الثلاثاء 02-فبراير-1988
انتفاضة أهلنا
في الأرض المحتلة تثبت أن الإسلام هو الحل
بداية الأحداث
في قطاع غزة:
بدأت الأحداث
بطعن يهودي من بيت يام في ساحة التكسيات «ميدان فلسطين» بغزة في الساعة الثانية
والربع تقريبًا، أي قبيل أذان العصر من يوم الأحد 6/12/87. ويومها قامت قوة من
الجيش الإسرائيلي باحتجاز حوالي خمسمائة شخص أُطلق سراح معظمهم بعد قليل، وتم
تطويق المنطقة ثم أُنهي الطوق يوم الثلاثاء 8/12/87 في الساعة السادسة مساءً.
وفي مساء يوم
الثلاثاء 8/12، وأثناء عودة العمال من أعمالهم في الداخل، كانت شاحنة -مقطورة-
إسرائيلية متجهة إلى الأرض المحتلة عام 48 بعد خروجها من المستوطنة المجاورة لنقطة
«إيرز»، وكانت سيارات العمال عائدة بالاتجاه المعاكس، فانحرف سائق الشاحنة المجرم
إلى اليسار وحطم سيارتين في الاتجاه الآخر تُقلان عمالًا عربًا، مما أدى إلى سقوط
أربعة قتلى وجرح تسعة آخرين.
على إثر هذه
الحادثة، بدأت الأحداث في مختلف مناطق القطاع، وكان أشبه بثورة شعبية عارمة، وقد
شارك فيها الإسلاميون مشاركة فعالة، بل وأشرفوا على توجيهها في معظم المناطق. وعلى
وجه العموم، فقد كانت المشاركة الإسلامية واضحة مما أعطى الحركة الإسلامية زخمًا
شعبيًا جديدًا.
في جباليا:
فور وقوع الحادث
-المنطقة قريبة من جباليا وهناك ثلاثة قتلى في الحادث من منطقة جباليا- توجه
الشباب المسلم في جباليا إلى المستشفى للتبرع بالدم، فتأكد لهم أن ثلاثة ممن
أصيبوا من سكان جباليا قد فارقوا الحياة فورًا، فقام الشباب بنقل الجثث إلى مقر
سكنهم، ومن ثم تم تشييع الثلاثة معًا، واحتشد الكثيرون من أهل جباليا يقودهم
الشباب المسلم في مسيرة ضخمة اتجهت نحو المقبرة وكان هتاف المسيرة «لا إله إلا
الله».
وقد تأكد الإخوة
هناك أن الحادث متعمد، حيث انحرف سائق المقطورة بشكل مجنون إلى الاتجاه الآخر،
وبعد أن حطم السيارتين، كانت سيارة ذات نمرة صفراء شبيهة بسيارات المخابرات تقف في
المكان، فركبها سائق المقطورة وانطلق بها، ويعتقد بأن هذه العملية هي رد على طعن
اليهودي في ميدان فلسطين بغزة.
وقد فُرض حظر
التجول على مخيم جباليا وكشف الجيش تواجده في المنطقة.
وفي يوم الأحد
13/12/87 قام الشباب المسلم في جباليا بإعلان الإضراب، ووضعوا المتاريس في الطرقات
وأشعلوا إطارات السيارات من فجر ذلك اليوم، كما منعوا العمال من الخروج إلى أماكن
عملهم، وعم الإضراب الشامل منطقة جباليا، واستمر الإضراب الشامل يوم الثلاثاء
أيضًا، وبدأت المظاهرات تخرج إلى الشوارع فاستُشهد أحد أبناء جباليا فتوترت
الأوضاع بشكل أكبر من ذي قبل.
وفي مساء يوم
الثلاثاء الموافق 15/12/87 استُشهد الشاب «إبراهيم علوان» إثر معركة بينه وبين
جندي إسرائيلي بعد أن انتزع سلاحه فأرداه جنود آخرون قتيلًا. وعلى الفور تحرك
الشباب المسلم واختطفوا الجثة حتى لا يتم تشريحها، وتوجهوا إلى بيته وخرجت مسيرة
ضخمة يقودها الشباب المسلم، وحُمل الشهيد على أكتافهم في نعشه وطافوا به شوارع
البلد ثم توجهوا به إلى المسجد حيث صلوا عليه بعد صلاة العصر بفترة، ثم انطلقت
المسيرة الإسلامية والشباب يرفعون المصاحف في أيديهم ويهتفون الهتافات الإسلامية،
وسارت المسيرة من المسجد واخترقت منطقة النزلة، حيث تجابهت في وسط النزلة مع
سيارتين عسكريتين، فقذف الشباب الجنود بالحجارة فأطلقوا النار ثم لاذوا بالفرار.
فسار الشباب من وسط النزلة إلى شارع البحر، ثم إلى المقبرة وواروا الجثمان التراب.
ومن المقبرة توجهت المسيرة إلى مركز الجيش في مخيم جباليا حيث التحم المتظاهرون مع
الجيش، فأُطلقت عيارات نارية كثيفة وقنابل الغاز المسيلة للدموع. وعلى أثر هذه
المعركة الحامية جُرح شاب من جباليا البلد يدعى حسن داود أبو ريا، نُقل إلى
المستشفى، كما أصيب آخر بإصابة بالغة نُقل على إثرها إلى مستشفى تل هشومير، وهو
عماد حجاج من سكان منطقة الحرن، واعتقل عدد من الشباب. وبعد انتهاء المعركة توجه
الشباب إلى منزل الشهيد وأقاموا العزاء بعد حفل تأبينه، وقد أُفرج عن المعتقلين في
اليوم التالي بعد عمليات تعذيب عنيفة خرج معظمهم بعدها، وقد كُسر في جسمه شيء، وقد
باتوا ليلتهم في البرد القارس في العراء وصُب الجنود الماء المثلج على صدورهم
وظهورهم.
وفي يوم
الأربعاء عم الإضراب جباليا البلد، وكان إضرابًا لم تشهده القرية من قبل، حيث
أُشعلت الإطارات وأُغلقت جميع المحال والمجلس القروي، واقتحم الجيش القرية
بالجرافات والسيارات العسكرية وأطلقوا الأعيرة النارية ورد عليهم المتظاهرون
بالحجارة، ووصل الجيش إلى مكان العزاء وأطلق النار على المتواجدين فأصاب الشاب عبد
الحي جودة فرج عبد ربه في ساقه، ثم فُرض منع التجول لمدة نصف ساعة واعتقل الجيش
عددًا من الشباب المسلم ثم أطلق سراحهم فيما بعد، بعد عمليات تعذيب قاسية.
وفي صباح ذلك
اليوم 16/12/87 وُجدت شعارات إسلامية على الجدران تحت توقيع حركة المقاومة
الإسلامية، ووُزعت مناشير تحت هذا التوقيع تدعو الجماهير إلى الإضراب، وفي يوم
الخميس دخل الجيش منطقة السوق واشتبك مع الأهالي فأصيب أحد المواطنين «ناصر مهرة»
برصاصة مطاطية وفُرض حظر التجول على المنطقة.
في غزة:
انطبعت
المظاهرات في هذه المنطقة أيضًا بالطابع الإسلامي، ولم يبرز دور أي اتجاه آخر إلا
في مرحلة متأخرة جدًا.
ففي يوم السبت
12/12 أُغلقت المحال التجارية أبوابها، وحاول الجيش فتحها بالقوة عن طريق خلع
أقفالها. وفي هذا اليوم تحرك الشباب المسلم منذ الفجر لإحراق العجلات وإقامة
المتاريس في معظم الشوارع، وحدث بينهم وبين الجيش صدام، وغص المستشفى الأهلي
العربي «المعمداني» بالجرحى من مختلف المناطق، وعلت نداءات مكبرات الصوت في مساجد
المنطقة تدعو للتبرع بالدم، وحدثت مسيرات كبيرة ومناوشات مع الجيش. وقد استمر
الوضع على كيفية مشابهة أيام الأحد والاثنين والثلاثاء 13، 14، 15/12/87، ووُزعت
منشورات باسم حركة المقاومة الإسلامية عشاء يوم الاثنين، كما انطلقت مسيرة ظهر يوم
الثلاثاء اصطدمت مع الجيش في شارع عمر المختار.
في خان يونس:
بدأت الأحداث
عنيفة في خان يونس اعتبارًا من صباح السبت 12/12/1987 وسارت حسب ما هو موضح:
السبت
12/12/1987: تجمع الشباب في بعض المساجد مثل الشافعي وبلال والمسجد الكبير
والكتيبة من السادسة صباحًا، وفي حوالي السابعة إلا ربعًا صباحًا كانت مكبرات مسجد
بلال تُغني النشيد الإسلامي بصوت عالٍ، وخرج الشباب المسلم إلى الشوارع الرئيسية
وأقاموا المتاريس على الطرق، وكان معظم الشباب ملثمًا وقاموا بقذف الحجارة على
الجيش في أكثر من مكان حيث كانوا مقسمين إلى مجموعات، وكان الجيش يحاول تفريقهم
ويعاودون التجمع مرة أخرى، ولوحظ في البداية أن الشباب كانوا وحدهم طوال الوقت حتى
الساعة التاسعة والنصف وقد استعمل الجيش الرصاص وقنابل الغاز ضدهم، وقد حاصر الجيش
منطقة مسجد بلال واعتقل الأخ عز الدين المصري من مسجد بلال، وكذلك سعيد كلاب من
نفس المسجد، وكذلك أصيب شاب من مسجد فلسطين هو مصطفى أبو رزق في يده، واستطاع أحد
الإخوة أن يهرب من الجيش بعد اشتباك شديد بينه وبين بعض الجنود مما أصابه ببعض
الرضوض والجروح. ثم أخذت مكبرات المساجد تنادي الناس من مساجد بلال والكبير
والسنية وخرجت كل خان يونس رجالًا ونساءً وأطفالًا وتجمهر عدد ضخم من الناس خاصة
عند مسجد بلال المحاصر واشتبكوا مع الجنود وأصيب العديد من الشباب منهم علي
الصرصور «شاب مسلم» في كتفه والشاب عبد المالك أبو الحصين «مسلم طبيب» في رقبته،
توفي على إثرها عصر الثلاثاء.
ومع ضخامة عدد
الجمهور اضطر الجيش للانسحاب من شوارع خلفية وتجمع الناس في مسيرة حاشدة طافت
شوارع خان يونس ورددت الشعارات الإسلامية، وبعض الشعارات الوطنية، ورُفعت الأعلام
الفلسطينية واستمرت حتى قبيل الواحدة ظهرًا.
كانت حصيلة هذا
اليوم إصابة حوالي ثلاثين شخصًا، إصابات بعضهم خطيرة، كما تم تكسير زجاج سيارات
للمستوطنين والجيش وإصابة اثنين من الجنود.
الأحد
13/12/1987: منذ ساعات الفجر الأولى الرابعة صباحًا تحركت مجموعة من الشباب المسلم
لإغلاق الطرق بالمتاريس والإطارات المشتعلة، لمنع العمال من التوجه إلى العمل، وقد
تم ذلك حيث لم يتوجه أحد إلى عمله.
لم يتوجه العمال
إلى عملهم في هذا اليوم حيث إن معظمهم لم يفكر في الذهاب للعمل، والذي خرج من بيته
عاد حيث كانت الشوارع مغلقة بالمتاريس والإطارات بفعل الشباب المسلم. وفي ساعات
الصباح حدثت بعض الاشتباكات خاصة بجوار مسجد السنية في حوالي الساعة التاسعة حيث
أصيب عدد من الشباب منهم الشاب الذي استُشهد فورًا حسين أبو جرغون، فصاحت مكبرات
مسجد السنية وخرج الأهالي بشكل كبير. ثم قام أهل الشهيد باختطاف جثة الشاب من
المستشفى وقاموا بدفنه في مسيرة حاشدة جدًا قادها الشباب المسلم حيث طافت جنازة
رمزية بعد ذلك كل شوارع خان يونس وكانت بقيادة الشباب المسلم ووقفت في مسجد
السنية، وألقى أحد الإخوة كلمة في الحضور ثم واصلت المسيرة سيرها وهتافها والأعلام
مرفوعة والأهالي حولها. وفي نفس الوقت حوالي الساعة العاشرة صباحًا حدث اشتباك بين
الجيش والشباب على باب مسجد الشافعي مما أدى إلى إصابة الشاب عاطف أبو ناموس «شاب
مسلم» ورائد الطبش «عادي»، فقام أحد أعضاء لجنة المسجد باستعمال مكبرات المسجد،
فخرج جميع أهالي المعسكر الغربي وتجمعوا في مسيرة حاشدة وألحقوا الجيش الذي هرب
إلى المستوطنات الغربية، ثم طافت المسيرة الشوارع والتقت بالمسيرة التي قادها الشباب
من مسجد السنية في مسيرة حاشدة جدًا لم تشهد لها خان يونس مثيلًا من قبل حيث توجهت
إلى بيت الطفل الشهيد وحيد أبو سالم، ثم توجهت باتجاه مركز الشرطة حيث كان الجيش
يتواجد بشكل كثيف فقام بإطلاق الرصاص وقنابل الغاز باتجاه المتظاهرين.
وقد لوحظ مشاركة
أفراد الشبيبة بشكل جزئي وقام أحد الجنود بالتبول في خزانات الماء.
الثلاثاء
15/12/1987: وزِّع في صلاة الصبح في المساجد بيان حركة المقاومة الإسلامية الذي
جاء فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا
وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:200).
يا جماهيرنا
المرابطة المسلمة:
أنتم اليوم على
موعد مع قدر الله سبحانه النافذ في اليهود وأعوانهم... بل أنتم جزء من هذا القدر
الذي سيقتلع جذور كيانهم إن عاجلًا أو آجلًا بإذن الله سبحانه وتعالى.
إن مئات الجرحى
وعشرات الشهداء الذين قدموا أرواحهم خلال أسبوع في سبيل الله من أجل عزة أمتهم
وكرامتها، ومن أجل استعادة حقنا في وطننا رافعين لراية الله في الأرض - لهي تعبير
صادق عن روح التضحية والفداء الذي يتمتع به شعبنا، والذي قضّ مضاجع الصهاينة وزلزل
كيانهم، والذي أثبت للعالم أن شعبًا يطلب الموت لا يمكن أن يموت.
لا بد أن يفهم
اليهود برغم قيودهم وسجونهم ومعتقلاتهم... برغم المعاناة التي يعانيها شعبنا في ظل
احتلالهم المجرم... برغم شلالات الدماء التي تنزف كل يوم... برغم الجراح، فإن
شعبنا أقدر منهم على الصبر والثبات في وجه طغيانهم وغطرستهم حتى يعلموا أن سياسة
العنف ستقابل بأشد منها من أبنائنا وشبابنا لأنهم يعشقون جنات الخلد أشد مما يعشق
أعداؤنا الحياة الدنيا.
لقد جاءت
انتفاضة شعبنا المرابط في الأرض المحتلة رفضًا لكل الاحتلال وضغوطاته... رفضًا
لسياسة انتزاع الأراضي وغرس المستوطنات... رفضًا لسياسة القهر من الصهاينة... جاءت
لتوقظ ضمائر اللاهثين وراء السلام الهزيل... وراء المؤتمرات الدولية الفارغة...
وراء مصالحات جانبية على طريق كامب ديفيد... وأن يتيقنوا أن الإسلام هو الحل وهو
البديل.
ألا فليعلم
المستوطنون المستهترون أن شعبنا عرف ويعرف طريقه - طريق الاستشهاد وطريق التضحية -
وأن شعبنا جواد كريم في هذا الميدان، ولن تُجديهم سياسة العسكريين والمستوطنين
وستتحطم كل محاولاتهم لإذابة شعبنا وإبادته، برغم رصاصهم وبرغم عملائهم وبرغم
مخازيهم.
وليعلموا أن
العنف لا يولد إلا العنف، وأن القتل لا يورث إلا القتل، وصدق القائل «وأنا الغريق
فما خوفي من البلل».
وللصهاينة
المجرمين: ارفعوا أيديكم عن شعبنا - عن مدننا - عن مخيماتنا - عن قرانا - معركتنا
معكم معركة عقيدة ووجود وحياة.
وليعلم العالم
أن اليهود يرتكبون الجرائم النازية ضد شعبنا، وأنهم سيشربون من نفس الكأس.
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ
نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (ص:88).
الانتفاضة
المباركة:
﴿وَأَعِدُّوا
لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ
عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال:60).
شعبنا المرابط
على أرضنا المجبولة بدماء الأجداد المجاهدين من الصحابة الطاهرين وأحفادهم
الصالحين الأخيار. أيتها الأمهات الصابرات والآباء الأطهار، والشباب المجاهد،
والأشبال العظماء، أيها الرجال والنساء والكبار والصغار، فإنه في غفلة من شعبنا
الممزق إلى دويلات متناحرة، نصب الأعداء على عروشها حكامًا هم لهم جنود أوفياء
وحراس أمناء. أثناء ذلك تم تسليم القسم الأول من فلسطين الغالية سنة 1948، وبعد
عشرين عامًا من إلهاء الشعوب وضرب الحركة الإسلامية في كل مكان - لإنهاء الخطر
الحقيقي على أعداء الله عامة والطواغيت خاصة - تم تسليم بقية فلسطين سنة 1967،
وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك، وصدق اليهود إنهم قد انتصروا فأصابهم من الغرور
والغطرسة ما أصابهم فأخذوا يعيثون في الأرض فسادًا، وكانت الهجمة الإسرائيلية
الشرسة على الأرض والإنسان معًا.
تمثل ذلك
بمصادرة معظم أراضي فلسطين من أصحابها الشرعيين بالقوة والعنف، والتزوير والخبث،
وأقاموا مئات المستوطنات، وقطعوا الأشجار المثمرة، ودمروا البيارات بالجرافات،
ومنعوا رخص البناء على الأرض، وحاربوا المزارعين بوسائلهم الخبيثة، وعملوا على
تخريب الأرض ما وسعهم ذلك وتفريغها من أهلها.
وكانت الممارسات
غير الإنسانية ضد الشعب الأعزل باعتقال الآلاف المؤلفة من الناس رجالًا ونساءً
وأطفالًا، وضربهم وتعذيبهم وشتمهم وسب ربهم ومحمد رسولهم عليه السلام، بأبذأ
الألفاظ وأحقرها. طوقوا المخيمات والمدن، فرضوا الجمارك، كانت الاعتقالات
الإدارية، أغلقوا الجامعات والمعاهد العلمية، وأطلقوا الرصاص العشوائي يقتل من
يشاء، حرموا الأهل والأقارب من إلقاء نظرة الوداع على شهيدهم والسير في جنازته
وأمروا بدفنه في بطن الليل تحت أسنة الحراب.
كان ذلك وسواه
من طبع الجبان المتحكم الضعيف المنتقم، الخبيث الحاقد، وظنوا أن شعبنا غرق في
متاهات اليأس وانعدام القدرة، وسجد على أقدامهم يطلب الرحمة مستجديًا، مقتديًا
بالحكام!!
فكان لا بد من
الانفجار الذي لم يكن في الحساب، وتساءلوا:
هل يستطيع الشعب
الأعزل أن يرفع رأسه؟ هل يتحرك الناس دون دعم من الخارج؟ لقد توقعوا أن ينشأ جيل
من الشباب بعد سنة 1967 هو جيل الذلة والمهانة، جيل تربى على الحشيش والأفيون
والغناء والطرب والشواطئ والبغايا، جيل احتلال، جيل جاسوسية وسقوط.
ولكن ما الذي
حدث؟
إنها صحوة شعب،
الشعب المسلم يثأر لكرامته ويعيد أمجاد الماضي، الشعب الذي يرفض التنازل عن شبر من
وطنه، يرفض كامب ديفيد، يرفض المؤتمر الدولي والصلح المهين، يرفض الاعتقال
والإبعاد، يرفض الاستسلام كل الاستسلام.
لقد كان
الانفجار الجماهيري في المخيمات والمدن، والقرى والبوادي، في فلسطين كل فلسطين،
تصاعدت الاشتباكات، وكانت المصادمات المذهلة في الليل والنهار، حتى وصفتها بعض
وكالات الأنباء بأنها جبهات قتال.
في كل يوم تقبل
الأرض دماء الأبرار وتسجد على التراب جباه الشهداء الأخيار، وذلك بعض ثمن العزة
والكرامة، والتحرير والإنقاذ، هذا مهر الحور العين، وبدل الجنة ﴿إِنَّ اللَّهَ
اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ
الْجَنَّةَ﴾ (التوبة:111). الكل يرفض الاحتلال وينبذ الواقع، وتتصاعد حدة
الانتفاضة يومًا بعد يوم، رغم ظلم المحتل وبغي المجرم، يقتحمون المساجد، يعتقلون
بلا رحمة، يلقون القنابل المتطورة لقمع الحركة المباركة، يدفعون بالآلاف المؤلفة
من الجيش لإخماد الحريق، يقتحمون المخيمات بالدبابات، يمنعون الصحافة من الوصول
إلى معظم المواقع، حتى لا تُغطى الأحداث.
رغم ذلك كله،
حركة المقاومة تتقدم وتقول: أيها الغاصب المحتل لن يُسفر عنفكم إلا عن مزيد من
الانفجار، وإن ما حدث هو مقدمة لما سيكون والظلم مرتعه وخيم.
وإلى الأمام يا
شعبنا الصامد المرابط حتى يأتي الله بالفرج ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ
عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة:105). واعلموا أن النصر مع
الصبر، وإن الله مع الحق. ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا
يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (الروم:60).
وأخيرًا... لا
للكيان الصهيوني... لا للاحتلال اليهودي... لا للإبعاد... لا للاعتقالات... لا
للطغيان... لا للتنازل عن ذرة من أرض فلسطين فلتستمر الانتفاضة بقوة من أجل الحق،
والحرية، والعزة، والكرامة.
حركة المقاومة
الإسلامية
فلسطين