; من جنيف.. إلى الطائف | مجلة المجتمع

العنوان من جنيف.. إلى الطائف

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-ديسمبر-1988

مشاهدات 79

نشر في العدد 897

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 27-ديسمبر-1988

قضيتان.. وحدثان.. قضية دخلت منعطفًا تاريخيًا.. وقضية صنعت انبعاثًا تاريخيًا.. القضية الفلسطينية دفعت بها منهجية التكنيك السياسي المعزولة عن أصالة القضية وثوابتها التاريخية والمعطلة لوسائلها الشرعية الجادة.. لتلج معترك تلاطم الأمواج السياسية عالميًا ومحليًا.. ولنواجه زخم تفاعلات المصالح الدولية وموازناتها التي لا تستقر على حال.. ولتجد نفسها اليوم في جنيف بعد أن أغلقت مسرحية التكتيك السياسي المتعددة الأطراف أمامها بوابة نيويورك.. ولماذا تغلق نيويورك...؟ ولماذا تفتح جنيف؟ أو لم تكن الولادة التاريخية للقضية في جنيف وما جاورها...؟ فلا غرابة إذ إن تكون نهاية المطاف لهذه المرحلة في جنيف... لتكون بذلك بداية للانعطافة التاريخية للقضية الفلسطينية بعد مشوارها المرير.. لتبدأ مشوارها الأمر. 

أما القضية الأفغانية فقد صنع بها أهلها شيئًا آخرًا.. شيئًا منفردًا ومتميزًا في التاريخ المعاصر... فبفضل من الله تعالى ثم بفضل ثوابتهم العقدية وتميز هويتهم وتفوق تضحياتهم الجهادية وثباتهم والتزامهم لأصالتهم الاستراتيجية.. استطاعوا أن يحافظوا على استقلال قضيتهم والحؤول بينها وبين كل محاولات المكر والكيد العسكري والسياسي- وقد قهروا أعتى قوة طاغوتية في الأرض- مؤكدين للدنيا أجمع بأن قرار قضيتهم من شأن شعبهم المسلم فحسب... ولن تستطيع قوة في الأرض أن تفرض عليهم خلاف ما عاهدوا الله تعالى عليه... تحرير بلادهم وتأكيد هوية الأصالة والانتماء لشعبهم المسلم الأبي.. وتصميمهم على تحكيم شرع الله تعالى وإقامة دولة الإسلام التي ما كان جهادهم وتضحياتهم إلا من أجل تحقيقها وتأكيدها.. وهكذا كانوا مع الله تعالى فكان الله معهم.. ففرضوا بعون الله تعالى إرادتهم.. إرادة الحق الذي يرفعون رايته على أعدائهم ومن والاهم.. وقطعوا الطريق على كل محاولات الكيد والالتفاف على انتصاراتهم وعطلوا كل تحركاتها الماكرة.. فأغلقوا بكل العزم والتصميم بوابة جنيف وكل بوابة لشياطين الأرض... وفرضوا على أعدائهم بوابة الطائف ومنهجية الجهاد.. منهجية الحق والعدل تستمد قوتها وعزتها من أنسام مكة المكرمة ونفحاتها الطيبة الآمنة.

 أجل قضيتان وحدثان.. قضية دخل بها ساستها انعطافًا تاريخيًا بدايته جنيف... وقضية صنع بها أهلها انبعاثًا تاريخيًا بدايته هناك في خنادق الثبات والتضحيات وولادته هنا في الطائف بجوار بيت الله وحرم الله.

وما بين الطائف قرب البيت الحرام وجنيف معان ومعاني... وما بين الانبعاث والانعطاف فوارق وفوارق.. الطائف حضن مكة وهي رمز الأصالة والانتماء وجنيف رمز المتاهة والضباع وما بين الأصالة والمناهضة أشواط وأشواط.

 الانعطاف اتجاه يحتمل السير وفقه الخطأ والصواب.. وإن تحقق الصواب.. فهو صواب مضطرب لا يقوم على أرضية ثابتة ولا يمتلك أسباب الاستمرارية والتمكين لأنه مجتث الجذور سرابي الهوية والأصالة... يخدع صاحبه فلا يغنيه عن ظمأ ولا يسمنه من جوع... بل ينهكه ويبدد طاقته في غير اتجاه أصالة الغاية والهدف.. أما الانبعاث فهو تحرك مؤصل المسار ثابت الخطى.. يملك أسباب الاستمرارية والتواصل.. منابع طاقته غذائية وعوامل استقامته منه وإليه.. فهو كلمة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

 الانعطاف... وليد دبلوماسية طغت فيها مهارة التكتيك على الثوابت الاستراتيجية ومنهجها وقيمها فعطلتها فكان السير بلا ضوابط وبلا معايير لما يحيل حصاد الإخلاص والتضحيات إلى رماد وسراب.. أما الانبعاث فهو وليد دبلوماسية ملتزمة.. تنضبط معها مهارة التكتيك علي الثوابت الاستراتيجية ومعايير ومقاييس موضوعية جادة في أطر من العقيدة والقيم.. مما يحافظ ويبارك مستقبل مواقف الإخلاص وضروب التضحيات.. أجل ما بين الانعطاف والانبعاث فوارق نوعية وكمية في تاريخ الأمم ومسيرة الأحداث لأجيالها المتعاقبة.. وتاريخ أمتنا القديم والحديث ترك لنا معالم وشواهد تؤكد لنا هذه الفوارق النوعية والكمية.. والعيب كل العيب والتخلف كل التخلف والظلم كل الظلم للأجيال عندما يصر المعنيون بقضايا أمتهم على تجاهل تاريخهم وعدم الاستفادة من مكنوز أمنهم منحازين عن ذلك إلى موروث أعدائهم ونهج خصومهم.

وخلاصة القول.. إن القضية الأفغانية صنعت هذا الانبعاث التاريخي لنفسها ولأمتها الإسلامية... عندما لم يعزل أهلها خنادقهم السياسية عن خنادقهم القتالية فكانت المعركة عندهم ولا تزال معركة متكاملة.. ففي خنادق القتال تأصل فكرهم السياسي وتكونت دربتهم الدبلوماسية فتكامل فقههم الجهادي.. فقه قوامه البيان والسنان.. فكانوا ولله الحمد فرسانه في البيان وفي السنان.. فهل يتعظ إخواننا الفلسطينيون.. فيعيدوا لقضيتهم أصالتها وأصالة نهجها.

نرجو أن يكون ذلك ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).

الرابط المختصر :