; حرب دولية ضد ٦٠ عربيًا في البوسنة | مجلة المجتمع

العنوان حرب دولية ضد ٦٠ عربيًا في البوسنة

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-2000

مشاهدات 70

نشر في العدد 1411

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 01-أغسطس-2000

لم يعد الغرب يحتمل نشاطات الدعوة الإسلامية في البوسنة، فبدأ خطة تجفيف المنابع.. ووصلت إلى مواجهة مع العرب

تزداد الضغوط الدولية لإخراج العرب من البوسنة والهرسك، سواء أكانوا مجاهدين أم طلبة، أم موظفي إغاثة أم غير ذلك كل بطريقة تختلف عن أختها، فقد شنت حملة غربية على المؤسسات الإسلامية بتهمة بعث الروح الإسلامية في البوسنة من خلال طباعة الكتب، وإعادة بناء المساجد التي هدمها الصرب والكروات أثناء العدوان ۱۹۹۲م - ١٩٩٥م، كما شنت حملات على العرب المستقرين في البوسنة وخاصة الأطباء، وحملات أخرى على إدخال اللغة العربية للمدارس وخاصة الإسلامية، وعلى تدريس مادة التربية الإسلامية في المدارس الحكومية، هذه الحملات لم تحقق كل أهدافها.

وهذا ما يكشف إصرار منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، على تغيير الحكومة في البوسنة خاصة أصحاب التوجه الإسلامي «ومن لا يرون غضاضة في التزام المسلمين بدينهم، في جو الحريات والديمقراطية»، وصلت إلى حد توجيه نداء بهذا الخصوص إلى السكان على لسان جاك بول كلاين رئيس بعثة الأمم المتحدة، وروبرت بيري، رئيس منظمة الأمن والتعاون الأوروبي في سراييفو، وجدد النداء روبرنسون، السكرتير العام لحلف شمال الأطلسي، في زيارته الأخيرة لسراييفو في يوم التاسع عشر من يوليو الماضي. 

طرد المجاهدين: حسب اتفاقية دايتون الموقعة في 21\11\1995م تحل جميع التشكيلات العسكرية غير النظامية في البوسنة والهرسك، وتسلم أسلحتها للسلطات الرسمية وبالفعل تم حل الكتيبة العربية في خلال شهر من توقيع اتفاقية دايتون، وتحول أعضاؤها إلى مدنيين، وسافر ۹۸ منهم إلى أماكن مختلفة من العالم، ولم يبق منهم إلا ٦٠ فردًا حصلوا على الجنسية البوسنية وتزوجوا من بوسنيات، ولكن الحرب تم استئنافها من قبل الكروات عندما أوقعوا خمسة من كبار قيادة الكتيبة في كمين، وقتلوهم، ثم مثلوا بجثثهم ونزعوا ثيابهم، وصوروهم وهم عراة وعرضوا صورهم في التلفاز، ونشروها في الجرائد، كما قامت القوات الإنجليزية بقتل بعض الأفراد وغدروا بهم في الطرق وهم عزل من السلاح، وبسبب تلك الأعمال العدوانية، ارتفعت أصوات القتلة الكروات تطالب بإخراج العرب من البوسنة، كما تواصلت الضغوط الدولية على الحكومة لطرد من تبقى من العرب المجاهدين، وكان رد الحكومة البوسنية، أن العرب أصبحوا مواطنين ولا توجد دولة ديمقراطية في العالم تطرد مواطنيها أو تسجنهم بسبب آرائهم، وإنما تفعل ذلك الأنظمة المتخلفة الدكتاتورية، والاستبدادية القمعية، كما أن العرب في البوسنة وبخاصة المجاهدون لم تصدر منهم أي أعمال مريبة، سواء داخل البوسنة أو خارجها، بل إنهم لم يقوموا بالثأر لشهدائهم، الذين قتلوا على يد الكروات والإنجليز، استجابة لضغط من المسلمين في البوسنة.

تغيير الحكومة: استمرت الضغوط على الحكومة البوسنية، وقامت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت بزيارة البوسنة في بداية هذا العام، خصيصًا لبحث موضوع العرب وخصوصًا من قاتل إلى جانب إخوانه في البوسنة ومعظمهم لم يأت مباشرة من بلده الأصلي، وبدا الأمر وكأنه عقوبة لهؤلاء الأبطال في عالم عم فيه الغثاء ومحاولة للاستفراد بالبوسنيين، ومعظمهم ممن يجهل دينه، وغارق في هم الدنيا وسيئاتها، حيث للعرب نشاطات دعوية مكثفة، واستطاعوا إقامة مجتمع خاص من الطهر والالتزام والسلوك القدوة، ولذلك ارتفعت الأصوات المعادية ﴿ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (الأعراف:82).

لم يقرأ رئيس بلدية ماجلاي القرآن، ولا يعرف هذه الآية، لكنه نطق بما نطق به إخوانه من قبل ممن يلتقيهم في المنهج، فهو شيوعي جاء به «الإمبرياليون» لبلدية ماجلاي لينفذ رغباتهم، وكان أول ما قام به هو مطالبة المراجعين عدم التحية بقول السلام عليكم بيد أن الشباب البوسني المسلم، كثف من زياراته للبلدية لا لشيء سوى إفشاء السلام داخل أروقة البلدية، مما أغاظ رئيسها ومن وراءه.

تجفيف الينابيع: هذه الخطة السيئة التي عمت بعض الأقطار العربية، هي التي يراد ترسيخها في البوسنة، فليس هناك شيء أسهل من حكم شعب جاهل، كما يقول روجيه جارودي فتجهيل الشعوب وتجفيف ينابيع الإسلام هو الذي يسهل ركوب الشعوب وتنفيذ أجندة الأعداء، فالإسلام وحده كان وراء خروج عساكر الأعداء من العالم الإسلامي، ووراء مقاومة مشاريع الإبادة في البوسنة وكوسوفا، وكشمير، والفلبين.

الأعداء يعرفون من يستطيع تحريك الشعوب الإسلامية، وينقلها من حالة العمالة والضياع والانبهار والعجز إلى حب الأوطان والذود عنها وتقديم الغالي والنفيس في سبيل استقلالها وتقدمها ووحدتها ومنافسة غيرها في مختلف الميادين، وبطبيعة التاريخ والثقافة والإرث المثقل بالعنصرية والدموية، ونفي الآخر الحضاري، يقف الغرب دائمًا في وجه التغيير الإسلامي، ويعمل على تثبيت ثقافة التشكيك في كل شيء حتى المقدس والتجزئة، والاتكال على الغرب في كل القضايا، فليس هناك ما يرعب الأعداء بعد السلاح غير الكتاب والدرس، والشريط والمقال الذي يفضحهم ويعريهم ويظهر حقيقتهم، لذلك يحاولون شراء الذمم بالمال والمنصب والامتيازات أو السجن والملاحقة والتشهير والاغتيال والمحاصرة، والتجسس والمراقبة والكيد، وهو ما يحصل في كل مكان بما في ذلك البوسنة، وفي هذا الإطار، تستطيع فهمأسباب انسحاب المؤسسة الإسلامية شبه الحكومية من البوسنة، وإضعاف بعضها، وانطفاء جذوة بعضها الآخر، وإعلان الحرب على الناشطين والمثقفين والسياسيين، والخارجين عن السيطرة والهيمنة، ومن يبدون مقاومة في وجه العاصفة. 

مستقبل العرب: المعركة لم تنته بعد، والمقاومون وإن لم يجدوا سندًا من خارج البوسنة, ففي الداخل يقف أهالي برشتينا معهم، وهم الذين وضعوا الحواجز أمام القوات الأجنبية في البوسنة والهرسك، وهم من تحدث للصحافة المحلية والأجنبية التي أخفت الحقيقة.

ملح الأرض : وبحكم أن العرب حاصلون على الجنسية البوسنية، فإنه من الصعب إخراجهم اللهم إلا إذا اتخذ بشأنهم إجراء تعسفي، وهناك مؤسسة أمريكية تعرض عليهم الإقامة متفرقين في الولايات المتحدة، لكنهم يرفضون ذلك، ويطالبون بتعويضات مثل بقية سكان «بوتشينا»، فلماذا يرفضون بقاء العرب في البوسنة ويرحبون بهم في الغرب؟ الجواب هو: أن العرب يعملون في مجال الدعوة ويوعون البوشناق في قضايا كثيرة إسلامية عقائدية وسياسية حضارية، ويقفون في وجه التنصير، ويمثلون قدوة حسنة، ويعربون عن عالمية الإسلام، ووحدة الأمة الإسلامية والدفاع عن قضاياها، بل توجه بعض الشباب البوسنيين للشيشان للمشاركة في الملحمة هناك وسقط منهم شهداء، وهو ما لم يحدث من قبل، وما كان يحدث لو لم يشارك العرب في ملحمة الدفاع عن الوجود الإسلامي في البوسنة، فكانوا قدوة لغيرهم، لذلك قد يتم تفريقهم في مناطق مختلفة، بيد أن ظروفهم المادية صعبة للغاية، وتكاد تكون كارثية، ولاسيما بعد انقطاع المساعدات من المسلمين والحاجة ملحة لإقامة مشاريع استثمارية، يكونون هم طرفًا فيها، حتى يستطيعوا إعالة ذويهم وأبنائهم فليس من الإنصاف أن نهلل لهم وهم يخوضون المعارك ويفدون بأرواحهم المساجد والديار ثم نتركهم للأعداء. 

استنفار عام: قدوم السكرتير العام لحلف شمال الأطلسي للبوسنة يوم 19 يوليو الماضي كان للإشراف على عملية إجلاء أهالي بوتشينا، وخاصة العرب، حيث داهمت الشرطة المحلية المنطقة، تحت تهديد الأمم المتحدة وحلف الناتو، واتهام وزير الداخلية البوسني بالتعاطف مع العرب، فقام 300 عنصر من الشرطة بإزالة الحواجز التي أقامها الأهالي واعتقلوا 19 مواطنًا من بينهم عرب لم يعرف عددهم ولا بلدانهم الأصلية حتى الآن، كما قامت طائرات حلف الأطلسي بالتحليق فوق المنطقة تحسبًا لعملية مقاومة، يقوم بها العرب هناك.

 الناطق باسم الأمم المتحدة، في البوسنة ألون روبيرتس وهو يهودي متعصب، أعرب عن ارتياحه للعملية، ودعا لتشديد القبضة، متجاوزًا الحكومة البوسنية التي رفضت الإجراءات الهمجية، وقدمت شكوى للمحكمة الفيدرالية ضد رئيس بلدية ماجلاي «معارض» وحملته مسؤولية ما جرى ويجري، وما سيترتب على ذلك من أحداث لا يعلم نهايتها إلا الله.

الرابط المختصر :