العنوان حرارة الأرض تنتظر مؤتمر الأرجنتين العام القادم
الكاتب جمال الطاهر
تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1997
مشاهدات 101
نشر في العدد 1281
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 23-ديسمبر-1997
قمة «كيوتو» باليابان
- الولايات المتحدة أكبر مصدر للتلوث البيئي ترفض تخفيض معدلات إنتاجها للغازات الضارة
قمة «كيوتو» التي انعقدت باليابان ما بين ١- ١٠ ديسمبر الجاري حول «ظاهرة ارتفاع درجة حرارة الأرض» هي واحدة من ضمن سلسلة كاملة من الندوات الدولية التي تعتزم الأمم المتحدة القيام بها ضمن برنامجها في حماية البيئة والمناخ من مخاطر التلوث وما يستتبع ذلك من كوارث بيئية وبشرية وإنسانية، كل المقدمات التي حفت بهذه القمة كانت تشير إلى صعوبة اتفاق أغلب الأطراف وخاصة منها الكبار على البيان الختامي لهذه القمة الذي سيمثل معاهدة دولية تنتظم من خلال نصوصها أو بنودها السياسة الدولية في مادة الغازات الحامية، وفعلًا فقد عرفت مختلف جلسات هذه القمة اختلافات حادة في وجهات النظر لم يمكن إذابتها والتواضع على بيان ختامي إلا بجهود كبيرة ومحادثات هامشية طويلة ومضنية، فما الإطار الموضوعي لهذه القمة؟ وما أهم وجهات النظر؟ وأخيرًا ما حصاد هذه القمة؟
- الإطار الموضوعي: خصصت فعاليات هذه القمة للنظر في أسباب ظاهرة ارتفاع درجة حرارة الأرض وكيفيات السيطرة عليها ومواجهتها بما يجنب البشرية كوارث بيئية وإنسانية خطيرة، ويلخص المختصون في هذه المادة المشكلة في «أن الغازات الحامية، أو ذات الأثر الحامي مثل الغاز الفحمي وغيره تتجمع ضمن طبقة في الفضاء تسمح لأشعة الشمس أن تصل إلى الأرض ولكنها تمنع الأشعة ما فوق الحمراء التي تعكسها الأرض من الانطلاق نحو الفضاء فيرتد جزء من هذه الحرارة نحو الأرض مرة أخرى فتزداد بذلك درجة حرارة الأرض»، ويعتبر «حرق الطاقة من البترول والفحم» المستخدم في مختلف الصناعات أهم مصدر لتوليد الغاز الفحمي.
ويشير العديد من التقارير والدراسات المختصة في دراسة هذه الظاهرة إلى التطور الكبير في كميات الغاز الفحمي المبثوثة هنا وهناك في أطراف العالم، فقد ارتفعت كميات هذا الغاز في مجال الفضاء من ۲۸۰ قطعة في المليون في سنة ۱۸۰۰م، «أي منذ بداية العصر الصناعي إلى ٣٥٨ قطعة في المليون خلال القرن العشرين أي بزيادة نسبتها ٣٠٪» الشيء الذي كان من نتائجه المباشرة ارتفاع معدل درجة حرارة الأرض ما بين 0,3 و0,6 درجة وارتفاع مستوى المحيطات ما بين ١٠ و٢٥ سم، ويؤكد الباحثون والمختصون الذين يعملون ضمن الأمم المتحدة أنه مع تواصل هذه الظاهرة بالنسق الحالي، فإن درجة حرارة الأرض قد تزداد ما بین ۱ و۳ درجات مئوية من الآن إلى سنة ۲۱۰۰م، وهو ما سيسبب بالتأكيد ذوبان المحيطات المتجمدة وارتفاع مستوى البحر ما بين ۱٥ و۹۰ سم، الشيء الذي سيؤدي بالعديد من الجزر والشواطئ إلى أن تعمها المياه من جهة وإلى سرعة تقلب المناخ، وبالتالي صعوبة إن لم تكن استحالة رصده ومتابعته ومراقبته إضافة طبعًا لزيادة الجفاف في إفريقيا.
- قمة الأرض في البرازيل: تمثل قمة كيوتو تواصلا موضوعيًّا وسياسيًّا لقمة الأرض التي انعقدت بالبرازيل سنة ۱۹۹۲م والتي بحثت فيها الوفود المشاركة مشكلة الانبعاث الحراري وكيفيات مواجهته، ولم يكن من اليسير على هذه الندوة الخروج باتفاق دولي واضح ومتين وقابل للتطبيق والالتزام به من طرف كل الدول المشاركة، فقد شقت النقاشات اختلافات حادة وبينة في وجهات النظر في ٣ مسائل رئيسية بقيت مطروحة حتى في قمة كيوتو:
- تحديد أصناف الغازات ذات المفعول الحامي: فبينما تحصيها الولايات المتحدة في ستة أصناف، تذهب بلدان الاتحاد الأوروبي واليابان والصين إلى تحديدها في ثلاثة أصناف فحسب.
- بينما تذهب الدول المتقدمة وخاصة الولايات المتحدة إلى إلزام الدول النامية دول الجنوب ومن ضمنها الصين بتخفيض كمياتها من نفايات هذه الغازات الحامية وإلزامها بالمساهمة المادية والتقنية لمواجهة مخاطر آثار هذه الغازات، فإن الدول النامية وخاصة الصين مسنودة باليابان تؤكد حقها في تحقيق تنميتها وبالتالي حقها في زيادة حصتها من هذه الغازات «تخفيض نسبة الغازات».
تخفيض نسبة الغازات
- بينما اتفق أغلب المشاركين في ندوة ۱۹۹۲م على مبدأ تخفيض نسبة إفراز هذه الغازات في الدول المتقدمة للوصول بها سنة ٢٠٠٥م إلى ما كانت عليه ۱۹۹۰م، فقد أصرت الولايات المتحدة على أنه لا مجال لتحقيق هذه النسبة من التخفيض قبل سنة ٢٠١٠م.
لهذه الأسباب لم تنجح قمة ١٩٩٢م في اتخاذ قرارات واضحة بقدر ما اكتفت بإقرار مبدأ تخفيض نسبة هذه الغازات على الأقل بنسبة 20%، وذلك إلى حدود سنة ٢٠٠٥م أي بعبارة أخرى العودة بهذه النسبة إلى معدلات ما قبل سنة ۱۹۹۰م، فالعديد من المقترحات المقدمة لقمة اليابان تطالب بتخفيض نسبة الغازات الحامية على الأقل إلى 20% من الآن إلى حدود سنة ۲۰۰٥م أي بعبارة أخرى العودة بهذه النسبة إلى معدلات ما قبل سنة ١٩٩٠م.
ونظرًا لاستصحاب أغلب الدول لمواقفها التي أعلنتها ووافقت عنها في قمة البرازيل سنة ۱۹۹۲م، فقد عادت الاختلافات من جديد لتشق مداولات قمة كيوتو منذ يومها الأول حيث دارت جدالات حامية حول كيفية تخفيض نسبتها، فقد شددت الولايات المتحدة على أن الدول النامية ومن ضمنها الصين خاصة تعتبر أكبر المنتجين لهذه الأصناف من الغازات، لتنتهي في الأخير إلى مطالبة هذه الدول بالمساهمة في تجاوز هذا الخطر، متناسية وهي تدعو إلى إلزام هذه الدول أنها هي الأخرى لم تلتزم بما تعهدت به أثناء قمة الأرض سنة ۱۹۹۲م، حسب تصريح وزير خارجية اليابان، أما دول الاتحاد الأوروبي، فقد جددت طلبها تخفيض كميات هذه الغازات بنسبة ١٥٪، حتى سنة ۲۰۱۰ بالنسبة لمعدلها الذي كانت عليه سنة ۱۹۹۰م، وعلى الجهة الأخرى طالبت اليابان بتخفيض قيمته ٥٪ ما بين سنة ۲۰۰۸ و۲۰۱۲م.
أما في العدوة الأخرى، فقد دخلت بعض الدول النامية فعاليات قمة كيوتو وفي برنامجها المطالبة بترفيع حصتها من الغازات الحامية مثل أستراليا التي تطالب بزيادة حصتها بنسبة ١٨٪ من الآن إلى سنة ۲۰۱۰م، وترد هذه الدول على مطلب الولايات المتحدة بإلزامها بتخفيض حصصها ويتحمل جزء من ميزانيات برامج مواجهة مخاطر هذه الغازات بحجتين اثنتين: أولًا: أن الولايات المتحدة وحدها تبث قرابة ربع هذه الغازات الحامية في العالم «٥,٨٢ مليار طن خلال سنة ١٩٩٥» حسب منظمة OCDH من بين ٢٢,١٤ مليار طن منتجة في تلك السنة.
الغاز الفحمي
ثانيًا: أن برامجها التنموية تقتضي منها جهودًا صناعية كبيرة، وبالتالي حاجة أكبر لإنتاج كميات أكبر من هذه الغازات الحامية وخاصة الغاز الفحمي خلال القرن القادم؛ فإفرازات بلد كالصين مثلًا التي تعتبر حاليًا البلد الثاني من حيث إفراز الغازات الملوثة للبيئة بعد الولايات المتحدة من المفروض أن تتضاعف من الآن إلى سنة ۲۰۱۰ حتى تستطيع أن تحافظ على قدرتها التنافسية على المستوى الاقتصادي إزاء الدول المتقدمة.
يبدو هذا الاختلاف واضحًا في حالة الولايات المتحدة البلد الأقوى والصين البلد الأكبر في العالم؛ فقد صوت أعضاء الكونجرس الأمريكي في شهر يوليو الماضي على قرار أكدوا فيه عدم استعداد الولايات المتحدة الإمضاء على بروتوكول كيوتو إذا لم تقر هذه القمة تطبيق الإجراءات على كل الدول وتلزمها بها، بما في ذلك دول الجنوب النامية، وفي مقابل ذلك فقد تواتر الرد الصيني وخاصة على لسان وزير خارجية الصين مؤكدًا اعتزام هذا البلد الاعتراض على أي اتفاق في قمة كيوتو يتجه إلى إجبار الدول النامية على الالتزام عند حدود ونسب محددة في مادة الغازات الحامية، من جهة، وعلى أن هذه الإجراءات والحدود إن وقع إقرارها يتوجب أن تلزم بها الدول المتقدمة التي أخذت نصيبها وزيادة من هذه الغازات لدفع صناعاتها وتنمية اقتصادياتها؛ فالدول الصناعية المتقدمة من وجهة نظر الصين هي المسؤولة رئيسيًّا عن ارتفاع درجة حرارة الأرض وهي المطالبة أساسًا بتخفيض فضلاتها من هذه الغازات وبتمويل البرامج اللازمة لمواجهة مخاطرها.
- حصيلة الندوة: حاول ممثلون عن ١٥٩ دولة في العالم تجاوز خلافات المصالح التي شقت مداولات القمة للاتفاق في الأخير على صياغة بروتوكول دولي جديد يهدف إلى إقرار قوانين جديدة ترشد العمل في مجالات استغلال الطاقة وإنتاج السيارات وكذلك الإنتاج الفلاحي لمزيد من مراقبة بث الغازات الحامية، وذلك بهدف المحافظة على اعتدال المناخ في الأرض، وقد جاء الاتفاق النهائي لهذه القمة لتكريس الاتفاقية الدولية حول المناخ المقررة في قمة ريو بالبرازيل سنة ١٩٩٢م.
ويمكن إجمال الاتفاق في النقاط التالية:
- الوصول بنسبة تخفيض كميات الغازات الحامية إلى ٥,٢٪ كمعدل عام بالنسبة لمجمل البلدان الصناعية، وذلك ما بين سنتي ۲۰۰۸ و۲۰۱۲م.
- إلزام الثلاثة الكبار بتخفيض حصصهم من هذه الغازات بمعدل عام في حدود ٦٪، ٨٪ بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي، و٧٪ بالنسبة للولايات المتحدة و٦٪ بالنسبة لليابان.
- السماح لبعض دول الجنوب بزيادة حصصها من هذه الغازات 8% بالنسبة لأستراليا، و١٠٪ لإيرلندا في مادة الغاز الفحمي و١٪ فقط بالنسبة للنرويج.
- الإبقاء على نسبة حصص كل من روسيا وأوكرانيا ونيوزيلندا في حدود ٠% رغم أن روسيا قد دخلت القمة وهي مطالبة بتخفيض فضلاتها بنسبة ٥٪، ويبرر البيان الختامي للندوة هذا القرار المتعلق بالحالة الروسية بانهيار الاقتصاد الروسي وتراجع كميات الفضلات من الغازات، أما كندا فإنها ستخفض كمياتها من هذه الغازات بنسبة ٦٪ وهو ما قد يوقع الحكومة الفيدرالية في مشاكل صعبة مع بعض مقاطعاتها وخاصة «ألبرتا» التي تقوم اقتصادياتها على إنتاجها الوافر من البترول والفحم.
- إعفاء البلدان النامية من أي التزام ولو كان تلقائيًّا لتخفيض نسبها من هذه الغازات رغم إصرار الولايات المتحدة على طلبها مشاركة هذه الدول في مسألتي التخفيض والتمويل.
- إقرار مبدأ إنشاء آلية تمويل برامج وقائية تخصص لمساعدة الدول النامية دول العالم الثالث لإحراز تكنولوجيا نظيفة، أما عن كيفيات عمل هذا الصندوق فقد وقع تأجيل النظر فيه وتحديده لاحقًا في قمة دولية أخرى حول المناخ، تنعقد في نوفمبر سنة ١٩٩٨م في بوينس أيرس بالأرجنتين.
مصير الاتفاقية الجديدة
أخيرًا: لئن نجحت هذه القمة بعد أن كادت تعصف بها الخلافات في الاتفاق على نص البيان الختامي، فإن مصير هذه الاتفاقية الدولية الجديدة يبقى مرتهنًا إلى حدود كبيرة بموقف الكبار منه وخاصة الولايات المتحدة حيث يرجع الكثير من المتتبعين أسباب فشل قمة البرازيل سنة ١٩٩٢م إلى استخفاف الولايات المتحدة بمقررات هذه القمة وتهميشها لمطالب أغلب الدول المشاركة وخاصة دول الجنوب، ومع أن الولايات المتحدة تبدو باعتبارها أول بلد منتج للغازات ذات المفعول الحامي معنية مباشرة بهذه الظاهرة ومخاطرها حيث يهدد طغيان المياه جزءًا كبيرًا من مناطقها الجنوبية الجميلة والغنية خاصة كاليفورنيا التي تعتبر رابع أكبر قوة في العالم، فإن عدم استعداد المواطن الأمريكي العادي لتغيير نمط حياته من حيث حجم وكيفية استعماله للطاقة المولدة للغازات الحامية، من جهة، والضغط الذي ما فتئ يمارسه الكونجرس على إدارة الرئيس كلينتون لإلزامها بعدم التوقيع على أي اتفاقية دولية تجبر الولايات المتحدة على تخفيض كمياتها من هذه الغازات، من جهة أخرى، وأخيرًا الحرج الكبير الذي وجد فيه آل جور نائب الرئيس الأمريكي والمرشح المحتمل للرئاسة في سنة ۲۰۰۰م نفسه بين انتمائه الأخضر، وما يستدعيه منه ذلك من تحرك في اتجاه تخفيض كميات الفضلات الأمريكية من الغازات الحامية، وبين مصلحته في استمالة أكبر عدد ممكن من الصناعيين الذين يعارضون هذا التوجه «الأخضر»، لتمويل حملته الانتخابية الضخمة، إن دخول هذه المشكلة البيئية في الحالة الأمريكية ضمن برامج الأحزاب وإستراتيجيات الحملات الانتخابية الرئاسية يطرح نقطة استفهام كبيرة عن جدية وحزم الإدارة الأمريكية لمواجهة هذا الخطر البيئي الكارثي.
فهل ستنجح بقية الدول خلال قمة الأرجنتين في جر الولايات المتحدة إلى نقطة اللاعودة في الالتزام باتفاقية قمة اليابان وما سيأتي بعدها؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل
نشر في العدد 1228
55
الثلاثاء 03-ديسمبر-1996