العنوان حرب الحجاب الإسلامي في فرنسا
الكاتب ابتهال قدور
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1992
مشاهدات 52
نشر في العدد 1006
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 07-يوليو-1992
«الحجاب يحميني» باختصار عبرت ليلى عن تمسكها
بتعاليم دينها واضعة نصب عينيها- هي بنت السابعة عشرة ربيعًا- كل التكاليف
المترتبة عن عبارة حولتها قوة الإرادة إلى موقف، ثم رفضت أية مناقشات حول موقفها
قائلة: «إن وضع الحجاب فرضه الله ولا نحمل صلاحية تغيير أوامر الله».
وثارت العاصفة صريحة هوجاء، محملة بكل
الأحقاد، وكل التشويهات، وكل التعريفات، وكل العداءات، الظاهرة والباطنة لهذا
الدين ومن يتمسك به، فكانت فرصة في فرنسا لكل من يحب الاصطياد في المياه العكرة.
من يريد تحقيق مصالح سياسية اقتصادية راح
يربط ظاهرة التمسك بالقيم على أنها وضع ناتج عن الأوضاع الاقتصادية المتدنية.
حتى أولئك المنصفون شكليًا، لا يخلو
إنصافهم من أهداف مريضة من مثل: الخوف من نقل المشكلة من مكان إلى آخر، الخوف من
تفشي العدوى، أخذ الأمر على أنه سحابة صيف عابرة تمر بها الفتاة في مرحلة المراهقة
كما جاء على لسان أحد النظار «أية مصلحة تجني من إيقاف حركة روحية عابرة لطالبة
مراهقة!».
أما الأمر الأكثر خطرًا فهو ذلك التشويه
لأحكام الشريعة الإسلامية على ألسنة بعض المسؤولين المتظاهرين بالبحث في القرآن عن
أحكام هذه الظواهر.
البعض الآخر يشعر أنه مدين للرأي العام
بتبرير مقنع لإجراءات الفصل، وبعد البحث والتنقيب يلقي بالورقة الرابحة: «الحجاب
يعرض الطالبة للعرق أثناء حصة الطبخ!» إلا أن تلك الورقة تأتي لتفضح ما خفي في
الأنفس.
|
* المسلمون في فرنسا
مطالبون بإسلام يذوب في العلمانية كما ذابت اللغة العربية في اللغة الفرنسية. |
والخلاصة أن المسلمون في فرنسا مطالبون
بإسلام يذوب في العلمانية كما ذابت اللغة العربية في اللغة الفرنسية، وكما ذاب
الزي المحتشم في زي التعري، وكما ذاب السلوك المحافظ في السلوك المنحط، ذوبان كامل
هو الصورة المرجوة لإسلام لا يبقى منه سوى مراسيم دفن الموتى، وصلوات العيد وصوم
رمضان، والجهود المبذولة حاليًا هي بهدف الخروج من الخلافات العقائدية لحلول يتمخض
عنها «إسلام على الطريقة الفرنسية» تلك هي أهداف «تحديث الإسلام» في فرنسا!
المترجمة
ثلاث سنوات مضت على عاصفة سياسية-
اجتماعية شملت مناطق البحر الأبيض المتوسط، كان سببها منع ثلاث طالبات مسلمات من
ارتداء الحجاب الإسلامي في الفصول الدراسية في مدارس فرنسا، فهل حدثت تغيرات على
مواقف المسؤولين خلال هذه الفترة؟
في إحدى مدارس ضواحي «ليون» الفرنسية
المتواجدة في حي يمثل المسلمون فيه 78% دفع أحد الطلبة باب المدير وفاجأه بطلب
فواتير اللحوم التي تعد في الوجبات المقدمة للطلبة، ليتأكد إن كانت قد ذبحت حسب
الشريعة الإسلامية أم لا.. يقول المدير: «أشعر أنه من واجبي اقتراح وجبات خالية من
لحوم الخنزير، احترم شهر رمضان، ولكنني لا اخضع لهذا النوع من التهديد».
وموقف الإدارة الحاسم أمام طلبات الطلاب
ذات الطابع الديني أصبح ظاهرة تعم معظم المدارس الفرنسية، فقد وبخ مدير
ثانوية «فولتير» في باريس بشدة طالبة مسلمة أبدت تقززها من الشوكة التي كانت
تستخدم على التوالي في تقطيع لحم الخنزير ولحم البقر المعد للطلبة المسلمين.
أما ما يشكل مشكلة كبرى لإدارات المدارس
هو الطلب المتكرر لتحديد أماكن خاصة بالصلاة، والنشاط الديني.. صحيح أن قانون 1905
كان قد فصل الكنيسة عن الدولة، مع سماحه للمرشدين الدينيين بالوجود في المؤسسات
العامة من الدرجة الثانية على أن يتم تمويلهم من الميزانية العامة، ووجود 3000
مرشد ديني كاثوليكي في فرنسا، يؤكد أنه بعد قرن من العلمانية لم تخضع الكنيسة
كلية لقانون فصل الدين عن الدولة، إلا أن المسلمين لا يستفيدون بما فيه الكفاية من
هذا القانون على الرغم من أن طلباتهم تعتبر أكثر تنظيمًا، قال أحد المدراء: «طلب
مني مجموعة من الطلاب إخلاء قاعة لأداء الصلاة خمس مرات في اليوم مما سيسبب فوضى
في نظام الحصص، إلا أنني حين بحثت في القرآن وجدت أن صلاتين في اليوم واحدة في
الصباح وأخرى في المساء كافيتان ليكون الفرد مسلمًا جيدًا، لذلك رفضت الطلب»!
هذا بينما يشكل الطلبة اليهود عبئًا
كبيرًا على المدارس حيث يقررون عطلتهم الأسبوعية يوم السبت مما استدعى إدارات
التعليم لإصدار توصيات بعدم إجراء أية اختبارات أيام السبت، والغريب أن يلاقي
هذا القرار موافقة كبيرة في أوساط المدرسين حيث لم يرفض من بین 170 مدرسًا
سوى 3 مدرسين ومن بين 500 طالب يهودي لم يتضرر سوى عشرة!
عدوانية صريحة
إذا كانت الصلبان المحمولة على صدور
المسيحيين، والقبعات الموضوعة على رؤوس اليهود لا تشكل أية مشكلة، فلماذا
يثير الحجاب الإسلامي ردود أفعال تنم عن عداء صريح؟ والمدارس التي كانت تقبله
بالأمس أصبحت تتردد اليوم خشية أن تتهم بالتسيب؟
فيقول أحد المدرسين بهذا الشأن: «إن وضع
الحجاب الإسلامي يعيد قاعدة الاحتشام بأساليب دينية ظاهرة، مع أنه لا ينبغي أن
يكون هناك أي علامات دينية في الأماكن العامة، والحجاب رمز حضاري يختلف عن حمل
الصليب حول الرقبة، الطلاب جميعهم متساوون ويمنع التميز بينهم، ومؤسف جدًا أن
المدرسة لم تعد تدافع عن القيم، نحن نعيش في عصر التطابق الحضاري. وهنا ليس أمامنا
سوى نظريات غير أكيدة».
ويعلل مدير أحد المعاهد فصله لأربع طالبات
مع كونهن من المتفوقات علميًا بقوله: «وضع الحجاب يعرض الطالبات لمخاطر عديدة في
حصة التمرينات الرياضية، وفي حصة الطبخ حيث احتمالات احتراق الحجاب واردة جدًا مما
سيؤذي الطالبة».
المعهد الوطني للتعليم أصبح ملجأ العديد
من الطالبات المرفوضات على الرغم من تكاليفه الباهظة، وحتى هذا تخشى إدارته من
«سريان العدوى» على حد تعبير مدير المعهد لذلك يضطر للفصل من آن لآخر!
على الرغم من أن بنود القانون الدستورية
تبيح حرية الاعتقادات وعلى الرغم من تصويت لجنة حقوق الإنسان لصالح الطالبات إلا
أن كل هذه القرارات أهملت وأصبحت الأنظمة الداخلية لكل فرد هي أما المرجع لتصرفاته
فإن الحكم على الطالبات يأخذ شكلًا مزاجيًا أكثر منه قانونيًا.
ولكن لا يخلو الأمر من إنصاف أحيانا، بل
حتى انقسام الجبهة العلمانية الذي يأخذ أحد اتجاهاتها مبدأ إطلاق حرية الاعتقادات
ينصف أحيانا الطالبة المسلمة أحد المسؤولين يقول: «إذا كانت الطالبة لا تسبب أي
فوضى وتواظب على حضور كافة الحصص فليس هناك سبب لفصلها لأن المدرسة العلمانية
يتوجب عليها قبول كافة الطلاب بغض النظر عن دياناتهم، ولا أرى سببًا يجعل المسلمين
يتنازلون عن جزء من ثقافتهم مقابل الحصول على حقوقهم».
ومسؤولة أكاديمية تؤكد: «مادامت الطالبة
تستجيب لطلب نزع الحجاب داخل الفصل فلا بأس، وبما أنها تحضر كافة الحصص فلا نرى
فصلها، حتى وإن كانت حصص السباحة المختلطة تسبب أحيانا بعض المعارضات، لأن عملية
الفصل ليست سوى نقل المشكلة من مكان إلى آخر».
الإسلام في فرنسا جاء مع مجيء المهاجرين
المغاربة- خصوصًا- وقد عرف بقدر كبير من المرونة والتفاعل مع المدنيات لدرجة تبلغ
حدودًا مبالغًا فيها عند الشباب الذين يمثلون الفئة الأكبر، أما إسلام الأقليات
الأكثر تعصبًا فيرون ارتداء الحجاب امتثالا لحديث نبوي، كما يمثل نوعًا من
أنواع الضمان الذي يمنع الفتاة من الخروج عن تقاليدها المهددة بالذوبان في المجتمع
الفرنسي، إلا أن ظاهرة الحجاب تظهر في المناطق التي يكون فيها المستوى
المعيشي للمغتربين متدن جدًا.
ضغوط سياسية
مع لامركزية العلمانية في المؤسسات
التعليمية تجد هذه الأخيرة نفسها في قلب الرهان السياسي المحلي للهجرة خاضعة لضغوط
الأحزاب السياسية، والجمعيات الإسلامية التي تحمي المحجبات من هذه الجمعيات جمعية
«أمال» التابعة للفيدرالية الوطنية لمسلمي فرنسا والتي رفضت الانضمام للجمعية
الإسلامية التي شكلتها البلدية.. حلول هذه الخلافات قد ينتج عنها «إسلام على
الطريقة الفرنسية».
هناك من يرجع الظاهرة لمواقف الحكومة
الفرنسية حسبما جاء على لسان رئيس الجمعية النسائية المغاربية حليمة بومدين: «إن
ظهور الحكومة الفرنسية بمظهر المتجمد تترك المجال للعودة إلى الأصول، والحال هذا
فإن المصاعب الاقتصادية التي تمر بها العائلات المغتربة المسلمة، وأيضًا صعوبة
الوصول إلى الحياة السياسية وتأسيس الأحزاب جعل هؤلاء المغتربين فريسة للتيارات
الإسلامية، على كل حال ينبغي الخروج من السيطرة السياسية والبحث عن مصلحة الطالبات».
صحيح، ليس على هؤلاء الفتيات، أن يدفعن تكاليف الأزمة العلمانية إلا أن الإسلام في فرنسا لا يعود إلى مئتي عام كاليهودية، ولا إلى قرن من الفصل بين الكنيسة، والدولة، ولا حتى إلى خمسين عامًا من النشاط الاجتماعي العلماني، لذلك كان لا بد من التعرض لإهانات جمهورية لا يمنع فيها مع ذلك تحديث الدين.