; حرب المخيمات تقترب من صيدا | مجلة المجتمع

العنوان حرب المخيمات تقترب من صيدا

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يوليو-1985

مشاهدات 72

نشر في العدد 726

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 23-يوليو-1985

ضمن اتفاق «كامب ميرفي» غير المعلن وغير المكتوب، والذي شاركت فيه أطراف طائفية في سوريا ولبنان بالإضافةإلى العدو اليهودي في فلسطين، كانت حركة سمير جعجع الصليبية الفاشلة في صيدا ومخيماتها، ثم كان حصار المخيمات الفلسطينية في جنوب لبنان وضربها من قبل قوات نبيه بري وقوات أنطوان لحد، ثم كانت تصفية حركة «المرابطون» بالتعاون بين «أمل» والحزب التقدمي الاشتراكي، ثم كانت حرب المخيمات الفلسطينية في بيروت التي استمرت طوال شهر رمضان المبارك والتي شاركت فيها بالإضافةإلى قوات «أمل» قوات لبنانية شيعية من اللواء السادس ومارونية من اللواء الثامن وسورية من كتيبة «أسد».

ولما عجزت كل هذه القوات أمام القتال البطولي الذي خاضه الفلسطينيون في المخيمات كان «اتفاق دمشق»، الذي نص من ضمن بنوده على تجريد المخيمات من أسلحتهم الثقيلة والمتوسطة، واعتبار جبهة الإنقاذ الفلسطينية مسئولة سياسيًّا وإعلاميًّا عن هذه المخيمات، أما أمن المخيمات فهو من اختصاص قوى الأمن الداخلي اللبنانية. 

ولقد دخلت قوات الأمن اللبنانية هذه المخيمات، ولكنها لم تستطع نزع أسلحتهم منهم لأن هذه المخيمات ليس لديها أسلحة ثقيلة ومتوسطة بالمفهوم العسكري، فليس هناك دبابات ولا مدافع ميدان بعيدة المدى وإنما هي مدافع آر. بي. جي وألغام وقنابل يدوية ورشاشات، وليست هذه في عداد الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، كما أن سكان المخيمات ليسوا على استعداد للتخلي عنها؛ لأن التخلي عنها يعني هلاكهم وترحيلهم وتحويلهم ثانية إلى مجرد لاجئين، مثلما اعتبرهم قرار 242 الصادر عن الأمم المتحدة والذي اعترفت به«سوريا الثورة» من ضمن العديد من الدول العربية. 

وأما جبهة الإنقاذ فقد فرحت بهذا «النصر السياسي»، الذي أعطاها حق تمثيل الفلسطينيين في لبنان سياسيًّا وإعلاميًّا، وهي أحوج ما تكون إليه في صراعها مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية. 

ولكن سكان المخيمات ومن ضمنها قواعد جبهة الإنقاذ التي قاتلت معهم اعتبرت أن اتفاق دمشق مجرد توقيع على وقف إطلاق النار، وأن احتمال تجدد القتال في أي لحظة أمر وارد، ما دام هناك فلسطيني يحمل السلاح، وما دام العدو الصهيوني موجودًا وقادرًا على إيجاد أطراف تنطق العربية تنفذ مخططاته ضد القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني. 

وكان من المفروض- حسب الخطة- أن تنتقل حرب المخيمات إلى صيدا فور الانتهاء من بيروت، ولكن الذي أوقف هذه الخطة مؤقتًا وجعل واضعيها يعيدون النظر فيها مفاجآت ثلاث لم تكن في الحسبان وهي:

  • صمود المخيمات المذهل. 
  • عدم مشاركة قوات الحزب التقدمي الاشتراكي في هذه الحرب. 
  • انضمام قواعد جبهة الإنقاذ الفلسطينية إلى إخوانهم في المخيمات. 

وهناك عوامل أخرى تتمثل في موقف حلفاء دمشق في الخارج، مثل موقف ليبيا والاتحاد السوفييتي وأطراف عربية وإسلامية أخرى ضغطوا على سوريا لإيقاف هذه الحرب «المجزرة».

 إلا أن هناك عاملًا آخر لا يقل أهمية عن العوامل السابقة كان له الفضل في شد أزر الفلسطينيين،وإضعاف الموقف السوري وحلفائه وعلى رأسهم جورج حاوي الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني الذي صفّى قواعده الشيخ سعيد شعبان في طرابلس عام ۱۹۷۳، وهذا العامل هو وقوف مسلمي لبنان إلى جانب الفلسطينيين وازدياد التعاطف معهم.

ولذلك حرصت دمشق على الدعوة للقاء «إسلامي شامل»، دعت إليه بالإضافةإلى الشيخ حسن خالد مفتي لبنان كلًّا من الشيخ محمد مهدي شمس الدين نائب رئيس المجلس الشيعي الأعلى، وهو خصم لبري وند له، ويدعم حسين الحسيني رئيس البرلمان، بالإضافة إلى عبد الأمير قبلان المفتي الجعفري المحسوب على نبيه بري والعدو اللدود للفلسطينيين. كما استدعت دمشق محمد أبو شقرا شيخ عقل الدروز.

 ومن صيدا المرشحة للحرب القادمة لم تكتفِ دمشق باستدعاء الدكتور نزيه البزري نائب صيدا كما فعلت في «اللقاء الإسلامي» الأول، بل استدعت أيضًا مصطفى معروف سعد زعيم التنظيم الشعبي الناصري المتعاطف مع الفلسطينيين نسبيًّا، وقالت دمشق للمجتمعين إن قوات عرفات وأسلحته وأمواله تتدفق على صيدا؛ تمهيدًا لافتعال حرب أخرى كما حصل في بيروت تسبق مؤتمر القمة العربي القادم. 

وقد خرج نزيه البزري من دمشق ليدلي بتصريحات ينتقد فيها تكديس الأسلحة الفلسطينية في مخيمات عين الحلوة والمية مية، ولكن مصطفى معروف سعد كان أكثر تحفظًا في انتقاد الفلسطينيين وأكثر حرصًا على أمنهم وسلامتهم ومشاركتهم في التصدي للعدو الصهيوني؛ ولذلك أخذ على عاتقه مهمة «ضبط تجاوزاتهم» وإلغاء تحصيناتهم خارج المخيمات ومظاهرهم العسكرية.

وكان هدف دمشق فك التلاحم الفلسطيني الإسلامي في صيدا؛ تمهيدًا للاستفراد بالفلسطينيين، ولا تريد أن تواجه في صيدا ما واجهته في طرابلس من تلاحم إسلامي فلسطيني، كما أنها لا تعتمد بعد الآن على قوات جبهة الإنقاذ بعد تجربة حرب المخيمات في بيروت. 

ولكنَّ هناك رموزًا في جبهة الإنقاذ أعماهم العداء لياسر عرفات عن معرفة الحقيقة، أو إنهم ضالعون في المؤامرة أصلًا أمثال أحمد اليماني «أبو ماهر» نائب جورج حبش في دمشق، والمرشح ليكون بديلًا عن حبش في حالة عدم التزامه بالخط السوري. ذهب اليماني إلى صيدا واجتمع مع الفعاليات الصيداوية وحذرهم من «العَرَفاتيين» ومن يساندهم من الصيداويين، ودعاهم إلى الخروج من صيدا ومخيماتها قبل أن يضطروا إلى «الاختفاء!».

ومعنى ذلك أن هناك خطة لضرب مخيمات صيدا باسم الخلاص من العرفاتيين، وأن دمشق مصرة على ذلك، وأن اليهود ينتظرون- إذا ما تم ذلك- أن يسلموا الجنوب اللبناني إلى نبيه بري، ولكن الأخير متردد في خوض غمار هذه الحرب غير مضمونة العواقب بعد تجربته المريرة في بيروت، كما أن القوات السورية غير قادرة بذاتها على اقتحام مخيمات صيدا لاعتبارات كثيرة، وهي تريد من أتباعها تنفيذ هذه المهمة الصعبة التي أصرت «إسرائيل» على تحقيقها كشرط لانسحابها من لبنان، ضمن صفقة كبرى يعاد فيها ترتيب الأوضاع في لبنان بل والمنطقة العربية والإسلامية برمتها. 

وليس سرًّا أن نقول إن كثيرين من مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية الذين أخرجوا من لبنان عادوا إليها بطريقة أو بأخرى، بعد أن تلقوا تدريبات عنيفة ومتقدمة، وليس سرًّا أن نقول إن الأسلحة موجودة في المخيمات الفلسطينية بكثافة وإن التدريبات على هذه الأسلحة بين أبناء المخيمات قائمة ومستمرة، ولكن السر الذي لا يعلمه إلا القليل والذي نشرته مجلة الوطن العربي في عددها الأخير أن عرفات زار صيدا في أواخر يونيو «حزيران» الماضي عن طريق البحر، ومن المعروف عن عرفات قيامه بمثل هذه الزيارات عندما يكون هناك صراع محتمل في منطقة ما، أحد طرفي هذه الصراع فلسطيني، كما حدث في بيروت وطرابلس والبقاع، وقبل زيارة عرفات لصيدا بأيام كانت هناك باخرة تفرغ حمولتها من الأسلحة في مرفأ خلدة، أما البواخر التي استولى عليها اليهود وفيها مقاتلون وأسلحة فمعروفة.

وعلى حين تتكرر التصريحات الاستفزازية ضد عرفات ورجاله من رموز جبهة الإنقاذ- أمثال بسيسو «أبو على» الشيوعي المحسوب على «أبو موسى»- فإن رجال عرفات في مخيمات صيدا يتحاشون حتى الآن الصدام المسلح معهم. 

ولكن إلى متى؟ 

  • هل يخرج «العرفاتيون» من منطقة صيدا؟
  • هل يصطدم الفلسطينيون في صيدا بعد أن التحموا في بيروت؟ 
  • هل تقوم حركة أمل بما قامت به في بيروت؟ 
  • هل يقوم الجيش السوري بالمهمة؟ 

كل الدلائل تشير إلى عدم إمكانية ذلك... ولكن إصرار عرفات على التواجد في لبنان لحماية المخيمات، وإصرار دمشق على طرد عرفات ورجاله وتصفية المخيمات الفلسطينية وإخضاع من يتبقى منهم أو تجريدهم من سلاحهم يعني أن هناك صدامًا قادمًا في الطريق أحد طرفيه سكان مخيمات صيدا.

  • فأين مؤتمر القمة العربي المزمع عقده مما يدبر لمخيمات الفلسطينيين في صيدا؟
  • بل أين بقية المسلمين مما يدبر لإخوانهم في لبنان؟ 
  • وما هو أهم من ذلك: من المسئول عن تعطيل فرض الجهاد لتحرير فلسطين وحل مشكلة فلسطين بما يرضي الله ويريح الفلسطينيين من عذاب أليم؟
الرابط المختصر :