; حروب المافيا في البلقان | مجلة المجتمع

العنوان حروب المافيا في البلقان

الكاتب شادي الأيوبي

تاريخ النشر السبت 31-يناير-2004

مشاهدات 66

نشر في العدد 1587

نشر في الصفحة 34

السبت 31-يناير-2004

بلاد البلقان ليست فقط معبرًا لتهريب الكوكايين، لكنها تحيا مأساة اجتماعية وإنسانية كبرى بسبب الإدمان.

80 % من الهيروين المبيع في أوروبا يمر عبر البلقان.

بدأت عصابات المافيا البلقانية- فيما يبدو- حرب تصفيات داخلية للسيطرة على طرق تهريب المخدرات في المنطقة، بينما السلطات تبدو المستفيد من هذه «الحرب الأهلية».

فقد قتل أربعة من كبار زعماء المافيا البلغاريين خلال شهر نوفمبر الماضي، وتعتبر بلغاريا محطة مهمة لتهريب المخدرات من المثلث الذهبي في آسيا الوسطى إلى أوروبا الغربية، كما يعتبر ميناء «بورغاز» من أهم المعابر لتهريب الكوكايين القادم من أمريكا اللاتينية باتجاه بلاد الكتلة السوفييتية السابقة. 

الأمين العام لوزارة الداخلية البلغارية بويكو بوريسوف كشف أن لقاء سريًّا عقده كبار زعماء المافيا البلغاريين في مدينة سالونيك شمال اليونان بهدف تهدئة الأوضاع فيما بينهم، لكنهم لم يستطيعوا التوصل إلى «اتفاق سلام»، ويدل على ذلك أن أحد وجوه المافيا البلغارية المعروفين واسمه کوستاندین ذيميتروف قد اغتيل مؤخرًا في هولندا، بينما مصير زعيم مافيوي آخر مجهول.

 وقبل عامين أُغتُيل رجل المافيا البلغاري بولي باديف في إحدى جزر الكاريبي، وكان رجال المافيا المحليون قد عهدوا إليه بمهمة إيصال ٦٠٠ كيلو من الكوكايين إلى روسيا عبر مرفأ «بورغاز» لكن الكمية لم تصل، ولما دعوه لتفسير ما جرى، سبق قانون المافيا في الاقتصاص منه.

ورجحت مصادر بلغارية أن عمليات التصفية المتبادلة تتم بهدف توزيع جديد للحصص في الوقت الذي ضاقت فيه مجالات العمل المافيوي الجغرافية؛ بسبب الحرب القاسية التي تشنها السلطات المحلية ضد عمليات التهريب.

وتخضع الحكومة البلغارية الساعية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لضغوط كبيرة من الاتحاد للقضاء على مظاهر الجريمة المنظمة، بل إن هذه المسألة جعلت كشرط

أساسي من شروط الانضمام، وكان مسؤول أمريكي قد انتقد السلطات البلغارية؛ لأنه برغم حوادث العنف التي وقعت بشكل كثيف خلال الفترة الأخيرة، لم يتم اعتقال أي شخص أو توجيه أي اتهام، حسب قوله كما سبق أن وجهت تحذيرات مشابهة لحكومات جنوب شرق أوروبا من قبل مسؤولين غربيين.

تنظيم واسع الانتشار

عصابات المافيا البلقانية توسعت كثيرًا بسبب عجز السلطات المحلية في مواجهتها، وتورط بعض المسؤولين الكبار في نشاطاتها في أحيان كثيرة.

وتتوزع تلك النشاطات على تهريب المخدرات، والنساء والمهاجرين غير الشرعيين والأسلحة، وتوافر الأموال الضخمة التي يحصل عليها رجال المافيا من هذه النشاطات مبالغ خيالية يستطيعون بواسطتها الوصول إلى الدوائر الحكومية، ومراكز اتخاذ القرار، وتمويل الحملات الانتخابية، ومراقبة المراكز الجمركية، بينما يستطيعون تحريك الأحداث بشكل كبير عند أي تهديد لمصالحهم، ابتداء من حملات التخويف إلى التصفية الجسدية.

وتشكل تجارة الهيروين بشكل خاص مصدرًا مهمًا للربح الخيالي لتجار المخدرات، ابتداء من منشئها في أفغانستان وباكستان، وانتهاء بأوروبا الغربية، وبرغم النجاحات المؤقتة التي تتحقق في الإيقاع بعصابات التهريب، فلا تزال التجارة الهدامة مستمرة وقابلة لمزيد من التوسع.

طرق البلقان للتهريب

 وبحسب أبحاث طرحت في مؤتمر لرجال الأمن البلقانيين عقد مؤخرًا في سالونيك حول الجريمة المنظمة، فإن 80% من الهيروين المبيع في أوروبا يمر عبر البلقان، وتشكل بلغاريا ورومانيا وألبانيا محطات رئيسة للتهريب، بينما يتم اللجوء إلى المعابر اليونانية البحرية كحل بديل عند الضرورة.

وقالت مصادر المؤتمر إن عصابات التهريب في أوروبا يقودها أتراك، لكنهم بدءوا في الفترة الأخيرة يجدون منافسة من قبل «زملاء» من ألبانيا وكوسوفا، بينما تتولى عصابات من بلغاريا وألبانيا ورومانيا مهمتي النقل والتوزيع. وتابعت مصادر المؤتمر: إن المهربين الأتراك يتابعون نشاطاتهم متسترين بغطاء شركات تجارية وبحرية وإنشائية، ويقيمون علاقات مع أندية رياضية كـ «رعاة للعمل الرياضي»، ولا يتورعون عن الدخول في مجال الأعمال الخيرية «بيوت للمصابين بالزلازل، تصليح مدارس» ويحافظون على علاقات جيدة مع مصالح حكومية مختلفة.

وفي داخل التنظيم المافيوي يسود نظام الطاعة العمياء، وقد سبق اغتيال المتعاملين مع الشرطة، وتنقل الأوامر العليا إلى الأفراد والعملاء الأجانب الذين يزورون تركيا عبر طرف ثالث، وفي حال مصادرة كمية من المخدرات داخل أو خارج تركيا، يتم اللجوء إلى طرق مختلفة وأسماء لأشخاص وشركات آخرين، الأمر الذي يدل على اتساع دائرة نفوذ العصابات.

 ألبانيا مركز التوزيع: بسبب موقعها الإستراتيجي والجغرافي أصبحت ألبانيا مركز توزيع مهمًا للهيروين في أووريا.

وتقول الجهات الدولية المكافحة لتجارة المخدرات: إن الهيروين يخلط بنسبة ١ إلى ٣ في ألبانيا، ثم ينقل عبر زوارق سريعة أو عبر السفن العادية إلى الشواطئ الإيطالية، ثم إلى الأسواق الأوروبية، بينما لا يستعمل طريق كوسوفا التي توجد فيها قوة «الكي فور» التي تقدر بـ حوالي ۲۳۰۰۰ رجل، وتراقب حدودها قوة من ٦٠٠٠ رجل من الشرطة الدولية. أما بلغاريا ورومانيا فقد تم اعتمادهما كمركزي عبور وتخزين للهيروين القادم من تركيا، بالرغم من أن السلطات البلغارية صادرت كميات كبيرة من المخدرات لاسيما بعدما أقامت بالتعاون مع دوائر بريطانية أمنية أجهزة كشف حديثة في معبر «کابتان أندريفا» الحدودي مع تركيا حيث صودرت كمية من الهيروين تقدر بطن خلال العام الماضي.

قسم من الهيروين المهرب بشكل «ترانزيت»، من بلغاريا يبقى في اليونان كمقابل للخدمات التسهيلية، هذا القسم توزعه المافيات المحلية على حوالي 30000 مدمن في البلد، وتشن السلطات الحدودية اليونانية حربًا ضروسًا ضد المهربين الذين يحاولون إدخال المخدرات إلى اليونان عبر بلغاريا، وخلال العام الماضي قتل في إحدى المواجهات مع الشرطة اليونانية الزعيم المافيوي الشهير «ستويان ستويانوف» الذي كان يعتبر شخصًا لا يمكن اصطياده، حتى إن الصحف البلغارية لم تصدق خبر موته وكتبت إحداها عنوانًا عريضًا جاء فيه «غير معقول... لقد قتلوا الرب»، وهو اللقب الذي كان يعرف به في أوساط الجريمة المنظمة.

وهكذا بعد انهيار النظم الشيوعية السابقة ظهرت في المنطقة ظاهرة «مخدرات الأغنياء»، وهي الكوكايين الذي يشحن بكميات كبيرة من أمريكا اللاتينية إلى روسيا وأوكرانيا وكازاخستان ورومانيا وهنجاريا وبلغاريا عبر مرفأ «بورغاز» البلغاري، بينما يشكل مرفأ «ذيراخ» الألباني محطة مماثلة لتهريب الكوكايين إلى وسط وغرب أوروبا، يليه في الأهمية مرفأ «بيريا» اليوناني.

الثمن... من الشباب

 بلاد البلقان ليست فقط معبرًا لتهريب الكوكايين إلى بلاد الكتلة الشرقية السابقة، والهيروين إلى أوروبا الغربية، لكنها تحيا في مأساة اجتماعية وإنسانية كبرى، فالحشيش والهيروين ينتشر بشكل كبير خصوصًا في أوساط الشباب حيث يقدر أعداد المدمنين فيها بمئات الآلاف يزداد عددهم باضطراد بسبب المشكلات الاجتماعية التي تعيشها تلك المجتمعات من فقر وبطالة وغياب آفاق مستقبلية واضحة، ومع اتجاه المنظمات الدولية إلى أماكن واهتمامات أخرى أكثر سخونة.

تبقي الأوضاع في البلقان مرشحة للمزيد من التدهور، فبالرغم من انتهاء أو شبه انتهاء الحروب العرقية فيها، فإن أنظمة قامت على أنقاض الدول السابقة، تقوم أساسًا على الجريمة المنظمة.

العصابات الألبانية أصبحت في الفترة الأخيرة تشغل حيزًا كبيرًا من اهتمام سلطات المنطقة، لأنها لا تتردد لحظة واحدة في تصفية من يعارضها أيًا كان، هذا ما ورد في تقرير صدر بتاريخ ۲۲ ديسمبر الماضي عن الشرطة الأوروبية «يوروبول» عن الجريمة في أوروبا. ويقول التقرير الذي نشرته جريدة «أفيي» اليونانية إن الجريمة تزداد بشكل مضطرد في المجتمع الألباني، وتتخذ شكل عصابات صغيرة دون رئيس تتبعه، مما يشكل عائقًا أمام ملاحقتها وتفتيتها.

وأضاف: أن أشكال الجريمة اليوم أصبحت تختلف عن الأشكال السابقة، فبينما كانت الجرائم سابقًا بسبب المخدرات، فإن الجريمة اليوم أصبحت تهدف إلى عدة أمور وتتجه إلى المزيد من التعقيد. 

وبينما كانت أعداد المنظمات الإجرامية عام ۲۰۰۲ حوالي 3۰۰۰ منظمة لها 3۰۰۰۰ عنصر ينشطون في ٢٥ بلدًا من الجوار، أصبح العدد اليوم ٤٠٠٠ منظمة لها ٤٠٠٠٠ عضو، وهذه المنظمات لها تنظيم شبيه بالمنظمات الثورية مما يجعل الوصول إلى الهرم القيادي مستحيلًا حتى لو تم القبض على بعض أعضاء العصابة.

لكن التقرير ينصح الأجهزة الأمنية أن تركز جهودها على القبض على المهربين بدلًا من مراقبة المهاجرين غير الشرعيين.

تعاون إجرامي دولي

ويتابع التقرير: إن العصابات الإجرامية في أوروبا تقدمت بخطى سريعة في تنظيم صفوفها، بالتنسيق مع عصابات إجرامية مماثلة من الولايات المتحدة وكندا والصين وتركيا وفيتنام، وللعصابات مراكز توجه نشاطاتها أغلبها في هولندا حسب التقرير، وبينما تركز العصابات الأسبانية على تجارة القنب والكوكايين، تنشغل المافيا الإيطالية بتجارة الرقيق الأبيض، أما العصابات الألبانية فتنشغل بالأمرين معًا، مع تميزها بالعنف الشديد في سبيل تحقيق أهدافها. 

أما المافيا الروسية فيصفها تقرير اليوروبول أنها قوية جدًا وتنشغل بشكل رئيس بالجرائم الاقتصادية مثل غسل الأموال والابتزازات المالية وتهريب البشر، وتكتسب العصابات التركية صفة «العائلية» وتهتم بتهريب الهيروين. ويصف التقرير العصابات الإجرامية في بلغاريا ورومانيا أنها متخصصة بشكل أساسي في الجرائم الاقتصادية والسرقات وإصدار البطاقات الائتمانية المزورة، وتزوير البطاقات الشخصية، وجوازات السفر، وأوراق العملة (اليورو)، وتنتشر كذلك تجارة السيارات المسروقة التي تنتقل من ألمانيا لتنهي رحلتها في روسيا وألبانيا، ووسط أوروبا، والنرويج. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل