لا مناص لنا من حل المشكلة كيفما اتفق لنتفرغ للتنمية والرفاهية والعيش الرغيد.

إن في هذا القول ما لا يحصى من الافتراء والتضليل والكذب مما لا يتسع هذا الحيز للرد عليه.

فالمشروع الصهيوني -وإن كانت فلسطين هي مرتكزة الأول ونقطة انطلاقة- إلا أنه ليس قاصرًا على فلسطين، وهو قد أعلن هدفه من البداية ولا يزال يعلن ذلك: إن أرض إسرائيل من النيل إلى الفرات، وبالتالي فلا معنى للقول إن القضية الفلسطينية لا تعني سوى أهل فلسطين، كما انه من السذاجة الانتظار حتى يتسع الخطر ويصل إلى حدود دول أخرى لتبدأ التحرك، فالأمن القومي يبدأ عند حدود العدو لا عند حدود هذه الدولة أو تلك.

لقد فرضت المواجهة مع الصهيونية على الأمة العربية والإسلامية.. ولم تسع إليها وهذا قدرها، وعليها أن تقوم بالمهمة التاريخية على أكمل وجه، كما قامت بها في مراحل تاريخية سابقة حين تصدت لهجمات التتار والصليبيين ولم يجرؤ أحد على تخطئة أعمال صلاح الدين أو قطر أو بيبرس، بل ظل أولئك الأبطال علامات مضيئة في تاريخ الأمة، أما من تخاذلوا وتعاونوا مع الغزاة ورضوا بالدنية فقد ألقى بهم في مزبلة التاريخ تطاردهم اللعنات.

إن تلك الأقلام إنما تريد أن تبرئ الأنظمة الانقلابية العميلة التي وطأت للعدو ومهدت له بخياناتها وتقصيرها الفادح سبل التوسع والانتشار، إنهم يروجون لأكذوبة مفادها أن تلك الأنظمة قد قامت بواجبها وزيادة، ولكن الظروف القاهرة كانت أقوى منها فلم تتمكن من تحرير فلسطين أو دحر العدوان.. وهذا كذب صريح فالكل يعلم الخيانات التي حدثت من تلك الزعامات الانقلابية العميلة وكيف زج ببعض الجيوش في معارك استعراضية دون أدنى استعداد أو أهبة، وفي غياب عقيدة قتالية إيمانية.. فكانت النتيجة هزيمة نكراء ضاعفت مساحات الأرض المحتلة وخلفت كارثة لا يزال أكثر من شعب عربي يجني نتائجها المرة.

وقد حرصت تلك الأنظمة العميلة على تنحية الشعوب عن القيام بدورها وتهميشها وعدم إشراكها في المواجهة لأنها تعرف أن الشعوب إذا دخلت في المواجهة فإنها ستبذل وتضحي من أجل تحقيق الأهداف، وعلى العكس فقد زجت بالزعامات المخلصة والرجال الأحرار والدعاة الأطهار في السجون والمعتقلات استكمالًا لدور العمالة والتبعية، ثم يأتي أولئك المرجفون ليحملوا الأمة الصابرة أوزار الطغمة الطاغية.. ألا ساء ما يزرون!

ومن الأباطيل التي يجري الترويج لها أن المواجهة مع الصهيونية قد أوقفت عجلة التنمية والتقدم، وهذه أيضًا أكذوبة.. فمن ناحية فإن معدلات التنمية والنمو انخفضت بعد ما يسمى بالتسوية السلمية عما كانت عليه قبلها، ومن ناحية أخرى فإن ثلاثة عقود قد مرت منذ حرب أكتوبر1973م وهي فترة كافية مهما كانت نتيجة الحرب وأعباؤها لان تزيل تلك الآثار، لقد خرجت اليابان وألمانيا من الحرب العالمية الثانية مدمرتين بالكامل تقريبًا وليس فيهما حجر قائم على حجر، ولكن خلال مدة أقل من ثلاثة عقود استطاعت كل منهما أن تبني نهضة عمرانية واقتصادية شاملة وتبوأت كل منهما مكانًا متقدمًا بين الأمم بمقاييس العالم المادية.

أما الدول العربية التي تتعلل بأعباء المواجهة مع الصهيونية فقد استنزفت ثرواتها بزعاماتها المفروضة العميلة وبسبب الفساد السياسي والمالي والإداري وغياب التخطيط وتغييب وعي الشعوب وهل كانت الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها مصر هذه الأيام من آثار المواجهة أم كان انهيار سد زيزون في سورية من تلك الآثار، إن المتخاذلين المستسلمين يرددون اليوم نفس الكلمات التي قيلت أيام الرئيس المصري السابق أنور السادات فمن أجل تبرير النسوية الاستسلامية آنذاك جرت دغدغة مشاعر الكادحين والمحرومين بان التسوية ستجلب للمصريين الرخاء والثروة، وبعد مضي أكثر من ربع قرن على تلك المقولة لم يجن المصريون سوى السراب، وساعت الأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية عما كانت عليه رغم تحقق التسوية، ويكفي أن نشير إلى أن سعر الدولار الأمريكي تضاعف أمام الجنيه المصري منذ توقيع اتفاقية الاستسلام أكثر من سبع مرات أي أكثر من ٧٠٠٪، ناهيك عما حصل في مختلف جوانب الحياة.

إننا نرى الغرب يبحث عن عدو باستمرار، لان وجود العدو يمثل له تحديًا يدفع إلى اليقظة ويحفز إلى العمل فما بالنا والعدو قائم فوق رؤوسنا والأعداء كثير كيف يستمرئ البعض منا التراخي ويتعامى عن الأخطار المحدقة.

إن أمثال أولئك المرجفين المروجين للتخاذل والاستسلام ينبغي أن يؤخذ على أيديهم ونناشد وسائل الإعلام بمختلف صورها وأشكالها أن تنبذ أمثال أولئك الكتاب الذين يمثلون طابورًا خامسًا يطعن الأمة من الخلف وأن تقوم برسالتها في تنبيه الأمة وتوعيتها، أما الحكومات فعليها أن تدرك أن الخطر قائم والخطب جلل، ويحتاج إلى حشد الطاقات ورص الصفوف والاستعداد المستمر وإلا. فالعاقبة وخيمة في الدارين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200).

الرابط المختصر :